حنان لحام : مسيرة الدعوة بين الرؤية والمنهج
سمية محمد حسن هلال
في ربوع دمشق أزهرت الداعية الفاضلة وهي تتمزق ألما على أمة تتنافس الأمم على نهبها وإذلالها و ما تشهده من هوان و استعمار وتشتت و تخلف .. وكانت عناية الله تكلؤها فقد مدت يد من عائلتها لتنقذها حين أرادت التفلت و التمرد و وجهتها نحو الخير و الالتزام الديني؛ وبعد أن يئست من التيارات الصوفية والمشيخية السائدة تحرك عقلها و وجدانها مع كتب المودودي وسيد قطب ووحيد الدين خان؛ لتتعرف فيما بعد على عائلة الشيخ الأزهري جودت سعيد ولتطلق مع أخته و ثلة من الأخوات عملها الدعوي.
بدأت رحلتها الدعوية بدروس التفسير في البيوت لتنتقل مع ازدياد الحاضرات إلى المساجد لتجتمع فيه بربات البيوت من الجيران ؛ وكان التركيز على النساء واضحا لشدة انتشار الجهل والسفاهة بينهن. وقد كتبت لهذه الغاية قصص الصحابيات وفي التفسير وبعدها في السيرة والمقاصد ودرست لبعض الوقت في جامعة جدة الإسلامية وكان تأسيس مدرسة للأطفال معلما بارزا في دمشق بعد انتشار المدارس الدينية ..و قد تميزت عنهن وأضافت إلى تنمية الدين والأخلاق بالقدوة والحكاية والتوجيه أضافت التركيز على فتح عقول الأطفال على التعلم والسماح بالأسئلة والتفكر والحث على الإبداع وحرية التعبير.. وانتهجت فيها منهجا تربويا يرفض استخدام الضرب و الإهانة للتأديب و يستبدل بهما إشعار الطفل بكرامته و إرادته و تحريك ضميره بالاعتماد على معلمات مؤهلات و أكاديميات. كانت مرجعيتها تتطور عبر الزمن ابتداء بسيد قطب و المودودي؛ ثم تفسير المنار للسيد رشيد رضا لتنتهي إلى فكر مالك بن نبي فيلسوف الحضارة وإلى الشيخ جودت سعيد و تياره الرافض للعنف؛ و تنمو بسلاسة مع قراءة التاريخ والتبحر في آيات الآفاق والأنفس لتدعيم فكر ناقد وجريء ومجدد.
منهجية الدعوة:
أولا: الاعتماد على تفسير القرآن كنقطة ارتكاز في عملية الدعوة؛ و الهدف تفعيل علاقة المسلم بكتابه.. وتفعيل العقل للخروج من الآبائية ومن عباءة السلف بفهم القرآن على ضوء آيات الآفاق والأنفس والمقاصد الكبرى .
ثانيا: الإعلان بشكل واضح لا لبس فيه وللجميع بمن فيهم النظام الحاكم والجماعات الإسلامية على الساحة بأن الدعوة سلمية جهرية علنية ترفض الانجرار إلى التحزبات السياسية أو أخذ البيعة لأي قائد أو التعصب لأي شيخ .. وتتبنى سياسة كف اليد أسوة بالنبي عليه السلام في المرحلة المكية (ألم تروا إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة).
ثالثا: هدف النشاط الدعوي هو توعية الناس وإعادتهم إلى دين الحق وخاصة النساء؛ ومن ثم المساهمة بتأسيس النخبة القادرة على قيادة الأمة من المختصين والمبدعين لينهضوا بها على أسس راسخة من القيم الإسلامية والعلوم الكونية المعاصرة للعودة إلى مسرح التاريخ.
رابعا: القاعدة الأولى في التغيير هي (قل هو من عند أنفسكم) ..و (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ….والانطلاق في فضاء السننية في القرآن والتي تظهر في كثير من الآيات المليئة بالتاريخ وقوانين علم الاجتماع والتي أهملت جهلا أو قصدا . وحث المسلمين على السير في الأرض لكشف القوانين التاريخية و الكونية والنفسية؛ وحتى الوصولإلى كشف كيف بدأ الخلق..( خلق الإنسان وخلق الكون وخلق الحياة وخلق الحضارة).
رابعا: كان التساؤل في البداية هل المشكلة حضارية أم سياسية..؟؟ و بدراسة كتب فيلسوف الحضارة مالك بن نبي نكتشف أنها حضارية بالدرجة الأولى؛ وأما السياسة فهي الوجه البشع لمشاكلنا النفسية والحضارية وتعود بالدرجة الأولى الى مشكلة الاستكبار و الاستضعاف؛ وهي مشكلة إنسانية قديمة لا يمكن حلها بالثورة العنيفة وإلا استبدلنا الفرعون القديم بالجديد؛ بل تحل بفهم التوحيد كرسالة عالمية تحرر الإنسان من الخوف والرجاء إلا لله؛ وتغير صورنا الذهنية والسلوكيات التي تلحق بها ( كلا لا تطعه و اسجد و اقترب).خامسا: السؤال الثاني ماهو الميزان وكيف نعرف أننا دونا عن باقي الجماعات على صراط مستقيم.. وكان موضوع الفئة الناجية يقض مضجعها؛ وكان الجواب السهل بداية التمسك بالقرآن والسنة.. ولكن بالنظر والتأمل فإن كل المسلمين يتحججون بالكتاب والسنة؛ وكل منهم يلوي عنق النص ليناسب رؤيته الخاصة.. وبالتالي بعد فهم أن المسلمين متخلفون عامة ولكنهم ليسوا من الفرق الضالة ( إلا من خرج تماما من نطاق الإسلام )؛ والمذاهب الأربعة قد اختلفت قبل ذلك؛ وبعضهم أصاب والبعض أخطأ .. والأمور المتنازع عليها ليست مما يدخل في الكفر؛ وإنما يتفاضل الناس فيها في قلة الخطإ وكثرة الصواب. الميزان إذن لا يمكن أن يكون النص؛ بل جوهر النصوص و جوهر الأديان؛ وهو العواقب ودراسة الواقع والخير و الأبقى لأطول فترة ولأغلبية الناس .
سادسا: وماذا عن المرأة ؟ لدى السيدة الفاضلة الكثير لتقوله وهي التي نشأت في البيئة العربية؛ و انتزعت نفسها من ثقل التقاليد والأعراف البالية .. المرأة العربية ويا للأسف جاهلة ومقهورة ؛ ومع ذلك فمهمتها هي المهمة الأخطر ألا وهي صناعة الأمةوأولما كانت تنصحهن به هو التعلم والقراءة؛ والبدء بأخذ المبادرة للخروج من حصار التخلف والتبعية .. والأهم أن تقوم بواجباتها و لا تخدع بالأصوات العالية التي تناديها لتطالب بحقوقها ؛ وهذه هي فكرة الأستاذ مالك بن نبي لما قال : ( العالم الإسلامي يطالب بأن يسمح له أعداءه أن يتحرك بدلا من أن يبادر بالحركة ويتحمل مسؤولية حركته ).
ركزت كثيرا على ربات البيوت و آمنت بقدراتهن التأثيرية على أزواجهن و أولادهن .. وبوجود الفراغ الكافي لديهن وحبهن للاجتماع والتطور والاندماج .. وبوجود مواهبهن المخفية التي تحتاج الى الاكتشاف والنمو ؛ فقد وجهتهن ليتعلمن و يبدعن و يرتبطن بغاية الخلق بدلا من توافه الأمور ؛ و يعين مسؤوليتهن في تربية الأجيال القادمة بعيدا عن الإفساد أو العنف المفرط والتقاليد البالية و تيار الشهوة والكسل؛ وبالبحث المشترك عن أجوبة الأسئلة الصعبة والكبيرة. كما اهتمت بالفتيات الناشئات وكانت تنصحهن بإكمال الدراسة والتمهل قبل الزواج واقترحت إقامة دورات للذكاء العاطفي ولتدريب الشباب على فهم مسؤولية الزواج والتفاهم مع الطرف الآخر.. و دراسة أسس التربية السوية .