حصريا

المرأة والفعل الإجتماعي-ليلى جوادي-الجزائر-

0 1٬012

المرأة والفعل الاجتماعي

ليلى جوادي

من الملاحظ أن من أكثر القضايا التي أخذت تجاذبات وتناقضات في المجتمعات العربية والإسلامية موضوع عمل المرأة الذي شغل مساحة كبيرة من النقاش من طبقات المجتمع وفئاته المتنوعة: كُتّابا ومؤلفين وإعلاميين، ومن تيارات مختلفة اليمين واليسار والوسط، حيث أصبحت المرأة تعرض في جلسات النقاش كأنها سلعة بدل أن تكون قيمة، ولم تسلم مواضيع المرأة حتى من المواد الدينية التي أرادت تكريمها وبطريقة عكسية قامت بعمل روتيني لم يخرج عمّا فعله البقية فنتج عن ذلك تياران غلبا الوسط: تيار مشدد وآخر مميّع.

فالتيار المشدد شدد من وضع المرأة حتى حوّل قضاياها المتعددة إلى أزمة دون الالتفات إلى ما يخالف القرآن والسنة في ذلك، فشددوا على خروجها وتعليمها وعملها وانتشر في بعض الأوساط أن المرأة المسلمة لا تخرج من بيتها إلا ثلاث مرات في حياتها: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها ومرة من بيت زوجها لأداء فريضة الحج ومرة إلى قبرها، وقول آخر أشد: تخرج المرأة في حياتها ثلاث مرات، مرة عند نزولها من بطن أمها للحياة الدنيا ومرة إلى بيت زوجها ومرة إلى قبرها، أقوال تدل على التشدد المبالغ فيه ونسوا أو تناسوا نصوصا دينية جاءت بالأمر أو الدعوة للجنسين وأن الدين جاء للتيسير لا للتعسير ولا يخفى علينا أن الله أمر بالعمل سواء للرجل أو المرأة والأدلة على ذلك كثيرة منها قول الله تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]، وحين سُئل الإمام ابن باز هل يمنع الإسلام عمل المرأة وتجارتها؟ أجاب: لا يمنع الإسلام عمل المرأة ولا تجارتها فالله جل وعلا شرع للعباد العمل وأمرهم به فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]، وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، وهذا يعم الجميع الرجال والنساء، وشرع التجارة للجميع، فالإنسان مأمور بأن يتجر ويتسبب ويعمل سواء كان رجلا أو امرأة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، هذا يعم الرجال والنساء جميعًا. وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282]، وهذا للرجال والنساء. فأمر بالكتابة عند الدين وأمر بالإشهاد ثم بين أن هذا كله فيما يتعلق بالمداينات، فالكتابة في الدين والإشهاد عام ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا، أما الإشهاد فيشهد ولهذا قال بعدها: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ. فهذا كله يعم الرجال والنساء، فالكتابة للرجال والنساء في الدين، والتجارة للرجال والنساء، والإشهاد للرجال والنساء، فيشهدون على بيعهم ويشهدون في تجاراتهم وكتاباتهم، ولكن التجارة الحاضرة لا حرج في عدم كتابتها؛ لأنها تنقضي ولا يبقى لها علق، وهذا يعم الرجال والنساء جميعًا. وهكذا ما جاء في النصوص يعم الرجال والنساء كحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال عليه الصلاة والسلام: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما”[1]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] يعني للجميع.[2]

وسُئِل القرضاوي السؤال نفسه وكان جوابه: المرأة إنسان، كالرجل، هي منه وهو منها كما قال القرآن: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ (آل عمران:195)، والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكر ويعمل، وإلا لم يكن إنسانًا والله تعالى إنما خلق الناس ليعملوا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملاً فالمرأة مكلفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه كالرجل من الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى (آل عمران: 195)، وهي مثـابة على عملها الحسن في الآخرة ومكافأة عليه في الدنيا أيضا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (النحل:97).

والمرأة أيضًا كما يقال دائمًا نصف المجتمع الإنساني، ولا يتصور من الإسلام أن يعطل نصف مجتمعه، ويحكم عليه بالجمود أو الشلل، فيأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويستهلك من طيباتها، ولا ينتج لها شيئًا.[3]

وفي المقابل ظهر تيار معاكس للتيار السابق، تيار يدعو المرأة إلى إثبات نفسها وإبراز ذاتها دون الالتفات للدين ولا المجتمع أو العرف أو الأهل أو حتى مكانتها الإنسانية كأنثى، تيار ميّع واستهان بقضايا المرأة وخصوصا القضايا الدينية، فنادى بالتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والقضاء على كل أنواع التمييز بينهما، فظهرت جهات واتفاقيات تنادي بالتسوية بين المرأة والرجل أمثال اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2008[4]، ولم تسلم من ذلك حتى بعض البلاد الإسلامية التي سعت إلى التسوية بين المرأة والرجل في الميراث، فظهرت جماعات نسوية، ومفاهيم جديدة مثل الجندر، لتصبح المرأة مجرد سلعة انتزعت منها أي قيمة، فضاعت حرمتها ومكانتها الأنثوية في المجتمع وأصبحت صورها تنشر في إعلانات السلع مهما كانت قيمتها ضئيلة بل حتى على إعلانات أكياس البلاستيك، وكان ذلك ضمن سلسلة التغيرات التي أصابت العالم المادي، فتحولت المرأة التي كرمها الإسلام وحافظ عليها لقرون إلى سلعة ثم إلى شيء حسب المفاهيم التي استخدمها المسيري[5] واصفا العالم الجديد ضمن تيارات الحداثة حيث اختزلت العلاقات والمعاملات في عملية تبادل السلع حتى أصبحت علاقة الإنسان بالكون وبالآخر مجرد علاقة سلعية تقوم على الشيء لا الشعور والإحساس فأصبح محور العلاقات “السوق” والسلعة حتى تحولت الأفكار إلى معاملات تجارية والكون إلى سوق مصغر، فصارت المرأة سلعة تباع وتشترى بالمادة ولم تعد تلك البتول التي سعى الإسلام إلى الحفاظ عليها.

رغم كل ما قيل وكتب عن عمل المرأة وخروجها ونجاحاتها وتسلعها وتشيئها غير أن الواقع يقول أن عمل المرأة وإنتاجها في المجتمع محدود، خاصة أن نجاحها في عملها قد يؤثر على حياتها الشخصية سواء بسببها أو بسبب الطرف الآخر الذي قد يعترض على ما تقوم به فينتج عن ذلك صدامات تولد أزمات قد تنتهي بالانحراف والخيانات الزوجية وضياع الأولاد إلى غير ذلك من حقائق منتشرة في الواقع المعاش وما تثبته الحياة اليومية؛ فيكون النجاح المحقق خارج البيت هادما للأسرة فتصبح كأنها ما فعلت شيئا، لكن هذا الطرح لقضايا المرأة بين التيارات المتعاكسة بين مشدد ومميّع أغفل حقيقتها ودورها الفعّال في المجتمع: دورها في العمل التطوعي والفعل الاجتماعي، فالمتنقل بين الجمعيات الخيرية والمدارس القرآنية يجد أن المحرك الفعلي لها نساء؛ نساء لم يخرجن من بيوتهن لأجل المال ولا الشهرة ولا لإثبات الذات، بل خرجن لسبب آخر وهو الدافع الأساس ومكمن القوة لدى المرأة وهو ما ميزها به الله عز وجل عن الرجل: الحنان والرحمة والرأفة، نعم؛ هؤلاء النساء اللواتي يسهرن على تعليم أطفال صغار القرآن وصنوف من العلوم، واللواتي سعين إلى إنشاء جمعيات خيرية أغلبهن إن لم أقل كلهن لم يخرجن لسبب غير الحب في فعل الخير والعمل التطوعي، وهذا ليس جديدا على المرأة عموما والمسلمة خصوصا، فقد ذكر أن أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين كانت تساعد زوجها الزبير بن العوام في سياسة فرسه، ودق النوى لناضحه، حتى إنها لتحمله على رأسها من بستان له على مسافة من المدينة، وزينب بنت جحش-رضي الله عنها- إذ كانت تدبغ وتخرز، وتتصدق في سبيل الله، كما أسهمت الصحابيات في سقي الماء ومداواة الجرحى، وغيرهما من السابقات بالخير وبالعمل التطوعي الذي عليه يقاس الفعل الاجتماعي للمرأة،

المتمثل في رعاية الأسر المحتاجة، والأرامل والأيتام، وجمع التبرُّعات، وموائد الرحمة في رمضان التي لا ننكر دور الرجل فيها لكن الجهد الأكبر للمرأة حتى وإن غابت بيدها فقد ناب عنها ولدها الذي تعبت لأجله وربّت وسهرت حتى صار من رجال العمل التطوعي في رمضان.

أصبح اليوم العمل التطوعي للمرأة لبنة من لبنات هذا المجتمع حيث لا يمكن الاستغناء عن دورها الفعّال ولا إنكار الرسالة الإنسانية التي تقوم بها والتي تمنح المجتمع استقرارا وتماسكا في الأوقات العادية والتي تساهم بشكل كبير في الأزمات مثل الحرائق والفيضانات والثلوج، فتعمل بيدها وتطبخ وتجهز أو بمالها فتتبرع بالأموال والذهب والفضة وهذا صنوها في الحروب الداخلية والخارجية.

لكن ورغم الجهد الكبير الذي تقدمه المرأة في العمل الخيري غير أنه لا توجد إحصائيات لدور المرأة في العمل التطوعي في الجزائر، ولا أرقام حقيقية نستطيع الاعتماد عليها لإبراز دور المرأة الفعّال في المجتمع الجزائري، فالمتنقل بين الجمعيات الخيرية والمؤسسات التطوعية يعي تماما أن المحرك الفعلي للأعمال الخيرية نساء حتى وإن كان المدراء رجال، لكن عدم وجود إحصائيات للموضوع يجعل الفعل الاجتماعي للمرأة دائما مركون على رف التجاهل ولا يلاقي القبول والتشجيع اللازمين، حتى إذا كانت المرأة تريد بعملها وجه الله والدار الآخرة إلا أنّ الالتفات لهذا الأمر قد يشجعها أكثر ويشجع مثيلاتها للولوج لهذا المجال الواسع والمتنوع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع:

 

1-عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق-القاهرة، ط 1، 2002.

2-محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1، 2000، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا.

3-عبد العزيز بن باز، مجموع فتاوى ابن باز، عمل المرأة، المكتبة الشاملة الحديثة، https://al-maktaba.org/book/21537/14829#p1 .

4-يوسف القرضاوي، فتاوى وأحكام-عمل المرأة- موقع الشيخ القرضاوي، .

5-اتفاقية سيداو، الأمم المتحدة، القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

 

 

 

 

 

[1]-محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1، 2000، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا، ج 3، ص 58، رقم الحديث: 2079.

[2] -عبد العزيز بن باز، مجموع فتاوى ابن باز، عمل المرأة، المكتبة الشاملة الحديثة، https://al-maktaba.org/book/21537/14829#p1 ، ج 28، ص 103.

[3] -يوسف القرضاوي، فتاوى وأحكام-عمل المرأة- موقع الشيخ القرضاوي، ، 14/01/2019، 07:00، تم الاطلاع عليه: 11/10/ 2022 على 08:33.

[4]اتفاقية سيداو، الأمم المتحدة، القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

[5]-عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق-القاهرة، ط 1، 2002، ص 139-141.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page