حصريا

المرأة في فكر مالك بن نبي من خلال مجالس دمشق- ليلى جوادي -الجزائر-

0 2٬476

المرأة في فكر مالك بن نبي من خلال مجالس دمشق

يعتبر مالك بن نبي من أعلام الفكر الإسلامي والإنساني بامتياز، ذلك لنصرته لمشكلات الإنسان المتعددة، والقارئ المتفحص لكتاباته يجدها مليئة بمحورية الإنسان في عالم الشهادة من خلال رؤية ثقافية، ظهر ذلك جليا في كتاباته ومحاضراته في أماكن وبقاع مختلفة.

تناول مالك بن نبي أغلب القضايا التي يجب مناقشتها بطريق متنوعة ومتميزة في زمانه؛ فقد كان يتجاوز الوصف والإنشاء إلى التحليل والتفسير والاستشراف، كما طرح حلولا ورؤى لقضايا الأمة الإسلامية، وكان لهموم المرأة وقضاياها قدر من كتاباته ومحاضراته مثل المحاضرات التي ألقاها في دمشق واشتهرت بعدها بـ “مجالس دمشق”؛ وهي عبارة عن محاضرات نحى فيها مالك بن نبي نفس المنحى في شروط النهضة خاصة فيما يخص المرأة؛ فقد ألقى ستة محاضرات في دمشق بداية السبعينات، منها ما وجّهه إلى قضايا المرأة وهذا ما ميّز هذه المجالس؛ فغالبا ما نجد المفكر أو العالِم أو المحاضر يحاضر في ملأ أو مسجد بخطاب موجه للرجل والمرأة، وقلما نجد مفكرا كبيرا يوجه خطابا بهذا الأفق والعمق للمرأة دون الرجل في مجالس كمجالس دمشق، وهذه نبذة عن المحاضرات وما حملته في أفكار موجزة:

المحاضرة الأولى: عبارة عن لقاء مفتوح مع النساء والأخوات في مسجد صلاح الدين لمناقشة بعض المفاهيم مثل: القابلية للاستعمار ومصير الإنسان والحضارة الإسلامية وغير ذلك[1].

المحاضرة الثانية: كانت في جامعة دمشق بعنوان: الثقافة والأزمة الثقافية، حيث عرّف مالك بن النبي خلال المحاضرة الثقافة قائلا: هي الجو المتكون من ألوان وألحان ونغمات وروائح وسكنات وأضواء ومن جوانب مظلمة، إنها هذا الجو كله الذي تتفتح فيه النفس وتشعر بوجودها في إطار عام.

كما تحدث عن الأنا والنحن والعلاقة بينهما وأنّ الرقابة التي تنشأ تكون نتيجة وجود الثقافة[2].

المحاضرة الثالثة: هذه المحاضرة كانت في جامع المرابط في دمشق أمام جمع من السيدات العاملات في الحقل الاجتماعي وكان عنوانها الحقوق والواجبات، أشار مالك بن نبي في هذه المحاضرة إلى الحقوق والواجبات انطلاقا من الآية: ﴿وَهَدَیۡنَـٰهُ ٱلنَّجۡدَیۡنِ ۝١٠ فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ۝١١﴾ [البلد: 10-11] وقال أنّ النجدين هما طريقا الحقوق والواجبات غير أنّ الإنسان مجبول على اتباع السهل فيفضل المطالبة بالحقوق على تأدية الواجبات[3].

المحاضرة الرابعة: كذلك هذه المحاضرة في جامع المرابط في دمشق أمام جمع من السيدات العاملات في الحقل الاجتماعي بعنوان مختلف عن المحاضرة السابقة فكان: المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة، أشار مالك بن نبي في هذه المحاضرة إلى أنّ المرأة مثلها مثل الرجل في “الواجب” وهو واجب إنقاذ المجتمع، كما أن نظرتنا لا يجب أن تقتصر على أمور دون أخرى بل يجب أن تكون بحجم العالم؛ وأشار كذلك إلى أن نظرته للمجتمع ليست تشاؤمية لكنها واقعية، لقد أعطى مالك بن نبي في هذه المحاضرة مفاهيم جديدة فقال مثلا: “كل حقيقة لها جانبان: جانب الصحة وجانب الصلاحية”[4]. غير أنه عرّف الصلاحية تعريفا مختلفا فقال حين سُئل ماذا تعني بالصلاحية؟ قال: “أعني الدين بوصفه حدثا تاريخيا”[5].

المحاضرة الخامسة: تم إلقاء هذه المحاضرة في رابطة الحقوقيين في دمشق، عنوانها: دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين[6]، تحدث فيها عما سماه: “تضخم الإمكان الحضاري في مقابل تناقص الإرادة الحضارية”[7].

المحاضرة السادسة: ألقيت المحاضرة في مسجد المرابط في مدينة دمشق بعنوان: “رسالة المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين”[8]، تناول فيها رسالة المسلم الحقيقية والتي تبدأ بإنقاذ نفسه ثم إنقاذ الآخرين؛ وليتحقق هذا يجب أولا على المسلم الاقتناع برسالته وذلك يحدث إذا عرف المسلم نفسه والآخر ثم تعريف الآخر به أي بنفسه.

الذي لا يخفى على القارئ أن المحاضرات الستة نصفها موجه للنساء؛ لكن الملاحظ أن الكلام الذي وجهه مالك بن النبي للمرأة هو نفسه الذي وجهه للرجل سواء في محاضراته أو الذي يكتبه في كتبه ومقالاته، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أنهما سيان في الرباط الحضاري وتصحيح مسار الأمة، فالمرأة ليست استثناء ولذلك كان عنوان المحاضرة الرابعة: “المرأة والرجل أمام واجبات واحدة في مرحلة النهضة”[9]، وقال في شروط النهضة: “المرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر، فلئن كان الرجل قد أتى في مجال الفن بالمعجزات، فإن المرأة قد كونت نوابغ الرجال، ونحن نرى لزاماً علينا أن يكون تناولنا للموضوع بعيداً عن تلك الأناشيد الشعرية التي تدعو إلى تحرير المرأة، فالمشكلة لا تتحدد في الجنس اللطيف فحسب، أو في بنات المدن، أو بنات الأسر الراقية، بل هي فوق ذلك تتعلق بتقدم المجتمع وتحديد مستقبله وحضارته”[10]، ولربما ما جعل مالك بن النبي يجلس إلى النساء يناقشهن ويستمع إليهن هو إمكانية وجود نساء مفكرات يأتين بحلول لما عليه الأمة عامة والمرأة خاصة، ولذلك كان يقول دائما أنه يجب على المرأة الخروج من دائرة الحقوق إلى دائرة الواجبات، لكن للأسف لازلنا إلى اليوم ندور في نفس الدائرة التي كان يحذّر منها مالك بن النبي بعد نصف قرن من الزمان، ولعل ما جعل المرأة تقف في نفس المكان ولا تتحرك هو الظروف المعيشة والأفكار الموجودة والأعراف المجتمعية والتقدم التكنولوجي اليوم، فالمرأة الآن في حالة ثورة على المجتمع وعلى الأعراف وبعضهن في حالة ركود انتقاما من النفس ومن المجتمع؛ نعم: فالمرأة الغربية رأت أن الدين عائق-حسب فهمها للدين والصورة النمطية المنقدحة في ذهن المرأة الغربية عن الإسلام المشوه- الذي يمنع المرأة من الوصول لما تريده، فلتحقيق ذاتها وبفعل عملية التثاقف نقلت ونفذت المرأة المسلمة نفس الأفكار عن المرأة الغربية، والسبب أن الإسلام لم يطبق حقيقة في المجتمع؛ فالمرأة عندما تحس أنها مجرد شيء في بيتها يمكن لزوجها أن يغيره في أي لحظة أو أن يخرجها  من بيته في حين هي لا تملك شيئا، وهي نفس المرأة التي إذا لجأت لأخيها لن يستقبلها ولن يستمع لها، وإن طالبت بحقها في الميراث قد تصبح عدوة فتجد نفسها مجرد عبد ذليل بين أصابع رجل؛ هنا ستضطر أن تكون ثائرة على المجتمع الناطق باسم الدين أو أن تنعزل وتنزوي ويكون نشاطها محدودا؛ فكيف لامرأة بهذه الظروف أن تكون مفكرة؟ ربما إلى هذا رمى مالك بن نبي في إحدى محاضراته حين قال: “فمصير الفرد مقيد بأوضاع المجتمع الذي يعيش فيه”، وكما كان يؤكد دائما أن زي المرأة يدل على وظيفتها، والوظيفة المنوط بها حسبه هي الشهود الحضاري، وللأسف هذا الطرح يتناقض كون المرأة في الغرب سلعة وفي بيئتنا خدمة، غير أن هذا لا يدعو المرأة إلى الاستسلام والبقاء في دائرة المطالبة بالحقوق مما يجعل المرأة دائما تشعر أنها ضعيفة ولن تقوم بشيء من واجباتها، قال مالك بن النبي متحدثا إلى النساء: “…حيث اقتصرن على المطالبة بالحقوق لكن نشاطكن ينصرف إلى القيام بالواجبات”[11]، لقد ضبط الإسلام حقوق وواجبات الفرد المسلم وبالتالي ضبط مسار المجتمع لأن صلاح ظروف ونفس الإنسان جزء من صلاح مجتمعه، لكن الإسلام في الكثير من القضايا بقي حبيس النظري ولم يخرج إلى التطبيق، وهذا ما جعل المرأة تثور على المجتمع في نظرها عبارة عن مجتمع ذكوري، والإسلام بريء من ذلك، قد يكون ذلك نتيجة تسلط أنفس أو انتشار أعراف أو فهم خاطئ وما إلى ذلك، لكنّ الإسلام فصّل أيما تفصيل في الحقوق والواجبات وقضايا المرأة حيث كفل لها حقوقها كلها مثلها مثل الرجل والاختلافات الموجودة ليست اختلافات تفضيلية إنما اختلافات فطرية خلقية تتطلب اختلاف الحقوق والواجبات لبناء مجتمع متكامل، وما فضّل الله به الرجل عن المرأة ليس سوى لصالح المرأة يفقهه القوم الذين يتدبرون ويتفكرون ويحسنون الفهم والصنيع، هذا ما حاول مالك بن نبي ايصاله لنا انطلاقا من مجالس دمشق وشروط النهضة، أراد القول أن المرأة لا يجب عليها أن تنزوي أو أن تتستر بالجدران حتى تكون مسلمة، بل إسلامها يكتمل إن كانت فاعلا حضاريا في المجتمع لتدفع به للتقدم، ووجهة نظره ورؤيته مبنية على مبادئ الإسلام ومعانيه، كلنا نعرف قصة شهيدة البحر، وأمينة الأسواق، والمجادلة، والمرأة التي اعترضت على سيدنا عمر، وقصة السيدة عائشة وأم مسطح من الأهمية بمكان؛ فقد خرجتا لقضاء حاجة مشيا على الأقدام بليل ما منعهما أحد ولا رافقهما رجل ولا استكثر فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان ذلك الفعل عاديا بالنسبة لهم وذلك كله مبني على الثقة والأمانة.

وعليه يجب على المرأة الشاهدة ان تنتقل من محور الحقوق الى محور الواجبات.

[1] مالك بن نبي، الأعمال الكاملة، المجلد الخامس: مجالس دمشق، دار الفكر-دمشق-، ط1، 2017، المحاضرة الأولى، ص 37-69.

[2]  مالك بن نبي، الأعمال الكاملة، مصدر سبق ذكره، ص 70-87.

[3] المصدر نفسه، ص 88-101.

[4] المصدر نفسه، ص 114.

[5] المصدر نفسه، 102-119.

[6] المصدر نفسه، 120-132.

[7] -المصدر نفسه، 126.

[8] مالك بن نبي، مجالس دمشق، مصدر سبق ذكره، ص، 133-142.

[9]  المصدر نفسه، ص 102.

[10] مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة: عبد الصابور شاهين، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ص115- 116.

[11] مالك بن نبي، مجالس دمشق، مصدر سبق ذكره، ص90.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page