حصريا

جدل قابلية التخلف بين دور الأسرة ودور المجتمع – د.أحمد رحماني – الجزائر-

0 591

جدل قابلية التخلف بين دور الأسرة ودور المجتمع

التخلف ظاهرة اجتماعية حضارية ذات وجهين؛ وجه مادي، ووجه أخلاقي، وهو نتيجة لتخلي كل من الأسرة والمجتمع عن دورهما في تطوير الاستعدادات الطبيعية التي وهبها الإنسان حتى تتمكن من تجاوز العقبات المانعة من التطور، فتصاب بمرض (قابلية التخلف)، وهذه العقبات لها أسباب قوية بعضها ناجم عن عوامل ثقافية موروثة، وبعضها تحرص بعض الدول المتقدمة على غرسه في طريق الأمم المتخلفة لتمنعها من تحصيل أسباب الانبعاث الحضاري، والسؤال المطروح هنا هو: من المتسبب الرئيسي في قابلية التخلف؟ أهو المجتمع؟ أم الأسرة؟ أهو مرض ذاتي أم هو موروث؟ أم هو ناجم عن قهر الآخر؟ وما هي الأساليب التربوية المعتمدة حتى تحقق قابلية التخلف؟

أولا دور المجتمع: لا يطرح دور المجتمع إلا وتحضر معه ترسانة من اللواحق، هي في الواقع الأدوات التي يمارس بها دوره في توجيه المجتمع، وتتضح أهميته لكون المنظومة التربوية الكبرى متعلقة به، ووسائل التربية المقصودة كالمدرسة، والمساجد، وغير المقصودة كالقنوات التلفزيونية والمطابع ودور النشر وغيرها كلها في يد المجتمع بالمفهوم الحضاري لا السياسي، أقول ذلك من موقع التجربة الجزائرية في مرحلة الإقلاع لمبارحة (قابلية التخلف) بتمهيدها لمبارحة (قابلية الاحتلال)،فالمجتمع المنظم حريص على وظيفة كل الوسائل المتاحة فيعمل على المراقبة المستدامة لها، بحيث ينتقد أي خروج عن المهيع الذي يشكل شخصية المجتمع في أصولها الكبرى كالدين واللغة والثروة فهذه أصول يعتمد عليها في الحفاظ على المجتمع لكي يتطور في الطريق الصحيح، فلا يضيع هذه الأصول الثلاثة، لأنه:

1ـ إن نسي الدين ضيع المقوم الأصيل الأول الذي بضياعه تنهار في النفوس القيم التي يقويها بالضرورة، وهي كثيرة ومهمة، منها الصدق، والإخلاص، والإحسان بمعنييه؛ (الجودة والإتقان من جهة، والتعاطف الاجتماعي بين الأفراد من جهة أخرى) وغيرها. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ، فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ” ، وقال:

” إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا (1) ”

2ـ وإذا ضيع اللغة ضاع المقوم الأصيل الذي يضمن تواصل الأفراد بأسلوب صحيح، تاريخيا وواقعيا. ولذلك عندما تفقد الأمة لغتها تفقد العلاقة بالموروث الثقافي فيسارع إليها الجهل بعناصر الثقافة التي كانت السبب في تطوره، وهي عناصر يصعب زرعها من جديد فيحتاج المجتمع إلى مجددين يعطونها قوة النفاذ ولعل هذا ما كان الشاعر حافظ إبراهيم يعنيه حين قال على لسان اللغة العربية:

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني؟ ومنكم وإن عز الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإننـــــــي* أخاف عليكم أن تحين وفاتي

فاللغة ليست وسيلة اتصال واقعي وحسب، وإنما هي الحامل الأساسي للمقومات الحضارية التي بواسطتها قامت الحضارة العربية الإسلامية. وبواسطتها تجاوز المجتمع العربي القديم (قابلية التخلف)، ولذلك يحرص الاحتلال في أي بلاد أول ما يبلغ الجبروت على طمس اللغة وطرح لغته بديلا، لأنه يضمن بذلك تحقيق مرض (قابلية التخلف) بعد تحقيق (قابلية الاحتلال).

3ـ وإذا ضيع الثروة وهي هنا تشمل الأرض وما تحتويه من خيرات ـ عبر عنها مالك بن نبي ب(التراب) ـ قد تضيع بسبب التهاون في حماية الأرض من الاحتلال وهو أكبر عامل يحقق التخلف ذاته، إذ يسيطر المحتل على مصادر العطاء كلها ويستخدمها لمصلحته كلها بما في ذلك الدين واللغة والجهد البشري، إذ قد يتخذ الناس خدما مذللين يعملون من أجل لقمة العيش راضين بها دون التفكير في ما به يضيع إنسانيته، حتى ليتجاوز التعليل إلى أن يأسرهم فيسجنهم، فتتعطل كل استعداداتهم الطبيعية ويصبحون عالة على المجتمع، ولعل قول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم الخليل { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} يربط بين هذه المقومات الثلاثة. إذ بالحفاظ على (الثروة الوطنية) نحافظ على الدين واللغة، ومقومات إنسانية الإنسان، فلا أحد يقوض إنسانية الإنسان كالاحتلال، حين يغرس في المجتمع (قابلية التخلف) فبالحفاظ على الوطن (الثروة) نتجنب كل أنواع الانحرافات الثقافية التي تجر إلى السقوط الحضاري والدخول في (كهف التخلف). يقول ابن خلدون: ” واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع باللذات، ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من توابعه، كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين والذب عنه، وأوجب بإزائها الثواب وهي كلها من توابع الملك” . فالظلم والقهر والانهماك في اللذات بسبب طمس معالم التربية الروحية إن هي إلا أمراض حضارية أسرية لا ينجي منها إلا حفظ مقومات المجتمع التي عبر عنها المصلح الجزائري العظيم بقوله: (الجزائر وطننا والعربية لغتنا، والإسلام ديننا)

ثانيا: دور الأسرة: لاشك أن الأسرة خلية صغرى في المجتمع، قد ينسحب عليها ما ينسحب على المجتمع، ولكن ذلك لا يعني أن السلطة الاجتماعية هي التي تحدد بوصلة الأسرة، إذ للأسرة كيانها القوي يحميه السكن ومعطياته، والأم وثقافتها، والأب وقدراته، فهي ، أي الأسرة، تستطيع أن تتحدى قوة المجتمع بما في ذلك معطياته الثقافية ووسائلها التربوية المباشرة وغير المباشرة، فالأسرة مدرسة قوية بقوة عناصرها (السكن والدين واللغة) وهي عندئذ المنظمة الحريصة على العوامل الاجتماعية نفسها بصورة مصغرة، وقد تكون بقربها من الطفل أكثر قوة من دور المجتمع. وأريد التأكيد هنا على أن غرس (قابلية التخلف) عن طريق الأسرة أكثر تدميرا للمجتمع والأسرة معا من غرسه عن طريق (الاحتلال)

1ـ فهي حريصة على المقوم الديني للأسرة، وهذا قد يكون منسجما مع المجتمع كما هو الحال في الأسر التي تعيش في المجتمع ولا تبرحه، ففي هذه الحال قد لا تجد صعوبة كبرى في الحفاظ على المقوم الديني الأصيل لأفراد الأسرة، ولكن قد لا يكون منسجما مع المجتمع، وفي هذه الحال على الأسرة أن تجتهد أكثر وتضاعف دور الحرص على المقوم الديني الذي قد يتسلل له بعض الأحوال المرضية التي تعود إلى الدين أو الأديان المعتنقة في ذلك المجتمع، وهذا ما يلاحظ في الأسر المهاجرة؛ حيث تختلط الأديان وما يلحقها من ثقافات تخلق سلوكا قد يكون مناهضا للسلوك الديني لأصول الأسرة، يعلل ابن خلدون للعلاقة بين الدين والتخلف فيقول: ” وذلك أن الخَلْق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول: {أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً}، فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم. {صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} . فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة، حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع” .

2ـ والأسرة حريصة على المقوم الأصيل الثاني وهو (اللغة) وذلك لضمان انسجام التواصل مع أفراد الأسرة وعناصر المجتمع ومكوناته التي تشكل شبكة من العلاقات معقدة جدا، علاقات تفرضها الضرورة المعرفية، والثقافية والضرورة الاقتصادية، والضرورة الحاجية.

3ـ وهي حريصة على (السكن) الذي هو المأوى الذي نستوعب دوره أكثر كلما فقدناه، ولعل قصة سيدنا موسى عليه السلام حين اضطر إلى الهروب خارج الوطن ووجد نفسه في الخلاء لم يملك إلا أن يعود إلى الدعاء لعل الله يفرج عليه في الأمر المخيف فقال:{ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} (، ويختصر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فيقول فيما روي في صحيح ابن حبان – من أن “أُمّ حُمَيْدٍ، امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكَ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي»، أفتظن أن هذا التدرج في الاختيارات السكنية حتى وصلت خمس خيارات على التوالي من باب التكثير؟ كلا إنما هو من باب التأكيد على المستوى الأليق بالنسبة لبقية المستويات الخمسة (بيتك ثم حجرتك، ثم دارك، ثم قومك، ثم الأقرب فالأقرب)

رأينا لحد الآن دور المجتمع والأسرة في تحقيق أسباب الإقلاع الحضاري أو مبارحة (قابلية التخلف) الأسري أو المجتمعي. والآن نتساءل عن العوامل التي ينبغي مراعاتها لتجاوز قابلية التخلف صناعيا، وثقافيا وغيرها.

ثالثا: العوامل الفاعلة في (قابلية التخلف) الحضاري والثقافي:

سواء أكان أمر التخلف متعلقا بدور الأسرة أو دور المجتمع فإنه يكون راجعا لعوامل متعددة منها: (الإهمال، القهر، الجهل، الموروث الثقافي السلبي، الترف)

1ـ الإهمال: نلاحظ أن بعض المجتمعات أو الأسر بدون تحديد يسود أسلوبها الإهمال حتى يصير طبعا في المجتمع، فتلد المرأة وترمي به إلى الأسرة، وهذه ترمي به إلى المجتمع وهذا يتركه شأنه وشأن الناقة السائبة، والسَّائِبَةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّبُ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وتترك حتى تضيع، لذا جاء في الأثر بصحيح البخاري «إِنَّ أَهْلَ الإِسْلاَمِ لاَ يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ» قال تعالى : “{ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)} [المائدة: 103]، فالذين يهملون أفراد مجتمعهم، أو ممتلكاتهم أو أسرهم هم قوم لا يعقلون، ولا يملكون أحد أهم أسباب التقدم وهو العناية بالفرد بدل الإهمال له، إذ يترتب على ذلك الإهمال نتائج خطيرة جدا تتعلق بطبيعة الثقافة التي سيأخذها من مجتمع يعيش على الفوضى نتيجة الإهمال، فيتعلم منه كل ما يضره عقليا وعقديا وصحيا. يشرح ابن خلدون الآثار المترتبة بشأن الإهمال الاجتماعي والأسري بترك التربية والاختلاط الناشئ مع الهرج والمرج وما يلحقه من عدوى السلوك السلبي الذي يتسبب في التدهور والتخلف، فيقول: ” ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة. ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب، وأهملته الدولة من عدادها، وغلب عليه خلق الجوار والصحابة، وإن كانوا أصحابه أهل أنساب وبيوتات. وذلك أن الناس بشر متماثلون، وإنما تفاضلوا وتمايزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل. فمن استحكمت فيه صبغة الرذيلة بأي وجه كان، وفسد خلق الخير فيه، لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته. ولهذا تجد كثيراً من أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدول، منطرحين في الغمار، منتحلين للحرف الدنية في معاشهم بما فسد من أخلاقهم، وما تلونوا به من صبغة الشر والسفسفة. وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله بخرابها وانقراضها، وهو معنى قوله تعالى: ” وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميراً ” .

2ـ القهر: وهو سلوك سيئ يؤسس لقابلية التخلف في بناء الأسرة و المجتمع على حد سواء، ولذا نهى الله عنه فقال: {فأما اليتيم فلا تقهر} يقول مؤسس علم الاجتماع: ” إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، وذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة”

والسبب في ذلك هو الأثر التربوي القوي الذي ينجم عن القهر التربوي في المدارس أو الأسرة أو وسائل القهر المعلومة، إذ ينجم عن ذلك ضيق النفس، واحتقار الذات، والميل إلى الكسل وتبرير أفعاله كالغش، والسرقة وامتهان الفواحش بالكذب، وافتقاد الصفات الإنسانية، واستبدالها بالحيوانية فيقول: “ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله”

والأسوأ من ذلك أن يصبح المجتمع المصاب بمرض (قابلية التخلف) راضيا بتفوق غيره رضاه بالقدر السنني فيصبح عالة على غيره كفرد في الأسرة، وعالة على غيره كمجتمع في البشرية، وهو ما صارت إليه عندنا الصناعات كلها عظيمها كالطائرة، وحقيرها كالمكنسة.قال ابن خلون: ” وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف”

وابن خلدون يضرب لذلك مثلا ويدعوا القراء إلى العبرة فيقول: “واعتبر ذلك في أمة كانت قوية حتى ملأت العالم كثرة، ولما تحصلوا قبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلاً، واندثروا كأن لم يكونوا. وذلك بسبب القهر الذي يورث المذلة، التي هي استعداد في الإنسان “وإنما هي طبيعة في الإنسان إذا غُلب على أمره، وصار آلة لغيره” .

3ـ الجهل، ومجال الجهل المؤدي إلى (قابلية التخلف) واسع، فمنه الجهل بالدين، والصناعات، والحرف، وأساليب التربية المقصودة وغير المقصودة، و الجهل بالأدلة المعبرة عن المعتقدات والمسائل العملية والنظرية كلها فيخوض كل إنسان بما يمليه عليه هواه، فإذا أضفت إليه الجهل بالصناعات العظمى ومحاولة التقليد الأعمى، والافتخار بذلك، ثم الجهل بطبائع الأحوال في العمران، والجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، والجهل بأحوال البشر، اجتماعيا وصحيا وثقافيا، والجهل باستغلال الطبيعة التي سخرها الله له من بحار وسماء وكواكب وزراعة، وباختصار فإن الجهل يجعل الإنسان لا يستعمل أدواته المسخرة لذلك كما في قول الله تعالى : ” {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف: 179] وقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج: 46] ، فالأسرة أو المجتمع إذا عطل الاستعدادات الأساسية للتعلم سيكون لامحالة قد هيأ نفسه لمرض (قابلية التخلف).

إن ما هو أسوأ من ذلك أن الجهل قد يؤدي إلى تعلم الحيل الهدامة فتجعلهم كما يبين ذلك ابن خلدون يتعلمون التدليس فيموهون على المستهلكين ، بأنهم أصحاب حرف في الصناعات والحرف المختلفة التي تصل حتى للصناعات ذات القيمة كالذهب، ويستغلون النفوس المولعة بحبهما والاستهلاك في طلبهما، لاسيما من تغلبه النفس كما يبدو في العصر شأن النساء مع ما يصرفون فيه أموالهم بغير فائدة في حين يكون ذلك الاستغلالي الجاهل يحقق معاشه. تحت الخوف والرقابة، إلى أن يظهر العجز وتقع الفضيحة، فيغير الموقع أو الاسم التجاري، ويستجدون أسلوبا آخر في استهواء بعض أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم. ولا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم. وهذا الصنف لا كلام معهم، لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة

4ـ الموروث الثقافي السلبي، وهو المعبر عنه في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170] وقوله:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104]، فهم مصرون على الموروث السلبي حتى لو كان الموروث حاملا للقيم السلبية التي تعطل حتى الرغبة في الخروج من (قابلية التخلف)

5ـ ـ سوء استخدام المال، (الترف) وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ({وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)} [الإسراء: 16]، ومشكلته في الواقع سواء بالنسبة للمجتمع أو الأسرة واحد فهو سبب قوي من أسباب (قابلية التخلف) ويظهر في الغالب في الجيل الوارث قال ابن خلدون: “وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تفنقوه (وتأنقوه) من النعيم وغضارة العيش، فيصيرون عيالاً على الدولة”

وخلاصة القول: إن (قابلية التخلف) مرض حضاري قديم متجدد يأتي أحيانا قبل (قابلية الاحتلال) وأخرى بعده، بسبب تعايش عناصر ثقافية سلبية في الغالب تسيطر على ذهنية الأفراد في البنية الأسرية أو البنية الاجتماعية، وإن عدم مقاومة أسبابها بالتربية في البنْيتيْن على حد سواء يجذر ذلك المرض فيصعب التخلص منه، وليس من شك في أن التخلص منه ممكن؛ لكنه متوقف على التخلص من العوامل السابقة، وهذا ما صنعته الكتب السماوية في الأجيال السابقة كلها، فخرجت من التخلف بالقضاء على قابليته، ثم رجعت إلى الهاوية بتوفير أسباب قابليته، ولن تخرج منه إلا بتقويض أركان (قابلية التخلف)، والله أعلى وأعلم.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page