نساء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
سودة بنت زمعة.. يكفيني أن أبعث زوجة لك
بقلم: د. سهام داوي
لم تكن في مكانة خديجة بنت خويلد.. ولا في دلال عائشة بنت الصديق.. ولا في حزم حفصة بنت الفاروق عمر.. ولكنها كانت في مستوى المرأة المؤمنة الصابرة المحتسبة، قبل دخول بيت النبوة، وإلى آخر نفس للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا.. واشتهر عنها الرضا بأن تُبعث زوجة له صلى الله عليه وسلم، تاركة ليلتها لعائشة الأجدر بها في نظرها.
********
هي شريفة من شريفات مكة، تزوجت في بداية حياتها من ابن عمها (السكران بن عمرو بن عبد شمس)، وأنجبت له، واعتنقت معه دين الإسلام ضمن أوائل المعتنقين، ترجمة لصفاء النفس، وسلامة الفطرة، وعلّمها إيمانها الكثير، ففي وقت المحنة كانت مضحّية وهاجرت الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجها (السكران بن عمرو) تاركة خلفها الأهل والوطن، في سبيل دين لم تراودها نفسها بالتراجع عنه .. وهناك في أرض الهجرة توفي عنها زوجها فكانت المحنة مضاعفة، وكان الصبر لكلّ ذلك بالمرصاد.. لأنها من الطينة التي وضعت الجنة نصب عينيها فهان عليها ما دونها من تقلّبات أحوال الدنيا.. فلما عاد من عاد من المهاجرين إلى مكة رجعت، وحملت همّ أبيها الطاعن في السن، فخدمته، ورعته استكمالا لشق الإنسانية في هذا الدين، وفي المقابل كانت هناك من تحمل همّها، وهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزين على رحيل خديجة بعد سنوات مديدة من العشرة، المتألم لحال بناته في غياب الأم، إنها (خولة بنت حكيم) التي تجرّأت وكاشفت الرسول صلى الله عليه وسلم بعلاج حاله وحال بيته، وهو الزواج .. شأنه في ذلك شأن أي رجل ترمّل. وكان في ذهنها عرضان: عائشة الصبية بنت الصاحب الأمين، وسودة التقية ذات السبق في الدين، وعلى رغبته في مصاهرة الصديق فضّل البناء بسودة أوّلا تطييبا لخاطرها وإكراما لبناته بها، تخدمهن، وتملأ عليهن شيئا من فراغ فقدان خديجة..
من خولة كانت التدبيرة.. وباستئذانها منه صلى الله عليه وسلم نالت التأشيرة، فبادرت إلى سودة تبشرها، وتمنيها بالبركة والخير الذي ليس فيه لها خيرة .. وأسعدت قلب الشيخ العجوز الذي قد يكون همّ ترك ابنته الأرملة بعده يدمي قلبه .. ليتمّ الزواج المبارك، وتنضم سودة إلى بيت النبوة أُمّا للمؤمنين، قانعة بحظها منه: فهي تعلم يقينا أنها ليست في مقام خديجة لتعوّضها، ولا في الجمال الذي يملأ عليه قلبه ويجذبه، ولا حتى في السن الذي يجدّد به حياته أو الوضع الذي يتيح لها أن يلاعبها وتلاعبه.. ولكنها على طريق التضحية ماضية، فلها من هذا الزواج المكانة عند الله، وله منها القيام على بيت حزين تملأ شتات همّه وترعاه، وهو ما أعلنته ولم تخفه، حيث ردت عليه يوم أراد فراقها عساه يعفيها من حرمان القلب:” والله ما بي على الأزواج من حرص، ولكني أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجا لك”[1]، وزادت على ذلك بأن تراجعت عن حجز ليلة من لياليه على من يهواها قلبه، فقالت عن قناعة:” أبقني يا رسول الله، وأهب ليلتي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء”[2] فكان حلاّ موفّقا نجت به من محنة الفراق، واهتدت إلى ما يبقيها كريمة في بيته، بلا ضغط، ولا إجبار.
لقد أدركت سودة مكانها فلم تتجاوزه، وفهمت وضع رجل وهب كل مشاعره لامرأة كان لها عليه فضل في بداية حياته، فلم ينظر إلى غيرها، ولم يسع في شيء مما تغري به القيادة، لذلك اعتبرت نفسها طالبة بركة وأجر بهذا الزواج، واحتفظت لنفسها بتجربة أولى مع ابن عمها قبل أن تهرم، وافتكت لنفسها في شمائله حضورا في باب رعاية الأرملة وحسن عشرتها بالمعروف. فلم يفضّل غيرها عليها في المبيت ولا في النفقة، أما القلب فلا سلطان عليه، بل إنها كانت في صفّ المشاعر وإن عاكستها، واعتبرت (عائشة) التي وفدت على بيت النبوة بنتا لها وليست ضرتها.
لكن رغم كلّ ما ذكرنا من تقدّم السنّ، وتأخّر المرتبة بين الزوجات، كان لسودة حضور متميز في بيت النبوة، وكانت تسعد كثيرا لضحك النبي صلى الله عليه وسلم من مشيتها ــ وكانت ثقيلة الجسم ــ ومن أنسه بخفة روحها حيث كان يستملح كلامها، ويشفق على طيبتها التي تقترب من السذاجة. ومن ذلك أنها قالت له:” صليت خلفك الليلة يا رسول الله، فركعتَ بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يقطر الدم”[3] فتبسم صلى الله عليه وسلم ضاحكا من قولها.
وتوالى توافد الزوجات على بيت النبوة، فلم تأخذها الغيرة من جمالهن، ولا من مكانتهن، ولا من أيّ شيء يفضلنها فيه، بل ظلت وفية للزوج، حانية على عائشة رضي الله عنها تقديرا لمكانتها منه، وإكراما لحداثة سنها، على ما تجده معها من انسجام.
وامتدت بها الحياة إلى آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فماتت وقد تجاوزت المائة من عمرها، وكان لعائشة رضي الله عنها وفاء خاص لها، حيث قالت:” ما من امرأة أحبّ إليّ من أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة .. لما كبرت قالت: يا رسول الله قد جعلتُ يومي منك لعائشة”[4]
فطوبى لها بمقامها الرفيع بين أمهات المؤمنين، وطوبى لها بجنات الخلد ضمن صحب النبي المقرّبين، بما استقامت، وما نصحت، وما اقتدت من خصال النبوة في محضنها الأوّل بمكة خلفا للصادقة خديجة، وفي حجرتها الزوجية إلى جوار عائشة التي قدرت لها خصوصيتها فما نافستها ولا شاحنتها، بل قدمت لها خالص الودّ والتلطّف.
[1]ــ الاستيعاب، 4/1867.
[2]ــ الإصابة، 8/117.
[3]ــ الإصابة، 8/118.
[4]ــ صحيح مسلم، كتاب 17، رقم الحديث: 1463.