حصريا

حلم النجاح الذي يتحول إلى فشل. أ.رحيمة رغايسية – الجزائر-

0 302

حلم النجاح الذي يتحول إلى فشل

الأستاذة رحيمة رغايسية

إن الإسلام أثبت في مراحل تاريخية عديدة أنه المنهاج الأمثل في مجالات الحياة كلها، ومجال التربية من المجالات الخصبة التي تحتاج إلى سقاية ورعاية ربانية لا نجدها إلا في ديننا الحنيف، والآباء في سعيهم الحثيث عن سبل التربية الصحيحة، يعودون دائما إلى تعاليمه كمصدر متاح وسهل للأخذ منه، ولعل أهم موضوع من مواضيع التربية هو سعي الآباء إلى البحث عن الطرق السوية لنجاح أبنائهم، فأعظم أمنيات الآباء في حياتهم، تكمن في أبنائهم، أن يرى الوالد ابنه في مراتب عليا، فهذه قمة المنى وعظمة التمني، فلا يوجد في الحياة من يتمنى أن يرى غيره أحسن منه – مهما كان يملك من الورع – سوى أن يرى الآباء أبناءهم قد حققوا ما حلموا به وزيادة، هذه الزيادة التي يسعى لها الآباء هي الأفضلية ودوام التفوق والنجاح للأبناء إلى مالا نهاية، وقد تختلف سبل ووسائل التوجيه الأبوية حسب الظروف والإمكانيات والخلفية العلمية والثقافية ودرجة الوعي بصفة أكبر.

فمنهم من يرى أن الدعم العاطفي والإمداد الأبوي بالأحضان والقبل والإحاطة بالرعاية هي درع النجاح، فالابن الذي ينشأ في بيئة سوية مليئة بالحب والعطاء كفيلة بأن تمد هذا الابن بقدرة رهيبة على التفوق والنجاح، فالابن السوي المتشبع بالعاطفة الأبوية لن يجد ما يشوش عليه أفكاره ومشاريعه ونجاحاته في سن متقدمة من العمر، وسنجد أنه يملك نظرة واضحة للمستقبل، وأداء جيد في الدراسة ثم بعدها في ميدان الشغل، وهذا ما أشرت إليه في كتابي “أرصدة النجاح” الذي خصصت فيه جزءا يحمل الكثير من المعاني الجميلة للتربية بالعاطفة، ودورها في نجاح الأبناء على المستوى العلمي والاجتماعي أيضا.

وهناك فئة أخرى من الآباء من يؤكدون على أن الصرامة والحزم والرعاية المستمرة التي تقوم على النظام والتركيز على الأهداف، هي أقصر الطرق للنجاح فالابن لا يملك من النضوج العقلي والوعي والإدراك ما يمنحه التركيز على فكرة النجاح فقط، لذلك لا بد من موجه صارم وجاد وهذا الدور يمارسه الأبوين بحكم وجودهما الدائم مع ابنهم خاصة في مراحله الأولى من الحياة وقبل الارتماء في حضن استقلالية الحياة الفردية التي يملك فيها زمام نفسه وأمره ….

وفي الجانب الآخر من الحياة التربوية، قد نجد بعض الأسر التي تستأثر الإهمال كطريقة سهلة للتربية إما عن قصد أو عن غير قصد، فنجد الأم والتي لطالما مالت كفة المسؤولية التربوية تجاهها، وألقيت أعباء الأبناء على كاهلها، تفضل اللامبالاة في التعامل مع الأبناء في عدم الاكتراث، وبما يجب أن تقدمه لهم خاصة في سنواتهم الأولى.

وهذه أمثلة عن الطرق التربوية التي قد يتبناها الآباء في مرافقتهم لأبنائهم، لكن الذي أردت الإشارة إليه في هذا المقال هو أمر أخطر من كونه طريقة يظن الكثير من الأولياء والآباء أنها طريقة إيجابية وصحيحة ومجدية في التعامل مع أبنائهم، وهي آلية تربوية لا يتفطن لخطورتها الآباء إلا بعد فوات الأوان، وقد يشتد عود الطفل ويكبر ويشيخ من دون إدراك لهذا الأثر الذي قد يتركه هذا الأسلوب التربوي.

فالآباء في إطار ممارستهم لدورهم الأبوي التربوي والموجه والمدرب والمعلم والخبير في أمور الحياة انطلاقا من تجاربه السابقة يرتكب جملة من الأخطاء من غير دراية منهم، وأبشع هذه الأخطاء وقد وصفتها بهذا الوصف- لما ينجر عنها من نتائج قد تغير مستقبل الطفل وتعيقه عن النجاح المراد له من البداية- وهو أن يحمل الآباء النتائج للأبناء، وأقصد بمصطلح النتائج ما يلي:

النتائج التربوية: فقد يعمد الآباء إلى تحميل الأبناء مسؤولية أخطائهم التربوية وزلاتهم دون توجيه أو تعديل في السلوك، أو قد يحمِّلونهم تبعات أخطائهم التربوية من دون سماع مبرراتهم أو اعتذاراتهم أو حتى اعترافاتهم، ويصل الطفل إلى هذه المرحلة من عدم الفهم بسبب عدم توجيهه من البداية وتعرية الأمور الخاطئة أمامه كسبيل للتربية السليمة، ويمكن أن يخطئ المربي أيضا في أساليب التربية من خلال عدم فهم الأبناء لهذه التوجيهات وعدم استيعابها لصغر سنهم أو لأن الآباء لم يتقنوا طريقة واضحة يمكن من خلالها أن يستوعب الطفل ما يريد الأب أو الأم أن توصله له أو تنهاه عنه كسلوك سلبي، فيميز بذلك الخطأ من الصواب.

وهذا التصرف قد يحمل الابن على العقوق كأخطر ردة فعل غير متوقعة منه، أو قد يجعل منه ابنا خجولا مترددا لا يملك من الثقة بنفسه ولا بأفعاله شيئا، ونتائجها غير مرضية، فأولها الفشل في الحياة الاجتماعية، فلا هو مدرك للصواب فيفعله، ولا هو متمرن على الأخطاء فيتجنبها، وهذا التيه سيجعل منه ضحية سهلة للعصابات ومروجي الرذيلة، وهذا أقصى ما يمكن أن يواجهه في حياته.

النتائج العلمية: كنت أريد بكل ما سبق الوصول إلى هذه النتيجة، ولا أقصد بالنتائج العلمية هو اجتهاد الآباء في أن يحقق أبناؤهم نتائج مبهرة ومشرفة، ويتوقف الأمر هنا، وإنما يربط بعض الآباء أحد الأبناء مثلا بمسؤولية نجاح العائلة بأكملها بنجاحه هو، فيتضاعف الضغط ويحاصر الابن من كل الجهات، فقط من أجل رفع اسم العائلة.

فيكبر هذا الابن وهو يحمل بداخله عقدة اسم العائلة ومسؤولية مضاعفة، نجاحه هو ونجاح عائلته المقترن به هو فقط دون غيره. وليحقق هذا الابن مراد عائلته يسعى للنجاح بكل الطرق، فيسلك أكثر من وجهة، فنجده يدرس أكثر من تخصص أو يداوم في أكثر من عمل واحد. فقط ليحقق مراد والديه ويحقق ما حلما به، وفي خضم هذا البذل غير العادل أحيانا قد يخرج هذا الابن عن مضمار أحلامه ومشاريعه الخاصة به وحده دون غيره، فيعيش حياة غير حياته، ويحقق آمالا غير التي تمناها في صغره أو خطط لها يوما ما.

لترتسم ملامح الحزن على محياه مبديا ضحكة غير حقيقية وسعادة زائفة فقط ليرى الرضا والانبساط والسعادة في محي والديه، فيبرر فشله في الوصول إلى ما أراد إلى أن سعادة والديه أهم من سعادته ورضاهم مبتغاه وأعظم أمانيه، هذا ظاهر الأمر أما باطنه فصراع لا يتوقف، وهذا فهم خاطئ لبر الوالدين ورضاهم الذي ترتسم حدوده عند حياتك الخاصة واختياراتك لكن فيما يرضي الله عز وجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page