“أسرار القوة الذاتية في ملامح الهوية الفلسطينية: حين يولد الصمود من الجذور” – د. سمية صالحي -الجزائر-
اسرار القوة الذاتية في ملامح الهوية الفلسطينية:
حين يولد الصمود من الجذور
في لحظات الطوفان الأولى، وبينما كانت الشاشات تنقل للعالم صور الركام، وأصوات الانفجارات، والدماء التي سالت في الشوارع الضيقة؛ ارتفعت من بين الدمار كلمة لم يكن أحد يتوقعها: “الحمد لله”. تكررت العبارة على ألسنة الرجال والنساء، الكبار والصغار، وكأنها لازمة جماعية تعلو فوق هدير الطائرات.
توقّف الغرب أمام هذا المشهد بدهشة. أي معنى خفيّ يسكن الفلسطيني حتى يبدأ كلمته الأولى في المحنة بالحمد؟ كيف يستطيع أن يواجه الخراب بابتسامة، والجوع بالصبر، والخوف بيقين هادئ؟ كان المشهد كاشفاً لا عن معاناة جسدية فقط، بل عن سر داخلي عميق، سرّ يشبه النبع الذي يتدفّق كلما حاولت يد الاحتلال طمره بالصواريخ.
ذلك السر هو ما يمكن أن نسمّيه: القوة الذاتية. ليست مجرد قدرة على التحمل، ولا مجرد صبر عابر، بل منظومة متكاملة من الإيمان، الذاكرة، الهوية، والعناد الجميل في مواجهة القهر. قوة تجعل الفلسطيني ينهض كل صباح رغم كل أسباب الانكسار، وكأنه يولد من جديد في أرضه.
هذه القوة لم تنشأ من فراغ، بل تجذّرت في تاريخ طويل من التجارب والاختبارات، ممتزجة بالتراث الديني، والثقافة الشعبية، وروح الجماعة. ومن هنا، فإن محاولة فهمها تقتضي المرور عبر مستويات متداخلة: من الجذور التاريخية، إلى الأبعاد النفسية، مرورًا بالبنية الاجتماعية–الثقافية، وصولًا إلى الهوية التي تُلخّص هذه العناصر كلها في “ثقافة الصمود”.
التاريخ كمعمل لصناعة الصمود:
حين نقترب من سرّ القوة التي تسكن الفلسطيني، لا يمكن أن نفصلها عن الامتداد التاريخي الذي راكم تجارب الألم والمقاومة معًا. فمنذ بدايات القرن العشرين، والفلسطيني يُختبر كما لو كان في مختبر التاريخ؛ كل جولة قهر تولّد في داخله جولة أعمق من الثبات.
مع وعد بلفور (1917) وبداية التهجير، كان الردّ الفلسطيني مقاومة مسلّحة وثورات شعبية متتابعة (ثورة البراق 1929، والثورة الكبرى 1936)، لتعلّم الأجيال الأولى أن الأرض لا تُحمى بالقرارات الدولية، بل بالوعي الجماعي. وعندما جاءت النكبة (1948)، بدا الأمر وكأنه نهاية وجود، لكن الفلسطيني حوّل المأساة إلى رمز قوة. المفاتيح التي حملها اللاجئون وأوراق الطابو التي تمسّكوا بها، لم تكن مجرد ذكريات، بل إعلانًا عن هوية: “قد نُقتلع جسديًا، لكن ذاكرتنا أقوى من محوكم”.
وحين حلّت النكسة (1967)، تضاعف الجرح بخسارة القدس والضفة وغزة، ومع ذلك لم يستسلم الفلسطيني، بل صاغ من الهزيمة بداية جديدة، فبرزت منظمة التحرير لتوحّد الصوت وتؤكد الحضور. وفي الانتفاضة الأولى (1987–1993)، تحوّل الحجر إلى رمز عالمي: طفل يقف أمام دبابة بحجر، والكتابة على الجدران والشعر الشعبي صارت أدوات تعبئة نفسية يومية. ثم في الانتفاضة الثانية (2000–2005)، برز البُعد النفسي بشكل أوضح: الاستشهاديون، حماية القدس، والمقاومة المسلحة، لتتكرّس فكرة أن القوة ليست خيارًا، بل قدرٌ لا مفر منه.
أما حصار غزة (2007–2023)، فكان محاولة لخنق هذه القوة. لكن الفلسطيني حوّل الحصار إلى فلسفة حياة: دراسة تحت ضوء الشموع، أعراس وسط الركام، وزراعة في ظل الجدران. وهكذا صار “الصمود” كلمة نفسية–سياسية–ثقافية في آن واحد. ثم جاء طوفان الأقصى (2023) ليُظهر ذروة هذا المسار: بينما كانت الطائرات تقصف البيوت، علت كلمة “الحمد لله”، إعلانًا عن أن قرنًا من المجازر والحصار لم ينجح في طمس النبع الداخلي. هنا لم تعد القوة مجرد فعل فردي، بل تحوّلت إلى هوية كاملة تتوارثها الأجيال.
النفس: الساحة الأولى للمقاومة
هذا الامتداد التاريخي لم يكن ليستمر لولا أن الفلسطيني جعل من داخله جبهة أولى للصراع. النفس تحوّلت إلى مختبر تتفاعل فيه مشاعر الألم والأمل، الغضب والسكينة، ليولد منها صمود يتجاوز حدود الاحتمال البشري.
فالوعي الذاتي عند الفلسطيني ليس إدراكًا فرديًا بسيطًا، بل وعي رسالي يُحمّله شعورًا بالمسؤولية تجاه الأرض والذاكرة. هذا الوعي يمنحه المعنى الذي يحميه من الانهيار. أما إدارة الانفعالات، فقد ظهرت في القدرة على تحويل الغضب إلى طاقة مقاومة، بدل أن يتحول إلى هدم داخلي. والتعليم والعمل والزراعة وحتى التشبث بالبيت والأرض، كلها كانت قنوات لإعادة توجيه المشاعر بدلًا من كبتها.
والأمل، هنا، ليس عاطفة عابرة بل عنصر بنيوي. يرتبط بإيمان ديني بعدالة القضية، وبثقة تاريخية أن كل قوة استعمارية إلى زوال. ومن هذا الأمل تتولد المثابرة: طالب يدرس تحت القصف، طبيب يجري عملية في ممر مستشفى مدمر، ومزارع يزرع زيتونة قرب الجدار. الأمل إذن ممارسة يومية تحافظ على التوازن النفسي وتمنع الانهيار.
المجتمع والثقافة: شبكة الحماية
وما كان للوعي النفسي أن يصمد لولا السياج الاجتماعي–الثقافي الذي يحيط بالفرد. فالعائلة الفلسطينية ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل خط الدفاع الأول في مواجهة المحن. في النكبة، حين توزّعت العائلات في المخيمات، أنقذ التضامن هوية الجماعة من الذوبان. وفي حصار غزة، تقاسم العائلات رغيف الخبز، وتحولت البيوت إلى ملاجئ للجيران. هذا الدعم وفّر حماية مادية ومعنوية، وجعل الفرد يشعر أنه ليس وحيدًا.
إلى جانب العائلة، لعبت القيم الثقافية دورًا مركزيًا. الصبر، التكافل، حب الأرض: كلها ليست شعارات بل ممارسات حيّة. المرأة التي تنتظر ابنها الأسير، المجتمع الذي يجمع التبرعات لإعادة بناء بيت مهدوم، الفلاح الذي يزرع الزيتون قرب الجدار؛ جميعها أمثلة على قيم تحولت إلى أعمدة للقوة الذاتية.
أما الدين، فهو العمق الذي يمدّ هذه القيم بالروح. في الانتفاضات كما في الطوفان، لم يكن التكبير مجرد شعار سياسي، بل طاقة روحية تقي النفوس من الانكسار. المساجد تحولت إلى فضاءات للمقاومة المعنوية، حيث الدعاء والقرآن يجتمعان مع الخطاب الوطني لصياغة وجدان موحد. ومن هنا، جاءت “الحمد لله” في 2023 كتعبير مكثف عن هذا البعد: تسليم بالقضاء، وثقة بالعدل الإلهي.
الهوية: حصيلة كل العناصر
وعندما تجتمع هذه الخيوط: التاريخ الذي يراكم الخبرة، النفس التي تدير الألم، المجتمع الذي يمدّ بالدعم، والدين الذي يمنح المعنى؛ تتشكل هوية فلسطينية عنوانها القوة الذاتية. وهذه الهوية تجسّدت في خمسة أسرار مترابطة:
الإيمان والمعنى: ربط المعاناة برسالة وطنية ودينية.
المرونة: القدرة على النهوض بعد كل نكبة وعدوان.
الانضباط الذاتي: الاستمرار في التعليم والعمل والزراعة رغم الظروف المستحيلة.
الشجاعة الأخلاقية: التمسك بالقيم الإنسانية حتى في قلب الجرح.
الذاكرة الجمعية: رواية الحكايات، المفاتيح، الكوفية، والزيتونة التي تصمد.
هذه الأسرار لا تعمل منفصلة، بل تُغذّي بعضها: التاريخ يغذّي النفس، النفس تستمد قوتها من الجماعة، والجماعة تحفظ ذاكرتها بالدين والقيم، لتعيد صياغة الهوية كل يوم.
الخاتمة
إذا كان التاريخ قد صاغ الملامح الأولى للقوة الذاتية، فإن التجربة الفلسطينية اليومية هي التي عمّقتها وجعلتها ثقافة متوارثة. ليست مجرد صبر عابر ولا مقاومة ظرفية، بل هوية متكاملة تُحوّل الألم إلى معنى، والهزيمة الجزئية إلى وقود للاستمرار.
ومن هنا، فإن كلمة “الحمد لله” التي خرجت من تحت الركام في 2023 لم تكن استغرابًا، بل النتيجة الطبيعية لمسار طويل: مسار أمة تعلّمت أن تصوغ وجودها من قلب المحنة، وأن تجعل من الصمود عنوانًا لحياتها وملامح هويتها.