حصريا

يا أمة …. هل من رجعة ؟ – أ. قرفي سكينة -الجزائر-

0 387

 

أمتنا تمرض، لكنها لا تموت…

قرفي سكينة

يا أمة …. هل من رجعة ؟

 

إن صلاح الأمة مطلب و ضرورة إلى يوم الدين . فأمتنا لا تزال تتلقى الضربات من مختلف الجهات و ليس بوسعها سوى{ إحداث توازن} يضمن لها البقاء و العيش تحت الظل .

فإن أردنا أن يتغير حالنا علينا تغيير ما بأنفسنا أفرادا و جماعات , ثم الأخذ بالأسباب على النحو الصحيح و بالطرق الحديثة

  • الالتفاف حول كتابنا و سنة نبينا و علمائنا :

 

يقول تعالى {  فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ } طه 123

و هذا بالعودة إلى كتب الله و سنة نبيه في كل مجالات الحياة صغيرها و كبيرها . فلا عز لأمتنا إلا بالعمل الجاد بهما . و لن يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

فأما القرآن الكريم : ففيه كل ما يهم البشرية في معاشها و معادها عقيدة و عبادة و سلوكا , أفرادا أو جماعات . فهو كامل في أحكامه و تشريعاته إلا ما ترك عمدا للاجتهاد تحقيقا لمصالح العباد إذا تغيرت ظروفهم و أحوالهم حتى تتحقق للشريعة مرونتها و استمراريتها .

ثم إن الأمة قد جرت كل طرق الضلال و اتبعت الهوى في كل جوانب حياتها , و قامت بهدم القيم , لكنها وجدت نفسها في النهاية تلف في حلقة مفرغة لا تعرف بدايتها من نهايتها . فالابتعاد عن المنهج القرآني جعل عيوب الأمة تنكشف لغيرها فقذفت بها , و وضعت السياط في يد عدوها , فجلدت بها .

السنة النبوية : لا تنفصل عن القرآن الكريم في وجوب الأخذ بها , و من اعتقد خلاف ذلك ممن ينسبون هذا المصدر التشريعي إلى بشر يؤخذ منه و يرد فقد أخطأ السبيل و ضيع حقيقة الدين.

يقول تعالى { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ  … } النساء 59

و لعل أخطر ما في الأمر و ما ينبغي على المسلم إدراكه أن الله تعالى جعل طاعته و طاعة نبيه شرطا لحصول الايمان به و باليوم الآخر .

{  فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ … } النساء 59

فمن استغنى عن هذه الطاعة و رأى بديلا لها أو جاء بها على النحو الذي يرضي هواه أضحى إيمانه هشيما تذروه الرياح .

الأمة جسد واحد : و رأس هذا الجسد علماؤها فهم عقلها المدبر و نهجها المسير . فما دامت أمم و مادام قيامها إلا بعلمائها إن أحسنوا النصح لها , و ما كان هلاك أمم أخرى إلا بهلاك العلماء و تضليلهم للحكام .

فلما كان أول اتصال للسماء بالأرض بقوله تعالى : (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ) – العلق – ﴿١﴾

إنما لتبليغ رسالة لكل العالمين بأن زمن المعجزات و الخوارق قد ولى و لن يكون للعالم من مخرج لا بتحصيله للعلم و التفافه حول العلماء الذين بوأهم الله تعالى أرقى المراتب و جعلهم أكثر الناس خوفا منه لأنهم أعلم الناس بشأن الخالق و أكثرهم تقديرا لهم .

فإن وقعت الأمة في مأزق فهم مخرجها منه . و العلماء في الأمة مرآة عاكسة لحالها و شأنها فيعلو هذا الشأن بقيام أهل العلم على مسؤولياتهم كما يتردى حال الأمة بانقياد علمائها لأهواء الناس .

2)    إحياء مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

هو عمل محوري في بناء الأمم و الحفاظ على توازنها الفكري و الحضاري و السلوكي فلم يعرف قط أن أمما صنعت لنفسها حضارة دون أن تكرس هذا المبدأ كونها تدرك أن مثل هذا العمل هو مركز لكل قواها و دافع لاستمراريتها و مؤثر في شخصية أفرادها .

فالأمة الإسلامية ميزت – في الأساس – بهذا المبدأ فكان الله تعالى قد ألقى على عاتقها بهذه المسؤولية من دون الأمم الأخرى حتى تتحقق لها القيادة و الريادة , لذلك وجب ممارسته على النحو الصحيح الذي يضمن مسارا حضاريا للأمة بأسرها .

و حتى يحاط هذا المبدأ بالعناية الكافية فيجد النتائج الشافية , وجب أن تتقاسم الأدوار فيه ثلاث جهات : أولوا الأمر , علماء الأمة , عامه الناس .

دور أولي الأمر : يقول تعالى : (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) – الحج –  (41)

من مكنهم الله في الأرض هم أولوا الأمر الذين وضعت في أيديهم زمام الأمور و كلفوا بالقيام في شؤون الناس بل إن بعض العلماء جعلوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر شرطا للتمكين في الأرض أو على الأقل أن يكون توظيف هذا المبدأ بإشراف أولي الأمر .

فالحاكم الذي يمثل القوة و بيده جل السلطة في تسيير شؤون الناس بجلب المصلحة و درء المفسدة عنهم .

فأفراد المجتمع في الغالب يتجهون لوجهة القائد الذي يرون فيه الصلاح و قوة الشخصية المؤثرة على سلوكياتهم , و مدى حرصه على مصالحهم , عندها إذا أمرهم بمعروف أو نهاهم عن المنكر وجد فيهم القبول و الانقياد .

فالحق في كثير من الأحيان يحتاج إلى ما يدعمه و يمكن له بكل ما هو مادي كالمال أو القوة التي تحفظه و تضمن استمراره و الحاكم ممسك بهذه المفاتيح التي تعينه على ذلك .

 فالحكومة الجادة تقوم بوضع برامج تربوية تعرف من خلالها على منافع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما تفرض عقوبات تردع العصاة بالشكل الذي تراه مناسبا و هذا بعد مرحلة التوجيه و النصح , إذ لا يجوز ترك الناس على غفلتهم و يترقب وقوعهم في المحظور فإن وقعوا سلطت عليهم العقوبة و كأن الغاية من وضعها هي تطبيقها و كفى ….

دور العلماء  : سبق و أن عرضنا دور العلماء في تصحيح مسار الأمة كونهم عقلها المدبر و قلبها النابض فهم ورثة الأنبياء في العلم لذلك تعين عليهم بيان مفهوم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر للناس و كيفية ممارسته إن وقع يقينا بالوسائل المشروعة و الطرق التي بينها النبي صلى الله عليه و سلم .

فالناس قد لا يعرفون هذه الوسائل أو قد تؤخذ بالطرق التي تزيد المنكر منكرا و الوضع سوءا أو قد يؤتى بها في غير زمانها المناسب فهنا يأتي دور العلماء في توضيح كل هذه الملابسات بأساليب بسيطة مرغبة تجعل الناس يقبلون على هذا المبدأ . فلا خير في تغيير منكر بمنكر أسوأ منه فالضرر لا يزال بضرر كما لا جدوى من إزالة هذا المنكر بطرق سليمة و لكن في غير وقته المناسب فتضيع الجهود و يضيع معها الأجر المنشود .

دور عامة الناس : قال تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) – آل عمران (104)

فمن رأى منكرا و خشي إن غيره حصول ضرر على نفسه كمن خاف من ضرب أو حبس أو تهديد فهو في حكم العاجز تعين عليه تغييره بالقلب كما بين ذلك النبي صلى الله عليه و سلم في طرق تغيير المنكر .

فمنظومة التحول من الشر إلى الخير يبدأ نسجها داخل أفراد المجتمع قبل أن ترتقي إلى أعلى المستويات .

فالعلماء و المثقفون و أصحاب الأموال كل هؤلاء نسيج يمتن بناء المجتمع إذا ساهم كل طرف في الحفاظ على هذا البناء من كل ما قد يحدث فيه من تصدعات .

و هذه هي القوة الاجتماعية التي عبر عنها النبي صلى الله عليه و سلم بالجسد الواحد إن أصيب بعضه استجاب له كله .

3)   تصدير العقيدة الصحيحة بأساليب حديثة

و هذا بانتهاج الأسلوب البعيد عن كل صور العنف الذي بات يقرن بالإسلام بسبب سوء في تبليغ أهله الذين أضروا به أكثر مما أضر به أعداؤه , فراحوا يضربون أعداءه الضرب التقليدي الذي ينقص من شأنهم و لا يزيدوا من شأن دينهم شيئا , بيد أن غيرهم ينخرون عظامهم حتى تصاب بالهشاشة فتنهار كما تفعل الأرض بالبناء فتجعله ركاما .

فالعنف لا يولد إلا مثله و الرفق لا يأتي إلا بخير , لذلك أثنى الله تعالى على نبيه الكريم في قوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) – آل عمران الآية 159 –

فقدوتنا محمد صلى الله عليه و سلم كان أرفق الناس بالناس و بدواب الأرض و ما كان ليكون سيد أسياد الأرض لو كان على خلاف ذلك

4)   ترك اليأس و ترقب خير الأمة

( نحن أمة تمرض و لكن أبدا لا تموت ) هكذا قال الإمام الغزالي رحمه الله فأمتنا مهما أحيطت بالضلال فلا تجتمع عليه و لا تقره .

فكل مسلم تبنى فكرة إصلاح الأفراد و المجتمعات ينبغي أن يتعلق فكره بهذه الحقيقة حتى يتمكن من بلوغ النتائج .

و الأمر لا يتوقف على أمتنا إنما أصل ما جاء في الديانات السماوية و جوهر ما أرسل به الأنبياء .

فكل نبي لقي الإعراض من قومه ما لقي , و نعت بما لا يليق من صفات و مع ذلك لم يثنهم عن المضي قدما و لم يقصروا في تحويل مسار أممهم و أقوامهم من الضلال إلى الحق على طول فترة النبوءة , فمثابرتهم على الحق سبب في جلب نصر الله لهم و لو خذلتهم أقوامهم .

هذا قصص لم يأت إلينا لنستمتع بأخبار الأولين و نعرف أحوالهم فحسب و إنما لنتعلم أن إدراك الغايات يستوجب التعلق بالله و حسن الظن به ثم الاجتهاد بإخلاص لتكون الثمرة على قدر هذا الاجتهاد .

لقد حرم الله تعالى على أمته اليأس و محادثة النفس به فهو صورة من صور الكفر: (   إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) – يوسف الآية 87 –

قمة الدعوة إلى الاطمئنان في جنب الله تعالى و استشعار رقابته و ترقب فرجه و توفيقه . فكيف إذا ما كان في هذا التغيير إصلاح قرنه الله تعالى بالإيمان في كثير من مواضع القرآن الكريم . نريد القول :

أن خير أمتنا كالسيل لا ينضب و لا يتوقف عن تنظيف كل ما يشوب طريقه أو كالغيث أينما وقع نفع بإذن الله , فهذا حق و إن قيل عنه خلاف ذلك .

فإن استنهضت الأمة هممها و أحدثت تغييرا بداخلها , قويت بنيتها و حق لها أن تحدث تغييرا في من حولها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page