-
- فلسطين – رؤية قرآنية
أد بدرالدين زواقة – جامعة باتنة 1 – الجزائر
أستاذ مشارك سابقا بجامعة أم القرى – مكة- المملكة العربية السعودية
أستاذ زائر بعدة جامعات وطنية و عالمية.
تعتبر الرؤى التجزيئية للقضايا و الأحداث مأزقا معرفيا عاني منه الإنسان منذ القديم ،باعتبار تنشئته و موقعه الثقافي و الاجتماعي .
ومن بين هذه القضايا المهمة و الأساسية في تاريخ الإنسان قديما و حديثا، الموقف من المدن المقدسة – مع تحفظي على هذه التسمية – التي أخذت حيزا في الصراع السياسي و الأيديولوجي لقرون من الزمن.
فكان هذا البحث محاولة لقراءة متكاملة و مقاربة حضارية شاملة لفهم ظاهرة فلسطين من خلال تتبع ما كتبه فلاسفة الحضارة ،من بينهم مالك بن نبئ وعبد الوهاب المسيري و طه عبر الرحمان ….
و الهدف من ذلك تجاوز التفاصيل و الجزئيات و اختصار الجهد المعرفي و الثقافي في فهم “فلسطين” موقعا وميقاتا ، و الارتقاء بها من منطقة صراع إلى نقطة تواصل إنساني حضاري ، وهذا لا ينفي بالضرورة الحقوق الطبيعية و الشرعية و القانونية للشعب الفلسطيني المرابط .
أولا: فلسطين في القرآن:
يرجع الباحث دائما صاحب الرؤية الحضارية إلى القرآن الكريم باعتباره مصدر المعرفة الإنسانية و الرؤية الكونية ،ذلك أنه “كريم ” ،ومن كرمه تجدد و جود معارفه التي تفسر كل مظاهر و ظوهر كل الأزمنة و الأمكنة و الأحوال .
فكان لا بد من الاعتماد عليه في فهم المصطلح و المفهوم ،من خلال الرؤية الموضوعية الاستشرافية.
و قد ذكر الله تعالى “فلسطين ” في مواضع عديدة نحاول جمعها من خلال هذا العرض:
- : الأرض المباركة:
في قوله تعالى: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء:1)
وذُكرت فلسطين بهذه الصفة في خمسة مواضع؛ وهي:
- (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {1}). (الإسراء).
- (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ {137}) (الأعراف).
- (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ {71}) (الأنبياء).
- (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ {81}) (الأنبياء).
- (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ {18}) (سبأ).
2: الأرض المقدسة:
وذكرت فلسطين بهذه الصفة في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ {21}) (المائدة).
3: أرض المحشر:
قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) (الحشر:2)،
4: الإشارة إلى فلسطين دون ذكر صفة من صفاتها:
وجاء ذلك في عدة مواضع كما في قوله تعالى:
- (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً {4}) (الإسراء)،
- (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ {105}) (الأنبياء)،
- (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {93}) (يونس)،
- (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {1} وَطُورِ سِينِينَ {2}) (التين)،
5: ذكر مناطق في فلسطين:
أشار القرآن الكريم إلى بعض مناطق فلسطين ومن ذلك قوله تعالى:
- (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ {50}) (المؤمنون)،
- (فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً {22}) (مريم)،
- (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ {41}) (ق)،
- (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ {58}) (البقرة)،
- (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) (البقرة: 259).
- (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ) (البقرة: 249.
- (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {18}) (النمل).
من خلال ما سبق من صفات جمال و جلال ندرك أنها أرضا اختارها الله لتكون :
- أرض الإيمان .
- أرض العيش السلام.
- أرض التواصل الإنساني .
- أرض الحضارة .
و هذه المقومات ميزتها عن باقي الأراضي و البقاع و ففي غياب هذه الرؤية تحولت إلى:
- أرض ابتلاء.
- أرض تيه.
- أرض صراع.
2-دلالة “الإسلام ” كمعنى حضاري و رمزية المعنى.
فاذا كان اليهود ينتسبون لأرض يهودا، المسيحيون لشخص المسيح و المسلمين لقيمة السلم و السلام.
و أتصور أن هذا المنطلق الحضاري يفسر لنا جوهر المشكلة و حقيقتها ،فإذا “كنا قد سلطتنا الضوء في هذه الدراسة على الصهيونية المسيحية ونشأتها ودورها في إقامة إسرائيل في المنطقة العربية وركزنا على الدور البريطاني الأمريكي بالذات ووضعنا خطة لمواجهتا، فان ذلك يعتبر بداية للفهم الصحيح للصراع وطرق مواجهته ويمهد لاتخاذ خطوات ووضع الخطط اللازمة للخروج من هذا”.[1]
ففهم هذا الصراع و حقيقته يسمح لنا من الناحية المعرفية ابتداء التعاطي مع الارتدادات الحادثة في الصراع العربي الصهيوني.
و “يعتبر الأصوليون المسيحيون تجميع اليهود في أرض فلسطين مقدمة ضرورية لعودة المسيح المنتظر، وقيام معركة هرمجيدون، ولهذا لم يذخر هؤلاء جهداً في هذا المجال، حيث تكاثفت جهود الحكومات البريطانية والأمريكية المتعاقبة لتحقيق هذا الهدف. وقد عرضنا في السابق لهذه المحاولات التي بدأت حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بوقت كبير، وما تلاها بعد قيام إسرائيل، وجهود أمريكا وبريطانيا في هذا المجال، والذي وصل إلي ذروته في عهد الرئيس ريجان، الذي سخر كل أحاديثه وتصريحاته للحديث عن انتهاك موسكو لحقوق الإنسان، بسبب رفضها السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، حيث نجحت الضغوط التي مارسها على موسكو في فتح أبواب هجرة اليهود الروس إلى فلسطين، والذين وصل أكثر من مليون ونصف منهم إلى إسرائيل في فترة وجيزة”.[2]
و يزداد تعقيد المشكلة من خلال تدخل الجغرافيا السياسية و محاور الصراع الحضاري ،خاصة بزر من خلال مركزية أمريكا في العالم .
“فالملاحظ أن من يعتبرون أنفسهم حجاجا إلى فلسطين، من المسيحيين الأمريكيين الأصوليين، يضعون على صدورهم لوحة صغيره كتب عليها: “نحن نحبك يا إسرائيل، لأن الله يحبك”.[3]
- السنن الكونية تفسر لنا الظواهر و الأحداث وفق نسق واحد ثابت متجدد. ومنها التدافع و التداول.
وهذه الرؤية مهمة جدا في رسم الخطط و الاستراتيجيات للتعاطي مع قضية فلسطين. وهنا ” يجب أن نقرر أن قضية فلسطين قد أيقظت الوعي العام من خدره، ونحن نرى فيها المحور التاريخي الذي أخذ العالم الإسلامي يدور حوله باحثاً عن اتجاه إيجابي جديد”.[4]
- القيم الإنسانية هي الفيصل و المحور في التواصل الإنساني الحضاري و الإنسان هو محور القرآن و كل الكتب السماوية.
و هذا من خلال الاستثمار الاستراتيجي في التواصل الإنساني الحضاري ،لأنه في تصوري البوصلة الوحيدة في التأسيس لثقافة مقدسية إنسانية عالمية ، تحقق بالضرورة مقاصد الإسلام.
[1] الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور – الممارسة – سبل المواجهة)، يوسف العاصي إبراهيم الطويل صوت القلم العربي، مصر الطبعة: الثانية، 1431 هـ – 2010 م، ج4 ص 141.
[2] لكتاب: الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور – الممارسة – سبل المواجهة)،ص286.
[3] الحملة الصليبية، المرجع نفسه، ص319
[4] وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، دار الفكر معاصر بيروت-لبنان / دار الفكر دمشق – سورية
الطبعة: 1431هـ = 2002م / ط1: 1986م، ص107