حصريا

رسائل الى ولدي : مغول وصهاينة – أ. سامية مازوزي -الجزائر-

0 722

إن الكلمات التي نتركها لأبنائنا لتشبه الميراث بجامع الوصية والهبة والضمان، لأننا نوصي لهم فيها بعطايا من حكم ندعيها أهدتها لنا أخطاؤنا ونهب لهم عبرها خبيئة أفكارنا وتجاربنا ونحاول أن نضمن لهم بين حروفها ما يعينهم على النوائب ويقويهم في مواجهة الحادثات. وحين نشكلها في خطابات مؤجلة فذلك لنبقي حبل الرعية والراعي بيننا وبينهم … لا يقطعه الرحيل ولا يبليه النوى.

الرسالة 02: مغول وصهاينة

أي بني،

رسالتي هذه المرة فيها شيء من التاريخ ففي قصصه وأحداثه العزاء والعبرة لمن كان له قلب وسمع وبصيرة، فالغفلة نوم القلب، ولعل كثيرا من الأيقاظ في الحس نيام في الواقع كما قال ابن القيم. وقد قيل أيضا من وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارًا إلى عمره … والأعمار يا بني لا تقاس بالأرقام إنما تقاس بمراس التجارب واعتراك الحوادث.

أي بني،

لعلك لا تدرك يقينا ما تحمله أيامنا هذه من بأساء وضراء على أهلنا في غزة، ولعلنا إن أنصفنا نخجل من وصفهم بالأهل ونحن لم نوفهم حقهم من صلة ونجدة وقربى، وحين أدار لهم العالم ظهره وقفنا بين صامت وشامت، وتخلينا عن دمنا ولحمنا، ننتظر نصرا من سماء لم نرفع إليها شيئا من الرضوان حتى ترضى فتستجيب.

ولا تذكرنا هذه الأيام إلا بأيام المغول حين استباحوا بغداد ونهبوا أموالها، وأعملوا فيها التدمير والقتل أربعين يوما، ولم يبق فيها مسجد ولا دار ولا شجر إلا واشتعلت فيها النيران، وناهز عدد القتلى المليون بين نساء ورجال واطفال وشيوخ، بل إن الناس ظنوا أن الساعة قد قامت، حتى إن المؤرخ ابن الأثير يقول “لو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا”. أربعون يوما من الإبادة وقبلها أثناء عشر يوما من الحصار لم يصل فيها المدد لا من الحجاز ولا من الشام ولا من مصر … مع إن اخبار الموت القادم من الشرق ملأت الآفاق، لكن الرعب والذل والهوان كان قد استشرى في الغثاء فأقعدهم وأعدمهم الحيلة.

هؤلاء عامتهم أما أمراؤهم فقد شغلوا بعروشهم وكروشهم عن نصرة المسلمين بل قد تعذروا لأنفسهم، وألقى كل منهم معاذيره.

كانت أيام زحف المغول إلى ديار المسلمين  في القرن الثالث عشر ميلادي يا بني لتشبه أيامنا هذه ألما ودما، حتى إن ابن الأثير نفسه أحجم كثيرا أن يسطرها في كتابه، وعبر عن ذلك بقوله: )لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسيا ( كل من عاش تلك الحقبة كان يستشعر النهاية القادمة والقيامة القائمة كما يستشعرها أهلنا الآن …

وكأني يا بني بالأجيال القادمة تقرأ كلاما كهذا عن أيامنا هذه! وكأن تلك الأجيال ستحاكمنا على عجزنا وتحاسبنا على كل قطرة دم  …

أي بني، لعلك تسأل الآن كما سيسألون: لماذا؟ سؤال واحد يختصر الدهشة والحيرة لكنه لا يحتمل إلا جوابا واحدا يخرج من رحم الروايات الضعيفة، لكنه يحمل من الحقيقة والمنطق ما يشفي الغليل. إنه جواب الشيخ العربي للمرأة التتارية، حين سألته لماذا لم ينصركم ربكم ونصرنا؟ فقال:  مثلنا ومثلكم كمثل الراعي وغنمه وكلابه، إن الله هو الراعي، ونحن غنمه، وأنتم كلابه، وما سلط الراعي الكلاب على الغنم إلا لأنها خالفت أمره، فإن عادت إليه ردّ كلابه عنها! فماذا بعد أن سلط الله علينا كلابه من صهاينة وأمريكان؟ هل سنعود؟ أم سنظل شاردين عن الدرب حتى نستبدل بمن هم خير منا يحفظون الأمانة ويمكنون من الأرض حيث ضيعنا؟

إن المسلمين الذين عجزوا عن حمل السلاح كي يذودوا عن أنفسهم واهليهم سنة 1258 م فضيعوا بغداد ليسوا هم أنفسهم الذين انتصروا وأوقفوا زحف التتار في عين جالوت سنة 1260م، ما الذي تغير في سنتين من الزمن؟ ما الذي ميز الخليفة العباسي المستعصم بالله عن السلطان المملوك سيف الدين قطز؟ الفرق بين الرجلين هو شجاعة القرار الموزون بميزان القيم … الفرق بين الرجلين فرق في الهوى: فالأول اشترى الحياة الدنيا والآخر اشترى الآخرة ..  حسبة بسيطة في الهوى استبدلت الأول بالثاني، فانظر يا بني أين يكون هواك …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page