حصريا

التماسك الأسري وآليات التكيف في مدينة غزة خلال فترات الحرب – .د.بشيربن لحبيب – الجزائر-

0 330

التماسك الأسري وآليات التكيف في مدينة غزة خلال فترات الحرب

أ.د بشيربن لحبيب

أستاذ التعلم العالي جامعة الأغواط

تمهيد:

تعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى والأكثر تأثيرا في حياة الفرد والمجتمع، فهي البيئة التي ينشأ فيها الإنسان،

ويتلقى من خلالها قيمه الأولى، ويتعلم أسس التفاعل الاجتماعي. كما أن قوة الأسرة أو ضعفها ينعكس مباشرة على استقرار

المجتمع ككل، وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات متكررة، سواء كانت حروبا أو أزمات اقتصادية أو كوارث طبيعية، تتجلى أهمية التماسك الأسري بوصفه عاملا رئيسا  في تعزيز قدرة الأسر على مواجهة الضغوط والصمود أمام التحديات.

إن دراسة التماسك الأسري وآليات التكيف مع الأزمات تكتسب أهميتها من كونها تسلط الضوء على قدرة الأسرة الغزاوية على الصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية، وعلى دورها الحيوي في حماية الأفراد من الانهيار النفسي والاجتماعي، وهو ما يجعلها صمام الأمان الأساسي لاستقرار المجتمعات وتماسكها، فالحرب بما تحمله من صدمات

وتهديدات وجودية، تجعل من الأسرة في غزة ميدانا رئيسا لمواجهة التحديات والبحث عن آليات البقاء والتكيف.

-1 تعريف وخصائص الأسرة الغزاوية

-1-1 تعرف الأسرة الغزاوية بأنها الوحدة الاجتماعية الأساسية في قطاع غزة، وتتميز بخصائص فريدة تشكلت عبر عقود من التحديات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. لا تقتصر الأسرة في غزة على مفهومها النووي )الوالدين والأبناء(، بل هي غالبا أسرة ممتدة تشمل الأجداد، والأعمام، والعمات، والأقارب المقربين، مما يجعلها شبكة تكافلية قوية.

2-1 – خصائص الأسرة الغزاوية:

  الترابط الممتد والعميق، حيث غالبا ما يعيش أفراد العائلة الواحدة في منازل متجاورة أو في نفس الحي، مما يعزز من التواصل اليومي والدعم المباشر، وبالتالي فإن هذا الامتداد يوفر شبكة أمان اجتماعي واقتصادي في أوقات الأزمات، حيث يتكافل الجميع لتلبية احتياجات الأفراد الأقل حظا.

 

  الصلات القوية، حيث تعد صلة الرحم من القيم المقدسة في المجتمع الغزي، وتعزز من التآزر بين أفراد العائلة، مما يجعلها مؤهلة لحل المشاكل الداخلية ضمن إطار العائلة الممتدة، وهو يقلل من الضغط على الأسر النووية.

  يعد الدين الإسلامي ركيزة أساسية في حياة الأسرة الغزاوية، حيث تشكل القيم الدينية مثل الصبر، والتوكل على الله، والإيمان بالقضاء والقدر، مصدرا للقوة الداخلية في مواجهة الشدائد، كون هذه القيم تترجم إلى سلوكيات عملية مثل التكافل والإحسان.

  التكافل والمشاركة، و تتجلى هذه القيمة في المشاركة المادية والمعنوية. في أوقات الحرب، حيث يشارك الجيران والأقارب الطعام والشراب، ويوفرون المأوى لمن فقدوا بيوتهم انطلاقا من الدعم النفسي والاجتماعي.

  القدرة على التكيف مع الأزمات، وذلك نتيجة الخبرات المتراكمة من الحروب والحصار، حيث طورت الأسرة الغزاوية قدرة عالية على التكيف مع الظروف الطارئة، من خلال إعادة ترتيب الأولويات، وتغيير الأدوار داخل الأسرة، وابتكار حلول للمشاكل اليومية.

  توزيع الأدوار، حيث تظهر الأسر مرونة كبيرة في توزيع الأدوار، فغالبا ما تتحمل المرأة مسؤوليات إضافية في غياب الرجل، ويشارك الشباب والأطفال في تحمل جزء من المسؤوليات المنزلية أو المادية.

-2 مفهوم التماسك الأسري في الثقافة الغزاوية:

التماسك الأسري في المجتمع الغزاوي، هو حالة من الترابط القائم على المودة والتكافل والتعاون بين أفراد الأسرة، بما يحفظ استقرارها ويعزز قدرتها على أداء وظائفها، حيث يعرف بأنه عملية اجتماعية ديناميكية تؤدي إلى تدعيم البناء الداخلي للأسرة، وترسيخ الروابط التي تجمع أفرادها، بما ينعكس على المجتمع ككل، فهو ليس مجرد تواجد الأفراد تحت سقف واحد، بل هو نظام متكامل من الدعم المتبادل، ولعلى من أبرز مظاهره: التوافق الزوجي الذي يعد حجر الزاوية، والتآزر بين الأفراد، والإحسان المتبادل، والشعور بالمسؤولية المشتركة، حيث يتخذ التماسك الأسري في غزة أبعادا أعمق، حيث يتحول من مجرد واجب اجتماعي إلى ضرورة وجودية للبقاء.

-3 أبعاد التماسك الأسري في قطاع غزة

يتحقق التماسك الأسري من خلال مجموعة من الأبعاد المتكاملة، التي تتفاعل مع بعضها البعض لتعزيز قوة الأسرة، خاصة في ظل الحروب المتكررة، حيث تكتسب هذه الأبعاد أهمية خاصة:

 

  البعد الديني :يمثل الدين ركيزة أساسية للاستقرار الأسري في غزة، حيث يمثل الإيمان ملاذا آمنا للأفراد، و يعزز قيم الصبر والاحتساب واليقين بأن هناك نهاية لكل محنة، هذه القيم تترجم إلى سلوكيات يومية مثل التكافل، والمواساة، والمعاشرة بالمعروف، والالتزام بالضوابط الشرعية، مما يوفر حماية نفسية للأسرة من الانحراف والتفكك.

  البعد الاجتماعي :يقوم على تحديد الحقوق والواجبات لكل فرد داخل الأسرة الغزاوية، واعتماد الشورى في اتخاذ القرارات، ومع ضغوط الحرب تصبح الأدوار أكثر مرونة وتكيفا، حيث يتم بناء علاقات قائمة على التقدير المتبادل

بين الزوجين، حيث يتخذان القرارات معا لمواجهة التحديات، وبالتالي فإن هذا التضامن يعزز الترابط ويقلل من حدة الخلافات التي قد تسببها الظروف القاسية.

  البعد الاقتصادي :يعد الاستقرار الاقتصادي من مقومات التماسك في غزة، ومع الحصار المستمر والدمار الذي يطال مصادر الرزق يتحول هذا البعد إلى تحد كبير، فالأسرة هنا تسعى لابتكار حلول بديلة، مثل الاعتماد على شبكات الدعم الاجتماعي، والمساعدات الإنسانية، والأعمال الصغيرة التي يمكن أن يقوم بها أفرادها، لأن الحرمان يؤدي إلى زيادة الضغوط والصراعات الأسرية، ولكن في غزة غالبا ما يواجه هذا الحرمان بتضامن أكبر.

  البعد النفسي :يرتبط بالنضج الانفعالي والتوافق بين الزوجين، فالحروب تولد صدمات نفسية عميقة، ولكن في غزة

تتعلم الأسر كيف تتعامل مع هذه الصدمات بموضوعية، والحد من التوترات الناجمة عن الضغوط الخارجية، فالدعم النفسي المتبادل بين أفراد الأسرة يصبح آلية دفاعية حيوية، حيث يتقاسمون الخوف والقلق والأمل.

  البعد الثقافي :تسهم الثقافة في تعزيز الإحساس بالمسؤولية وضبط السلوكيات في غزة، حيث تلعب الثقافة

الفلسطينية المتجذرة في قيم الصمود والمقاومة والتضامن دورا محوريا، فارتفاع مستوى التعليم والمعرفة لدى الزوجين ينعكس إيجابا على أنماط التفاعل الأسري، ويجعلهم أكثر قدرة على فهم الأوضاع واتخاذ قرارات عقلانية.

  البعد الصحي :الصحة الجسدية والنفسية للأبوين تؤثر بشكل مباشر في استقرار الأسرة، فالمرض أو العجز المفاجئ الناتج عن الإصابات في الحرب يؤدي إلى اضطراب الأدوار وزيادة الضغوط، وهنا يظهر التكافل الأسري في أبهى صوره، حيث يتحمل الأفراد أدوارا جديدة، ويقدمون الدعم والرعاية للمرضى، مما يمنع ضعف التماسك.

-4 الأسرة الغزية في ظل الحرب:

تعد الأسر في مدينة غزة نموذجا فريدا للصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية التي تفرضها الحروب المتكررة والحصار المستمر، ولعلى هذا الصمود ليس وليد اللحظة بل هو نتاج منظومة قيمية واجتماعية متجذرة، حيث تعد بمثابة

رافعة معنوية تمكن الأفراد من تجاوز الصدمات، أما في ظل الفقد، وتدمير المنازل، والضغوط المعيشية الهائلة تظهر

الأسرة الغزية قدرة فائقة على الحفاظ على كيانها وتماسكها. يعزى هذا الصمود إلى عدة عوامل متداخلة:

.1  المنظومة الدينية والأخلاقية : حيث يمثل الإيمان ركيزة أساسية، فالصبر والاحتساب والإيمان بالقضاء والقدر، يوفر للأفراد ملاذا نفسيا يعينهم على تحمل المحن، لأن البعد الروحي يتحول إلى سلوكيات عملية مثل التكافل والإحسان، حيث يشارك الأفراد ما يملكون، ويقدمون الدعم لبعضهم البعض حتى في أشد الظروف.

.2  التكافل الاجتماعي وشبكات القرابة :المجتمع الغزاوي يتميز بوجود شبكات اجتماعية وقرابة قوية، حيث تشكل شبكة

أمان حقيقية، أما في أوقات الأزمات تصبح الأسرة الممتدة والعشيرة والحي مصدرا للدعم المادي والنفسي، حيث يقدمون المأوى لمن فقدوا منازلهم، ويشاركون الطعام، ويواسون من فقدوا ذويهم، وبالتالي فإن هذا التكافل يحد من الانهيار الأسري، و يعزز الشعور بالانتماء والأمان في ظل انعدام الأمان الخارجي.

.3 الذاكرة الجماعية للصراع : إن الأسر في غزة ليست غريبة عن الصراع، فالأجيال المتعاقبة مرت بحروب وحصارات سابقة، مما أورثهم خبرة تراكمية في التعامل مع الأزمات، هذه الذاكرة الجماعية تمنح الأفراد شعورا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه الظروف، وأنهم جزء من تاريخ طويل من الصمود والمقاومة.

-5 آليات التكيف الأسري خلال الحرب: مرونة في مواجهة القسوة

تتبع الأسر في غزة مجموعة من الاستراتيجيات الديناميكية للتكيف مع واقع الحرب، حيث تظهر مرونة استثنائية في مواجهة القسوة، وتحول التحديات إلى فرص للتلاحم والتعاون، ولعلى من أبرز هذه الآليات:

.1  الدعم النفسي المتبادل كآلية للبقاء: في ظل غياب الدعم النفسي المتخصص، يقوم أفراد الأسرة بدور المعالجين لبعضهم البعض، حيث يتم ذلك من خلال مشاركة المشاعر بحرية، والحديث عن المخاوف والآلام، وتوفير العون المعنوي، وهنا تصبح الطقوس اليومية البسيطة وظيفة جوهرية توفر مساحة آمنة للتعبير والتفريغ النفس ي، مما يخفف من التوتر ويعزز من الترابط.

.2  التكافل وتقاسم الأدوار بشكل ديناميكي : مما لا شك فيه أن الحرب تعيد توزيع المسؤوليات بشكل جذري، فإذا ما

فقد الأب مصدر دخله، قد تبادر الأم إلى إقامة مشروع صغير من المنزل، أو يساهم الأبناء في جلب الموارد المتاحة، حيث يصبح الجميع مسؤولا عن تأمين الاحتياجات الأساسية، وبالتالي فإن هذا التغيير في الأدوار يعزز من الإحساسبالمسؤولية المشتركة، ويمكن الأسرة من الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية.

.3  إعادة ترتيب الأولويات: من الرفاهية إلى الضرورة : حيث تجبر الأزمات الأسر على التركيز على ما هو ضروري للبقاء، من خلال تأجيل الكماليات والاحتفالات، وتصبح الأولوية القصوى لتأمين الغذاء، والمأوى، والأمان، وبالتالي فإن هذه العملية تعلم الأجيال الجديدة قيمة الأشياء الأساسية، وترسخ فيهم ثقافة التقشف والصمود.

.4  دور المرأة في غزة: تصبح المرأة في أوقات الحرب المرتكز الذي تعود إليه الأسرة، فهي ليست فقط مسؤولة عن رعاية الأبناء وتوفير الاستقرار النفس ي، بل غالبا ما تكون هي مصدر القوة والإلهام، حيث تحول البيوت المدمرة إلى مساحات آمنة، وتبدع في إيجاد طرق لتوفير الغذاء والمأوى، وتعيد للأطفال شعورهم بالأمان في ظل الخوف.

.5  دور الشباب والأطفال: يشارك الشباب في جهود الإغاثة، ويساعدون أسرهم في إعادة بناء حياتهم، بينما يتم توجيه الأطفال نحو أنشطة تساعدهم على تجاوز صدماتهم، مثل الرسم واللعب والموسيقى، حيث نجد هذه الأنشطة تمكنهم من التعبير عن مشاعرهم، وتحولهم من مجرد ضحايا إلى شركاء فاعلين في عملية الصمود والبناء.

.6  الاستفادة من الدعم الخارجي بفاعلية: تمثل المؤسسات المجتمعية والدولية شريكا هاما في تعزيز صمود الأسرة،

فبرامج الدعم النفس ي والاجتماعي، والمساعدات الإنسانية، توفر شبكة أمان إضافية تعزز قدرة الأسر على الصمود، حيث تتكامل هذه المساعدات مع جهود الأسر الذاتية، مما يمكنها من الاستمرار في مواجهة التحديات.

خاتمة :

إن التماسك الأسري يمثلصمام الأمان في المجتمع الغزاوي، فهو الحصن الأول في مواجهة التحديات التي تفرضها الحروب والحصار، و لقد أظهرت الأسر قدرة استثنائية على التكيف بفضل القيم الدينية والاجتماعية والثقافية المتجذرة، والتي مكنتها من الصمود والحفاظ على كيانها.

غير أن استمرار هذه القدرة يتطلب تعزيز الدعم المؤسسي والاهتمام بالبعد النفسي والاجتماعي والاقتصادي للأسرة، بما

يكفل استدامة تماسكها في مواجهة الظروف الاستثنائية، وعليه يمكن القول أن التماسك الأسري في غزة ليس مجرد

ظاهرة اجتماعية، بل هو فعل مقاومة وصمود، وحفاظ على الوجود الإنساني في وجه أقسى الظروف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page