حصريا

أنوار غزة الملهمة -د.إيمان سلاوي- المغرب –

0 448

أنوار غزة الملهمة

الدكتورة إيمان سلاوي

تلكم غزة العزة…

غزة الحرة الأبية، السامقة الصامدة : أنوار تتراءى في السماء الدنيا لتنذر من كان حيا، وفيض من هدي الوحي أنار ظلمة الناس، أسراب الشهداء الصاعدة أرواحها نحو السماء تشع ضياء تدلك على عالم آخر يحلم به الإنسان التائه حيث العدل والحق والجمال، عبارات تتناثر هنا وهناك تحت الأنقاض، و في لحظات الوداع القاسية، وتصريح هنا وشهادة هناك، وتدوينات هنا وهناك تدلك على طينة أخرى من الناس، أراد رب العزة أن تدل عليه.

ليس بدعا أن تجد أنوار صبر أهل غزة  قد غيرت حياة الكثير من القانطين وقد أفاض الله عليهم النعم، و أنوار تشبثهم بالوطن قد أيقظت ضمير من لم يعد عندهم وفاء لأي انتماء غير الانتماء للهوى والشهوات، و أنوار يقينهم في ما عند الله قد أحيت معنى الحاجة لوجود اليوم الآخر، وأنوار أدبهم مع الله وهم يقبلون القضاء والقدرويجسدون الوعي باصطفاء أهل الابتلاء والاختبار بأجمل العبارات وأرقاها أربكت معايير الكثيرين.

ترددت كثيرا قبل أن أقوى على توثيق الأنوار الغزاوية وأهلها لا زالوا تحت النار يحرجون العالم باستغاثاتهم، و يسائلون وفاءنا لقيم الأخوة الدينية ومقتضياتها، واستحييت أن أجد الطاقة لأدون مبلغ الأنوار من نفسي، فكان أهل غزة ملهمين في هذه أيضا واستحضرت أرباب الكلمة الذين نقلوا للعالم مواطن النور في بقعة الضوء المضيئة في العالم رغم كل الدمار الذي لحقها، واستجمعت طاقتي لأقتدي بهم متحدية الحزن الكبير الذي يكتم أنفاس كل الأحرار في العالم.

وإن كانت مواطن النور في غزة متعددة و كثيرة جلتها أحوال الأفراد والجماعات في غزة العزة، فإني أردت أن أخصص حديثي عن الأسرة الغزاوية، تلك التي وقفت أمام أهوال الفقد والهدم والاعتقالات فجلت حقيقة قيم الإسلام العتيد.

الأم الغزاوية قلعة شامخة في كيان الأسرة: إن أولى رسائل النور المرسلة من غزة للعالم في موضوع شروط حصانة الأسرة، هو دور الأم في دعم وإسناد أفراد الأسرة، بدءا من تثبيت إيمانهم ويقينهم وتعزيز وطنيتهم، ومرورا بخدمة أفراد الأسرة و توفير حاجياتهم، ووصولا إلى تقديم النموذج في الاستبسال و التضحية بالغالي و النفيس في سبيل الله و الوطن، فالذي يتأمل قول والدة الصحفي أحمد حجازي وهي تسترجع وتحمد الله وتردد: «اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً يا الله… ابتليتني يا الله بالمرض فحمدتُك… قصفَ جيش الاحتلال بيتي فحمدتُك… أُسِر ابني فحمدتُك… استشهد ابني فحمدتك.. وهل من مزيد؟ إن كان هناك المزيد فسأحمدُك أيضاً.. حتى ترضى يا الله.. حتى ترضى…»، و أم أحمد واحدة من كثيرات رددن  نفس المعاني مما يفهم معه سر اليقين الذي يبلغ بأفراده القدرة على فداء الدين والوطن، ولا ينسى الواحد منا ما رددته الطبيبة التي تلقت خبر استشهاد أبنائها : “الاولاد ماتوا قبل ما ياكلوا”، هذه العبارة التي فاض بها لاشعور هذه الأم في لحظة عصف الخبر بفؤادها، تعكس مدى الانشغال بالأولاد و همومهم التفصيلية، حتى وهي في قلب العمل.

لقد كانت اللقطات التي يقصف بها الضمير الإنساني تختزل سنوات من السجال في موضوع المراة والأسرة، لقد كان في عبارة هذه الثكلى الأصيلة قصف عنيف لكل مقولات التبخيس و الاستصغار لجهود الأمهات النفسية والمادية لإطعام أسرهن وضمان أمنهم إذا شبعت البطون، ماتوا جياعا؟ اختزلت هم أم أصيلة أخرجها للعمل أن يسعد الأبناء و يشبعوا، بينما العالم يسوق لامرأة مشغولة بذاتها، همها جسدها وشكلها وهواها ولو على حساب أسرتها وأبنائها، الأم الغزاوية فضلا عن كل ما ذكر هي معلمة القرآن و مدرسة الأولاد إذا قصفت المدارس..

تلكم هي الأم الغزاوية، هي رسائل لا تنقضي من الفداء و التضحية تبلغ مداها حينما تقدم الأم نفسها مباشرة فداء مستشهدة أو مقاومة أو معتقلة في سبيل المعتقد، فترسم بذلك النموذج والمثل في مخيلة أفراد أسرتها وأعظم به من أثر.

التماسك والتكافل سمة مميزة للأسرة الغزاوية: قيمة من أكثر القيم التي تحتاجها أسر اليوم تراها ظاهرة بارزة في أسر أرض الرباط، إذ ما كان يمكن لبيوت كثيرة فقدت المعيل من كثرة من استشهد أو اعتقل أن تنتج شبابا جمعوا بين العلم والاستقامة، وندبوا أنفسهم لخدمة الوطن وفدائه، لولا أنهم أحيطوا بعناية متعدية ممن حولهم من الأهل والأحباب، والحقيقة أن التحولات الاجتماعية وإن عصفت بالأسرة الممتدة، فهي لن تمنعنا من تحقيق الامتدادات العاطفية والاجتماعية لأسرنا، الأمر الذي جلته الأسر الغزاوية وهي تستضيف النازحين، فيضم البيت الواحد المائة من الأفراد، كما بدا الأمر واضحا من خلال استهداف العدو الإسرائيلي لأماكن محددة ضمت عائلات تم محوها من السجلات بسبب تواجد أفرادها في بيوت متجاورة، الأمر الذي يعكس مظاهر التكافل والتعاون في تنظيم السكن بشكل جماعي..إنه الحب الكبير الذي أثمر ما سمعناه من قول أهل غزة: كنا نشد أيادي بعضنا حتى إذا استشهدنا نموت جميعا.

الإيثار : و هو من أعظم القيم المعززة للتماسك الأسري الشيء الذي بدا جليا من خلال العبارات التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي وهي توصلإلينا رسائل النور من غزة العزة،كأن تقول إحدى الأمهات وصفا لحالها في سيارة الإسعاف: “قدمت ابنتي وأخي في الحظ من أنبوبة الأوكسيجين لأننا كنا ثلاثة و لم يكن عندنا إلا أنبوبتين من الغاز”..أو أن تسمع الطفلة “ألما”، البالغة من العمر13 سنة،وهي تتحدث إلى فريق الإنقاذ وتطلب منهم أن يجعلوا إنقاذ جميع أهلها مقدما على إنقاذها، متلهفة لإخراج أهلها جميعا، متعلقة بلحظة ينجو فيها الجميع.

لقد قضت قيم الفردانية المغرقة والأنانية الشديدة على كل مظاهر الجمال في الحياة الأسرية، فأصبح شعار نفسي نفسي ماثلا في كل تفاصيل الحياة اليومية، لذلك كانت هذه اللقطات الآنفة الذكر مدعاة للتأمل و التفكر.

وختاما، رسائل النور من غزة الأبية لا تكفي فيها الصفحات، هل نتحدث عن التنشئة الإيمانية والتربوية للأطفال؟ أم عن مكانة القرآن في بيوت بأكملها؟ أم عن فصاحة الصغار وقوة منطقهم؟ أم عن مكانة العلم في الصدور و همة الإنجاز واستكمال المسارات العلمية ؟…رسائل تترى أعتقد أنها مما ستملأ بها صفحات الكتب، وصدق الدكتور الشهيد رفعت العرعير “فليكن موتي حكاية”،”سيرويها من سيبقى إلى النهاية” كما قال الطبيب الشهيد محمود أبو نجيلة، الدرس الغزاوي لحظة فارقة في تاريخ البشرية، و أنوار نأمل أن ترخي بظلالها على بيوتنا و أسرنا، فتلهمنا الرشاد والسداد والقدرة على إنتاج أمثال هؤلاء الأقمار الذين فقدناهم خلال هذه السنة الحزينة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page