حصريا

عزوف بناتنا على الزواج-أ.قادة وريدة-الجزائر-

0 525

عزوف بناتنا عن الزواج:

 الأسباب، الانعكاسات والحلول

الأستاذة: قادة وريدة

 

الزواج في الإسلام سنة كونية ربانية ونعمة جليلة ورحمة منه تعالى بعباده من السقوط في الزلل والرذيلة، وهو سكن ومودة بين الرجل والمرأة؛ فالله عالم بطبيعة الإنسان  وما ركَّب فيه من غريزة الميل بينهما قال تعالى ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]


  من غاياته عمارة الأرض، وتكثير سواد الأمة ففي الحديث: “تزوجوا فإِنَّي مُكاثِرٌ بكم الأُمَمَ، ولَا تكونوا كرهبانِيَّةِ النصارى”.([1])

بل من أسمى مقاصده إمامة المتقين ،قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]

ومن جميل ما قيل في تفسير هذه الآية، ما كتبه الشيخ عبد الحميد بن باديس (ومن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون ربهم يسالونه أن يهب لهم أزواجا وذرية تقر بها أعينهم، بان يكونوا موصوفين بمثل صفاتهم، سائري على مناهجهم، معينين لهم على ما هم عليه و يسالونه ان يكونوا على اكمل حال في العلم والعمل والاستقامة، يقتدي بهم المتقين)([2])

 

وسماه تعالى بالميثاق الغليظ  قال تعالى: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء : 21] .

ولكن للأسف الشديد حدث انحراف لمفهوم الزواج عند شبابنا؛ فهو يقف حائرا تائها بين العبودية لله وبين تحقيقه للحياة المزعومة التي تعرض عليه في صورة براقة، وكأن الزواجَ قيدٌ، وأن تكوين الأسرة طوق يحيط بالرقاب، وعائق عن تكوين الذات واستمرار الحياة.

فمن أسبوع كنت في حفل زفاف ابن إحدى الصديقات. جلست بجانبي صديقة قديمة سألتها عن أحوالها، وعن بناتها، وهل رُزقن بأزواج، فأجابتني أنهن يعرضن عن الزواج تماما؛ فالبحث عن العمل أولى من الزواج، وتحقيق الذات المزعومة أهم من الأسرة.

بعد يومين من ذلك اللقاء التقيت ببعض الطالبات، وكعادة الكبار أول سؤال سألتهن: هل من عرسان يا بنات ؟ كاشي زواج؟

أجابتني إحداهن، وكان جوابها ملخصا لما يدور في دخائل الأخريات، قالت: واش درتو بالزواج؛ سيطرة الرجل، وذل، وقيود.. أضافت: أنا عن نفسي لا أفكر في الزواج مطلقا؛ فهو آخر اهتماماتي، لازم أولا العمل …السيارة…. البيت، ثم أقرر: هل أتزوج أم لا.

قالت أخرى: لقد تغير الزمن أستاذة، وتغيرت معه أشياء كثيرة جدا، ربما أنتم الكبار لا تدركونها.

لقد فقد الزواج قدسيته في نفوس فتياتنا، قديما كنا نسمع بعزوف الشباب على الزواج خاصة بسبب الظروف المادية ولكن في السنوات الأخيرة أصبحت ظاهرة تشمل الجنسين على السواء، حيث تغيرت نظرة الفتاة للزواج وتغيرت لديها أولويات  تساير عصر المادة والتكنولوجيا؛ بحيث تراجع إقبالها عن الزواج باعتباره من الفضول  وليس أولوية.

ولقد أصبح الأمر مقلقا وخطيرا، والإحصائيات تدل على تفاقمها وازدياد نسبة الرافضات لفكرة الزواج، وباتت مؤسسة الأسرة على شفا جرف هار؛  إنه بالفعل قضية ومشكلة مجتمعية تؤرق أولياء الأمور، ففتاة اليوم غير فتاة الأمس التي كانت تحلم برجل يأويها ويحتويها ويحميها، وتكون أسرة لتستقر فيها .

فما أسباب العزوف؟ وما انعكاساته؟ وما الحلول المقترحة؟

أولا الأسباب:

يمكن حصر الأسباب في النقاط التالية:

1- أسباب تتعلق بالأسرة:

-في الماضي كانت الأمهات يهيّئن البنت للزواج بمجرد بلوغها العاشرة من عمرها، ولكن بتغير الحياة ضعفت التهيئة فلا تشعر الفتاة بأنها أنثى.

-بعض الأسر تربي بناتها على الغرور والدلال والأنانية فتكبر لديها هذه النزعة فلا تتقبل في المستقبل من يفرض عليها آراءه.

-تغيرت  تربية الأمهات  للبنت فنشأت فاقدة القدرة على تحمل المسؤولية والخوف من الإقبال على الزواج والخوف من العلاقات الأسرية.

-الثقافة المجتمعية وتشويه صورة الزواج للفتاة من قبل بعض الأمهات أو قريباتها، فمنهن من عانين الكثير من الآلام والظلم من قبل آبائهن أو إخوانهن أو أزواجهن، بل حتى من أبنائهن، فغرسن فكرة أن الرجل متسلط جبار يجب الابتعاد عنه، ولا يكون هذا إلا بتأخير الزواج أو رفضه جملة وتفصيلا، وخاصة إذا كان لديها راتب وظيفي أو استولى أحد أقاربها على ميراثها فهي تنقم على المجتمع بعزوفها عن الزواج ومعاداتها للرجل.

-معظم الأمهات لا يركزن على الجوانب الجمالية في العلاقات الزواجية بقدر ما يركزن على سلبياته ومشاكله.

-تراجع قيم الأسرة.

-انفتاح الاسرة المسلمة على المجتمعات الغربية التي أثرت سلبا على رغبة الفتاة في الزواج والانشغال بأمور أخرى.

–  تشبعها بثقافة المسلسلات التي تشاهدها مع الأهل منذ الصغر وما تحمله من أفكار دخيلة تنافي تعاليم الدين الإسلامي وهذا ينشئ رقة الدين وضعف العقيدة في قلوبهن.

2-أسباب اقتصادية: حالة بعض العائلات ذوات الدخل الضعيف وعدم قدرتها على تجهيز البنت والخوف من سخرية الناس   يجعل الآباء يرفضون تزويج بناتهم.

3- الثورة الاتصالية والتكنولوجيا العالمية: أتاحت الفرصة للتواصل والتعارف وأسهمت في كسر   كثيرا  من القيود  التقليدية، فالإعلام والعولمة غيرت المفاهيم والعادات ومعايير المجتمع، والانفتاح الحاصل بكل سلبياته وإيجابياته وما نتج عنه من ضعف في الوازع الديني.

وهذه المواقع خلقت علاقات افتراضية عابرة، أحدثت نوعا من الإشباع العاطفي. وجعلت البحث عن فارس الأحلام سهل والحصول على علاقات تملأ الفراغ العاطفي دون تكاليف وبالتالي تنشأ علاقات خارج إطار الزواج.

4- المستوى التعليمي لبعض الفتيات جعلهن يرفضن الاقتران بمن دونها في المستوى التعليمي، وتمتعها بالاستقلالية المادية تجعلها صاحبة القرار.

5-ارتفاع سقف الطموحات والتطلعات في المجال العلمي والوظيفي والاقتصادي والثقافي وإقبالها على تعلم مهارات جديدة؛ خروجها للعمل، وشعورها بأن الزواج سيعمل على تقييد هذه الطموحات وربط المرأة بالأطفال وواجبات المنزل يقتل المواهب، وهذه الطموحات في الحقيقة لا تقتصر على الطالبة الجامعية والفتاة ذات المستويات العالية بل  نجد ذوات المستوى المتوسط  أو حتى من لم ينجحن في الدراسة دخلن في سوق العمل بقوة وتبوأن مراكز عالية في هذه السوق تختلف صورتها عن الماضي.

6-الاستقلالية الفردية وهذا في الحقيقة ليس عيبا، ولكنها تصبح خطرا عندما تتنافى مع الفطرة التي فطر الناس عليها، فالأصل في المرأة الميل إلى الرجل والعكس.

7- أزمة الثقة بين الشباب والشابات، فنحن في زمن قل فيه خلق الحياء وقلما يجد المرء شخصا دون علاقات سابقة.

8- الفكر النسوي حيث ركزت المنظمات النسوية على التنفير من الزواج والتركيز على المشكلات الأسرية وتشجيع البنت على التمرد، حيث يرى هذا الفكر أن الرجل هو المستفيد الوحيد في الأسرة، في حين أنها بالنسبة للمرأة قيد وعبء ويقول انه لا يوجد شيء في هذه الدنيا يستحق التضحية من أجله.، وصور أن اول صراع وقع بين المرأة والرجل كان داخل مؤسسة الأسرة والزواج ،وحتى تتحقق لها الحرية لا بد من التحرر من هذا الارتباط.([3])

9- إرادة جر المرأة المسلمة إلى مستنقعات الرذيلة الآسنة وبراثن الشذوذ، والتمتع بها.

ثانيا الانعكاسات:

وقد كان لهذا العزوف انعكاسات خطيرة، ندرجها فيما يأتي:

-إن العزوف عن الزواج بشكل إرادي علامة من علامات اختلال بنية الشخصية، وتفاقمها بهذا الشكل المخيف يدق ناقوس الخطر، ويهدد البناء الاجتماعي بالانهيار والزوال

-زيادة العنوسة.

-عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي للفتاة.

-الاستقلال المادي للمرأة مقابل بطالة الرجل.

-الإعراض عن الزواج مخالفة للفطرة واعتداء على روح الطهر والعفاف؛ وبالتالي اللجوء إلى إشباع الرغبات بالعلاقات غير الشرعية.

– انتشار جريمة الزنا في المجتمع.

ثالثا الحلول المقترحة:

إن أساس المجتمع هو الأسرة، ولا يمكن تكوين الأسرة إلا في ظل الزواج الشرعي يكون قوامه  المرأة والرجل، وإن حل  مشكلة  عزوف الفتاة ليس بالأمر الهين والبسيط، خاصة في زمننا هذا الذي فقدت فيه السيطرة وأخذت الظاهرة في التزايد. ومنه:

  • لابد من العودة إلى تعاليم ديننا الحنيف لتدارك ما يمكن تداركه، والنظر إلى الجوانب الجمالية للزواج بعين النحلة لا بعين الذبابة التي ترى القذارة والأوساخ.
  • القيام بحملات توعية من قبل مؤسسات المجتمع المدني، ومؤسسة المسجد والمستشارات التربويات، والأولياء الفتاة وما لها من دور فعال في تكوين الأسرة والحفاظ على لبنة المجتمع وبالتالي تحقيق أسمى المقاصد من الزواج في إمامة المتقين.

 

[1]  البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى للبيهقي، تح: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية –بيروت، ط3 ،1424ه-2003 م ، 7/125 ،كتاب النكاح ،جماع أبواب الترغيب في النكاح وغير دلك ،باب استحباب التزوج بالودود الولود، حديث رقم: 13457.

[2]  ابن باديس، عبد الحميد بن باديس، مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، اعتنى به: أبو عبد الرحمن محمود ،دار الرشيد للكتاب والقرآن الكريم –الجزائر-،ط3 ،1436ه -2015م 2/169 .

 

[3]  ما مدى تأثير النسوية على تماسك الأسرة العربية ؟،بسام ناصر، رابط الموقع:  https://arabi21.com ، تاريخ الاطلاع:  22/09/2022.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page