حصريا

أزهار على حواف غزّة – أ.عبدالنور خبابة -الجزائر-

0 237

 

أزهار على حواف غزّة

لم يعد صوت الحرب مرعبا كصمت هذا العالم  الذي صار يرقص  تحت أضواء الذّنب بلا خجل ،  ويرفع  شعارات  الإنسانيّة المزركشة على أشلاء بريئة تركض خلف رغيف يابس  وجرعة ماء  ، وحين يتعب من الزّعيق يضعها جانبا ويتعرّى وجهه الحقيقي  فيظهر بكامل حقائقه على الشّاشات الدّامية  ، ثمّ ينام على جنب مريح ويطفئ داخل حجرة ضميره الصّراخ القاتل لأطفال غزة ، ولأشلائهم  التي ما حرّكت ماكينة الضّمير العربيّ  وصوت الحقّ الإنساني .

ماذا سنقول لتلك الأشلاء الغضّة التي دهستها عربات الظّلم ، ماذا سنقول لذاك الأب الذي سجد أمام فتات صغاره وقشّر أبوّته بخنجر الخذلان ليغرّد مجروحا على أغصان الفقد على شجرة العذاب   ، ماذا سنقول لرضيع خرج إلى الدّنيا بقماطه الأبيض  ليعود مجدّدا إلى رحم الأرض مفجوعا  ممزّقا تحت لفافته التي تشرّبت بالدّماء    ، ماذا نقول لأم ترتجف بين الجثث بحثا عن صغيرها  بين الأنقاض والغبار آملة ألاّ يكون وجهه قد طحن تحت الصّخور والأسقف لتضمّه ، تشمّ أنفاسه  ولكنّها لا تجد غير ذراع مجهولة ، ورأس مقطوع بلا ملامح ، ويد بجلد ملطّخ قد محى الحطام اسمه المدوّن بالحبر .

تجري بين حرقة الفراق  ونيران التّخلّي المهولة التي زعزعت أمومتها  وأعدمتها على مقاعد الانتظار المحروقة وجعلتها تفضي هناك بسرّها المكلوم  ، ماذا نقول لتلك الأرواح الصّغيرة النّاجية  بعيون مذهولة وصخب الدّمار  قد كنس كلّ الألعاب المدمّرة   ماذا نقول لارتعاش الرّوح ، وهزّات الطّفولة  ، وغرز الخديعة ، ونزف التّواطؤ ، ماذا نقول  ونحن هنا قد متنا ميتة قاسية نجا فيها الجسد وقتل فيها الضّمير  ولم يبق على قيد الحياة  سوى الخذلان .

نحن في المنتصف تماما يلفظنا المنثور والمنظوم من الكلام  ، مصلوبين غير مقبورين ، معلّقين على أدراج الأكفان التي يصوّرها الكون في مشهد مسرحي ينفّس بمرارة عن المعاني التي تعتلج الصّدر وتقيّح ّالأكباد  بلا مشاهد تفصح عن  ذلك  ، ماذا نقول للطّفولة التي سحقت مثل الرّماد لتدنّس  عروبتنا التي لازلنا نزعم  في خطابات رنّانة أنّ الكرامة العربيّة لا تزال صافية لكنّ مرآة العروبة الصّقيلة قد صدئت بين يدي المسلمين فلا لغة يمكن أن تراق  لأجل غزّة فقد هتك الجوع أطفالها وشيوخها ونسائها ونحن كالتّماثيل الحجريّة ، كقطع الشّطرنج ، كالدّمى لا نملك إرادة أكبر من التّرقب والمشاهدة و رجم ما يحدث بالعواطف  ورشق العدوّ بالألفاظ .

كيف ستصفو نظرتنا لأنفسنا  وإخوتنا في غزّة يعدّون أشلاء صغارهم من تحت الأنقاض ، ويودعون أكبادهم على عربات البضائع ، ويكدسون أحبتهم في ثلاجات الأيسكريم ، يقتلون على أكياس الطّحين  ، و يطالعون ديارهم التي صارت رمادا بعين ٱسفة ، وفوق كل هذا يعريهم الخذلان العربي .

الحصار العربي ، الخذلان الأخويّ ، آليات العدوّ الهمجيّ ، الجوع ، الحرّ ، الفقد ، الانكسار كأنها مقدّمة  لهندسة شرفات النّهاية التي تطلّ على العدم ، صورة منطقيّة للإشفاق والسّخط لحقائق غير مشبوهة بالخيال ، تتراءى من بعيد على كومة هذه الصور المبكية صورة  شيخ أعزل يسير سيره بعصا أكلت الحرب مقبضها  ليغرس الزّيتون في صدور الأطفال الذين ستخرج من  صحيفتهم البيضاء بطولات تخلع الغبن وتنصب على النّواصي حريّتها المقدّسة .

فاق الوجع كل وسائل التعبير  وتحولت قلوبنا  إلى قماش ، وضمائرنا في حاوية الخذلان  ، وعروبتنا مثل طبل مهترئ  أرهقه الدّقّ ، وقراراتنا صارت  تصل الحلق ثم تعود مع الريق.

مرّ زمن ثقيل على إخواننا في غزّة منذ طوفان الأقصى المبارك الذي لا يزال جريانه يعبر الألواح والأجساد والأمنيات ، يبعثر ذرّات النّور في أعماق العتمة  ولو كره الحاقدون .

فكّرت في الكتابة عن خوالج نفسي المتألّمة لأقتل ذنب الخيانة  الذي يعتري حواسي كلّها وأشتّت ذهني اليقظ الذي ينهشني كلّما طالعت على الشّاشة قصص أطفال غزّة الوجعة فتيقّنت أنّ الكتابة نجاة من حطب الصّمت الملتهب  وهرب لذيذ من أنياب الضّمير  لكنّي وقفت عاجزا بلغتي أمام هذه المشاهد المروّعة فغلبني الصّمت ورضيت بالاحتراق الدّاخليّ الذي نفذت إليه طواعية لأستشعر الحياة الصّعبة لأهل غزّة الأبطال .

سقطت أمام بابهم مقهورا لا  أقوى على ترجمة شيء من حياتهم ورحت بلثام الخجل أفكّ العقد من لساني لكنّ قلمي علق  مجدّدا في وحل الكلمات  محاولا ذكر أسماء حلّقت نحو بارئها بعظام بارزة ونحول مخيف ، فالمجاعة لم تترك صفاء في ذهني  ولا منظرا في صدري ولا صرخة في حنجرتي فقد اكتفيت بالكتابة في ذهول عنهم ولم أعي حركة أصابعي وهي تخطّ في وصف ضعيف أكدار ما رأيت .

آمنة آخر مشهد رأيت وقبلها الكثير من المشاهد التي لا يتصوّرها عقل ، أو يتخيّلها وجدان ، وحشيّة سافرة ، ونذالة طاغية ، وأحقاد لاهثة تستلذّ في القتل والتّعذيب ، آليات يحصّنها الجبن  ، مدجّجة بالهلع ، تضخّمها أسلحتها الحربية وتحقّرها نذالتها التي تسعى لتطهير عرق أصحاب الأرض ، لكن هيهات فالطّين لا يشكًّل إلاّ من ترابه الأصل

 

 

أمّا الهجين الذي لملم من كلّ زوايا الأرض غصبا فوحل نجس لا يتشكّل إلاّ نتنا تفوح منه رائحة  الجيف .

آمنة تلك الوردة التي صارت رمادا  قبل أن تسقيها شربة ماء ، تجول بين الحطام بدلوها والظّمأ يعصر أعضاءها ويُدمع عينيها في أقبح الصّور ، الطفل الذي ارتجفت شفتاه وتقلّبت في الفراغ عيناه ، وشكا بلسانه الجاف مرارة الجوع وبوجه بريء شاحب ، وعظام ناتئة  ودموع مبعثرة ردّد : أنا جعّان .. أنا جعّان

تزحزع ضلع العروبة عن مكانه ، وتخلّت شمس الحياة  عن مرقدها وخشعت العتمة في النّفوس ، فأيّ لقاح سيقضي على وباء الخيانة ، وأي دواء سيعيد للأعصاب حواسها ، وأيّ فيتامين سيقوّي هشاشة الانتماء ، عالم تخلّى عن أطفال أبرياء سحبت من تحت أرجلهم أبسط الحقوق وآخر حقّ سدّ الرّمق .

يائس في جحيم ما أرى وأنا أقلّب على شاشة هاتفي تلك الوجوه البديعة التي شوهها الطغيان وجعلها في صور مريعة بينما في المقابل هناك عيون بعيدة عما يحدث مخلصة لغفلتها  وقلوب لاهية في ملذّاتها ، وأجساد تراقصها الطّبول وكأنّ غزّة صارت شأن يقرّح المآقي وآلة تعزف على الموت لذلك غضضنا الطّرف وانبطحنا كالبعير نجترّ خطاباتنا الرّنانة وننعمّ بظلّ وفير فاستحالت في لحظة واحدة إنسانيّتنا المفترسة إلى وحشيّة  ناطقة  وكلّنا أمل أن   تنبت  رغم  كلّ هذا على حواف غزّة  أزهار جديدة ، واثقون أن النصر آت من رب رحيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page