حصريا

المرأة الغزاوية – أيقونة المقاومة والصمود والتجدد -د. علياء العظم -الأردن-

0 813
  1. المرأة الغزاوية – أيقونة المقاومة والصمود والتجدد
    د. علياء العظم -الأردن

عندما أردت أن أكتب عن المرأة الغزاوية في ظلال طوفان الأقصى، شعرت وكأنني أمام تسلق جبل شاهق، لا أقوى عن رفع نظري لمجرد تأمله، فكيف لي أن اجرؤ على وصف كائن يعجز الخيال عن تصوره، بل كيف لي أن أتمكن من سبر أغوار حالة أدهشت العالم بما ربت وانشأت، ثم أعجز صبرها الصبر، وأذهل صمودها البشر.

إن وجود المرأة الفلسطينية في غزة ليس هامشياً في معركة البقاء، بل هو محور أساسي في صياغة هوية المجتمع وصموده. إنها ليست متلقية للأحداث، بل فاعلة فيها، وصانعة لمسارها، حتى باتت رمزاً تتقاطع عنده معاني الصبر، والإصرار، والعطاء.

أولاً: المرأة المربية في غزة بين أعباء الحروب والحصار

لم تبدأ معاناة المرأة الغزاوية في العدوان الخير بعد طوفان الأقصى، بل إنها معاناة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، إذ كانت تعيش غزة تحت حصار خانق، يتخلله عدوان عسكري متكرر. في كل حرب، يتضرر النسيج الأسري والاقتصادي والاجتماعي، وتكون المرأة في الصفوف الأولى لتحمل النتائج. تشير تقارير الأمم المتحدة (2023) إلى أن أكثر من 70% من النساء في غزة يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن بعد فقدان الزوج أو اعتقاله أو إصابته، وهو ما يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية عليهن.

لكن ما يميز المرأة الفلسطينية هو قدرتها على تحويل هذه المعاناة إلى طاقة صمود. فالأم التي فقدت منزلها، تعيد بناء حياة مؤقتة في خيمة أو بين أنقاض بيتها، لكنها تواصل إرسال أبنائها إلى المدرسة -إن بقيت- أو تواظب هي على تعليمهن، هذه الصورة الواقعية تختزل قدرة مذهلة على مواجهة الانكسار.

ثانياً: بين الأمومة والمقاومة الثقافية

لم تقتصر أدوار المرأة الغزّية على رعاية الأسرة، بل تجاوزتها إلى المقاومة الثقافية والاجتماعية. فالنساء في غزة يحفظن رواية الأرض والهوية من الضياع، من خلال تربية جيلٍ يعرف قضيته ويعتز بانتمائه، وقبل ذلك هي فهمت مكانة كتاب الله في بناء شخصية المقاوم، فعملت على جعله في صدور أبنائها، محركاً لمسيرتهم المقاومة.

ثالثاً: المرأة كمعيلة وصانعة اقتصاد بديل

في ظل الحصار وارتفاع البطالة، أبدعت نساء غزة في ابتكار مشاريع صغيرة لتأمين مصدر رزق. هناك من حوّلن بيوتهن إلى ورش صغيرة للخياطة أو صناعة الطعام أو التعليم عبر الإنترنت. ووفقاً لتقارير منظمات محلية، فإن ما يزيد عن 30% من المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء في غزة تمثل مصدر الدخل الأساسي لأسرهن.

رابعاًً: المرأة في البعد المهني

كان وجود المرأة كمهنية فاعلة تحت نيران القصف مذهلاً، فها هي المرأة الطبيبة ترابط في المستشفيات، تسعف الجرحى، وتولّد الأمهات، وترعى الأطفال، وليست قصة الطبيبة آلاء النجار ببعيدة، وهي التي فقدت تسعة أبناء أثناء تأدية واجبها، فأثبتت أن الطبيب يستطيع أن يصمد رغم فاجعته الأشد فتكًا، كذلك الطبيبة تغريد العيماوي التي كانت تولد النساء، ثم تدفن بيدها وليدها الذي لم تكتب له الحياة، وكذلك الطبيبة أميرة العسولي التي أظهرت معنى الشجاعة على أرض الواقع، حينما كانت تطارد الرصاص لإنقاذ المصاب.

وها هي المرأة الإعلامية تنقل الأخبار، وتوثق الأحداث، مستعدة للشهادة في كل حين، رحم الله الشهيدات دعاء شرف وآيات خضور، ووفاء العديني، وفاطمة حسّونة، ومريم أبو دقة، شهيدات الواجب الصحفي، اللاتي استشهدن وهن يمارسن رسالتهن بكل شجاعة؛ يقدِّمن الحقيقة رغم الخطر، فقصصهن ليست فقط شهادات على الألم، بل أيضاً على التزام لا يتراجع بفضح الأحداث، حتى وإن دفعن الأرواح ثمناً.

خامساً: البعد النفسي والوجداني

لا يمكن إغفال الثمن النفسي الباهظ الذي تدفعه النساء في غزة. فالتجارب المتكررة من فقدان الأحبة ورؤية الدمار تُخلّف آثاراً عميقة من الصدمات النفسية. ورغم محدودية الخدمات النفسية، فإن النساء يمارسن أدواراً علاجية غير رسمية، من خلال دعم بعضهن البعض، وإيجاد دوائر تماسك اجتماعي داخل المخيمات والأحياء.

وقد رصدت دراسات ميدانية أن الأمهات اللواتي يوجّهن أبنائهن نحو التعليم والفن والرياضة، يساهمن في بناء آليات نفسية إيجابية لمقاومة الإحباط واليأس. وفي هذا السياق، تُروى حكاية الطفل “محمود”، الذي والده في القصف، لكن والدته شجعته على الخطابة، قائلة: “ليكن صوتك أقوى من أصوات الحرب.”

سادساَ: المرأة في الخطاب الوطني والإنساني

باتت المرأة الغزّية رمزاً عالمياً للكرامة الإنسانية. صور الأمهات اللواتي يشيّعن أبناءهن بابتسامة صابرة تناقلتها وسائل الإعلام، لتصبح أيقونة تعبّر عن إصرار الفلسطيني على الحياة. هذه الرمزية جعلت المرأة الفلسطينية جزءاً من خطاب المقاومة العالمي، ودفعت منظمات نسوية وحقوقية للتضامن معها.

خاتمة

إن الحديث عن غزة لا يكتمل دون الحديث عن نسائها؛ فهن ليس فقط ضحايا للحصار والعدوان، بل شريكات في صياغة هوية شعب يقاوم من أجل الحياة، المرأة الفلسطينية في غزة تمثل نموذجاً فريداً يزاوج بين القوة والحنان، بين التضحية والإبداع، بين الجرح والأمل.

ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه للعالم هو أن المرأة، حين تحمل قضية عادلة، تصبح قوة لا تقهر، وتجعل من بيتها المحاصر نافذة على الحرية، ومن دموعها رسالة صمود تتجاوز حدود المكان والزمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page