حصريا

أيقونةُ الأَقصَى – أ.آمنة الإبراهيمي -الجزائر –

0 278

أيقونةُ الأَقصَى  أ.آمنة الإبراهيمي – الجزائر //

إنّ المتأمّل لمسارِ التاريخِ الإنسانيّ يدركُ حتماً أنّ بعضَ البقاع الجغرافيّة ليسَت كغيرِها، إذ تتجَاوزُ حدودَ الأرضِ وتتعدّى قوانينَ البَشريّة إلى اللامألوف لتصيرَ بينَ العالمينَ رمزاً حضَارياً يستقِي منهُ اللاحقُ بإحسان، ويُنتصرُ به للخَلفِ الحِسَان.. وغزّة العزّ بِما حمِلتهُ من جرَاحٍ مثقلةٍ بقيمٍ إيمانيّة، ومواجعَ أليمةٍ منسوجةٍ بتربيةٍ قرآنيّة وأخلاقياتٍ فِي كنهها سماويّة.. لم تكُن تلكَ المدينة المُحاصَرة التي تنتظِرُ النّصر وتلعنُ صروف الدهرِ؛ بل كانَت فضاءً مفتوحاً للمعنَى تُعلّم العالمَ كلّهُ ماهية الصمُود الإنسانيّ المرتكز على الإيمان واليَقين، حيثُ نجِد في قلبِ المَشهد الفلسطِينيّ أين تجتمعُ ملحمة الصَبر مع المأساة الإنسَانيّة تلكَ الأيقونَة المُتفرّدة التي لم تكُن أُنثى العَصر المُفرغَة في مقوماتِ عيشِها، المُعدمةِ في قِيمها وحتّى تربيتها..

إنّها المرأَة الغَزّاويّة سيّدة نساء الأمّة المعاصِرة بامتياز! ولا عزاءَ لمن تحاولُ شيطنَة خلق المرأة المسلمة ونزعِ حِجَابِ المكارِم عنها، وبترِ جذورِ عفّتها من النسويات البائِسات..

 

إنّ أرضَ الرباط المُباركة كانَت مصنعَ النخبة النِسائيّة على كلّ المُستويات وخريجتُها الواحِدة تَزن مالا نهايَة من نساء الزمن، الحُرّة منهنّ تزفُ ولدها شهيداً في سبيلِ الجهاد بينَ دمعٍ ويقين، تَبكِي زوجَها حينَ يرتقي فتصابرُ وتكابد بعده..

الغزّاوية هِي تلكَ الفتاة اليافعة التي دفنت طموحاتها تحتَ ركام القصف واستودعت آمالها الله تعالى..

ولنا في سليلة الأحرار الطبيبة آلاء النجار تذكِرة حينَ سلّمت قلبها لله تعالى وحدهُ ليربطَ عليه فالمفقود عظيم وما عند بارئها العليم أعظَم !

هذه صورةٌ متكاملة للإنسانِ المؤمن الذي تشرّبت روحهُ معانِي الثبات والصبر والرساليّة، تعيدُ الأذهانَ وتسافرُ بالأفئدة إلى الرعيل الأوّل.. هناك نجدُ سيرَ من كتبن بأرواحهنّ على أديمِ الزمنِ تاريخَ الإسلام حينئذ بمكارمهنّ وعليّ مآثرهنّ

الغزّاويّة هي المرأة التي لم تنبثِق من هامشِ الدُنيا، ولا نزَلت من رحم الضعف والهَوان؛بل نهضت في زِحام المعاناةِ لتصنعَ معنى الحياةِ ذاتها! كُلّما أظلمَ الاحتلال الصهيونيّ -عليه من الله ما يستحقّ- جذوة النورِ في بيتها قامَت على عرجٍ تشعلها، وكلّما قصفَ لها جدارا كانَ لها حِصناً متيناً لا يتحطّمُ بحالٍ! ليستِ التي تنكسرُ أمامَ مشهدِ الشهادة بل هو شرفٌ تعي أنّ من ينالهُ صدقَ ربهُ تعالى “طلَبها ونالها”

فقَد تعلّمت الشريفة أن تعِيش بالإيمان الذي يهبُ الحياةَ معناها وللموتِ خلوده.. وبالتالي ليسَت صورة نمَطيّة لامرأة تثبتُ فِي وجهِ الحربِ فقط بل هي حالة إيمانيّة كامِلة

يحيلُنا حالُ المرابطاتِ المُقاومات في غزّة المباركة إلى أبعادٍ متفردة حولَ كلّ نموذجٍ منهنّ، فنحنُ حينَ نقرأ آيات القرآن العظِيم عن قيمةِ الصبر ندركُ أنّ الصبرَ عند الغزاويّة ليسَ مجرّد تحمّل للأوضاعِ القاسية بل هو مقامٌ روحيّ تتجاوزُ به الطاقة البشريّة وفعل حضاريّ في عمقهِ فهي التي تنجبُ الأشاوسَ تحتَ شراسة صوتِ القصف، وتربي  تحتَ هزاتهِ، وتنزحُ مرافقةً ما بقي من أفرادِ أسرتها دونَ إسقاطٍ لإيمانياتِها؛ إذن فصبرهَا  هو مشروعُ نهضة من تحت الرّكام، ولو تأملنا فِي تاريخ الأمم لوجَدنَا أنّها جسّدت أعظَم معاني الفاعليّة الحضاريّة بتحويلها الألَم إلى قوّة دفع للأمّة، وقلبِ المأساة إلى محضنٍ يربي الأجيال على العزيمَة

ولنا في سيرَة هاتهِ الأُنثى العَظِيمة دعوة لوعيٍ جديد بدور المرأة عَن طريقِ قراءةِ تجربة نساءِ غزة الأحرار لا بكونهنّ قصصاً بطوليّة سيحفظُ التاريخُ مجدها بل لأنهنّ رسمن نهجَ الكرامة في عزّ الأزمة، وجسدنّ معنى الصَبر والإيمان وهذا هو الوقود الحضاريّ الذي يمنعُ الأمّة من السقوط، فما خابَت من سارت على خُطاهنّ وانتهجت سبيلهنّ وكانت مسلمةً لا مُتأسلمة.. منهنّ ندركُ أنّ الثباتَ في اللحظات الصعبة ليسَ وليد الخِطابات الفَضفاضَة، إنّما هو تربيةٌ إيمانيّة قوية الصِدق تجذرت في النفوسِ تجذّر شجرة الزيتون في فلسطينَ المباركة، فالغزاويّات هنّ اللواتِي لا تنطلي عليهنّ خدعة شعارات التحرر الكاذِبة، فما ظنّكُم بالتي نشَأت في بيتٍ إسلاميّ قُرآنيّ نازِلةً بما حفِظت وعلمت وقت الشدّة إلى الواقع العمليّ، فلا هي التي تسخطُ عندَ فقدٍ ولا تلعنُ القدر لمسغبةٍ مُِلمة لسانها لا يلهجُ إلا بذكرٍ وحمدٍ ووابل دعاء على الاحتلال ومَن خذل من العرب

ستنتصِرُ غزّة فهذا وعدٌ من الله تعالى، وتبقى المرأة الفلسطينيّة درّة نساء الأرض قاطِبة بما حملتهُ الواحدةُ من مبادئ لم تُسقطها في أحلك حربٍ عرفها العالم !

ختاماً تبقى المرأة الغزّاوية صانعة مجدِ الأمّة، وأيقونَة حضاريّة تعيدُ تشكيلَ المرأة المسلمة في هذا القرن، فطرها الله بخلق أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ وقوة الصالحاتِ وإيمانهنّ في عصر لا يشبههنّ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page