حصريا

بيت العنكبوت: دعوة لبناء أدوار متكاملة لبيت لا وهن فيه – د. ميادة عكاوي -الأردن-

0 572

بسم الله الرحمن الرحيم

بيت العنكبوت: دعوة لبناء أدوار متكاملة لبيت لا وهن فيه

قال الله تعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41].

فسّر العلماء هذه الآية بأن من يعتمد على غير الله يكون كمثل بيت العنكبوت؛ هش لا حماية فيه ولا ثبات، رغم ما يبدو عليه من ترتيب ودقة؛ قال الطنطاوي:” فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم، حيث عبدوا من دون الله – تعالى – آلهة، هي في ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت”[1]، وقال الزمخشري: ” وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان “،[2] لكن المفسرين لم يغفلوا أيضًا عن روعة الإعجاز العلمي في الآية، إذ إن هذا البيت العجيب، رغم ما يحمله من دقة مذهلة في تركيبه، يبقى في جوهره أوهى البيوت[3]، لا ترابط فيه ولا مودة، بل تسوده الأنانية والصراع: أنثى العنكبوت هي من تبنيه، والذكر يغيب، وقد يُقتل ويُطرد، بل وتصل القسوة أحيانًا إلى أن يقتل الأبناء أمهم بعد نموّهم[4]، وما زال بيت العنكبوت معجزة علمية وسلوكية في آنٍ معًا، تتجدد دلالاتها في كل زمان، وهو مرآة اجتماعية وتربوية، ترينا كيف أن غياب التوازن بين الأدوار، وغياب القيادة والرعاية المشتركة، يجعل أي بيت — مهما كان مظهره — عرضة للانهيار.
من هذه الإشراقة القرآنية، نستنبط دعوة عميقة لبيت لا وهن فيه، و نستلهم دروسًا حية في بناء البيت المسلم، ليس على الشكل والمظاهر، بل على شراكة الأدوار وتكامل المسؤوليات.

أولًا: التوازن سرّ قوة البيت

التوازن لا يعني التساوي في الأدوار، بل التساوي في المسؤولية والتقدير، فكل طرف يكمّل الآخر، ولا غنى لأحدهما عن الثاني، ولتحقيق التوازن نلتزم المنهج الإسلامي في بناء الأسرة الذي يقوم على مبدأ “حسن اختيار الزوجين”[5]، والكفاءة، والتكامل لا التصادم، وعلى توزيع الأدوار بما يحقق العدل والاستقرار؛ الرجل مسؤول عن القِوامة والحماية والنفقة، والمرأة عن الرعاية والتربية والعاطفة، قال رسول الله ﷺ:  ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”[6]؛ فإذا غاب هذا التوازن، أو أُسند البناء لطرف واحد، انهارت الأسرة واختلّ البيت كله، وبدأت مظاهر الوهن تتسلل إلى أركانه، تمامًا كما في بيت العنكبوت.

ثانيًا: المرأة وبصمتها الحاسمة.

المرأة في الإسلام ليست مكمّلة، بل هي ركن أساس في البناء النفسي والروحي للأسرة، هي من تُنشئ الأجيال، وتغرس القيم، وتُدير المشاعر والعلاقات داخل البيت، لكنها تُرهَق عندما تغيب القِوامة أو تُجبر على حمل ما لا تطيق، وإن اضطرت لتحمل المسؤولية في غياب الرجل (وفاة، مرض، سفر) أو تقصيره فهي قادرة، كأنثى العنكبوت، على بناء شبكة قوية تحفظ البيت، ولكن ذلك لا يعني أن هذا هو الوضع المثالي، بل هو استثناء تُثاب عليه المرأة، لا قاعدة تُبنى عليها البيوت؛ لأن الإسلام لم يُرد للمرأة أن تتحمل كل شيء وتكون ضحية، بل أراد لها شريكًا يساندها، ويشاركها، ويكمل معها بناء هذا الكيان العظيم: الأسرة.

ثالثًا: الرجل ومكانته القيادية الرحيمة

دور الرجل لا يقتصر على جلب المال، بل يشمل: القيادة بالحكمة، الإنفاق بالرضا، المشاركة بالتربية، والحماية بالحضور والدعم؛ قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}[النساء:34]، والقِوامة هنا تكليف لا تشريف، تقتضي أن يكون الرجل عنصر الأمان والاستقرار، لا مصدر غياب أو اضطراب، لأن غياب دور الرجل أو حضوره السلبي، يجعل البيت مُثقلاً على المرأة، ويؤسس لبنية أسرية قابلة للانهيار، كما في بيت العنكبوت.

رابعًا: كيف نبني بيتًا لا وهن فيه؟

  • أن نلتزم بالتنظيم الإلهي في توزيع المسؤوليات.
  • أن نعترف بأن الطرفين متكاملان لا متنافسان.
  • أن يُسند كل دور لأهله، دون تحميل أحدهما فوق طاقته.
  • أن نربي أبناءنا على معنى الشراكة الأسرية لا التهرب أو التسلط.

وفي الختام ندرك أن بيت العنكبوت ليس مجرد مشهد في كتاب الله، بل مرآة رمزية لكل بيت يُبنى دون توازن، أو يُدار بخلل في الأدوار، ومن رحم هذه العبرة القرآنية، أوجّه وصية للرجل وأخرى للمرأة، نابعة من روح الشرع وفلسفة البناء الأسري:

🔹 وصيتي للرجل:
لا تتنازل عن قِوامتك التي وهبك الله إياها، فهي ليست تسلطًا ولا سيادة فارغة، بل مسؤولية عظيمة تتطلب الحضور، والحكمة، والرعاية، إياك أن تُفرّط في هيبتك أو تقصّر في واجباتك؛ فتُهِن نفسك وتُقصيها، واعلم أن في غيابك، وضعف شخصيتك، ضعف البيت وضياع مرجعيته، فالله الله في القِوامة عض عليها بالنواجذ؛ فهي كرامتك ومظلة الأمان لأسرتك .

🔹 وصيتي للمرأة:
لا تتنازلي عن حاجتك الفطرية للقِوامة، فهي ليست نقصًا فيكِ، بل هي جزء من عدل الله في التوزيع، لا تُحمّلي نفسك ما لا طاقة لك به، ولا تظني أن استغناءك عن دور الرجل مكسب دائم، لكن إن غاب الرجل بعذر، أو بوفاة، أو تخلي، كوني كأنثى العنكبوت، قادرة على بناء بيت متين وشبكة قوية، لا للوهن، بل للثبات، فأنت في هذه الحالة تؤجرين على صبرك وصمودك، وتسابقين في الأجر كما تسابق نساء الصحابة في زمن الابتلاء.

🔹 ولكلا الزوجين نقول:
البيت المسلم لا يُبنى إلا على توازن ناضج وتكامل رحيم، لا تسقط الهيبة في غياب التفاهم، ولا تُنسى الرحمة في خضم المسؤوليات، وإن غاب أحدكما، فليبقَ الوفاء قائمًا، والدور محفوظًا، والمكانة مصانة.

د. ميادة عكاوي

 

 

 

[1]  الطنطاوي، محمد سيد، التفسير الوسيط، دار نهضة مصر: القاهرة، 1997-1998م، ط1، ج11، ص40.

[2]  الزمخشري، الكشاف، دار الكتاب العربي: بيروت، 1407هـ\1987م، ط3، ج3، ص455.

[3]  ينظر: النجار، زغلول راغب محمد، من آيات الإعجاز العلمي الحيوان في القرآن الكريم، دار المعرفة: بيروت، 1427هـ\2006م، ص 140-143.

[4]  ينظر: النابلسي، محمد راتب، موسوعة الإعجاز العلمي، دار المكتبي: دمشق، 1426هـ\2005م، ج2، ص234.

[5]  ينظر: المقدم، محمد إسماعيل، محو الأمية التربوية، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، 11\16.

[6]  البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دارابن كثير، دمشق، 1414هـ\1993م، ط5، كتاب: النكاح، باب: المرأة راعية في بيت زوجها، حديث رقم: 4904 ج5، ص: 1996.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page