نفقة الأبناء على الوالدين في الفقه الإسلامي: الأحكام، الواجبات، والآثار الاجتماعية – أ.د حفيظة بلميهوب -الجزائر-
بسم الله الرحمن الرحيم
نفقة الأبناء على الوالدين في الفقه الإسلامي: الأحكام، الواجبات، والآثار الاجتماعية
بقلم:أ.د حفيظة بلميهوب – الجزائر //
مقدمة: الحمد لله الذي أمر ببرّ الوالدين، وجعل الإحسان إليهما قرين عبادته، فقال:” وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا” [ الإسراء/ 23] وقوله تعالى:”أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير“[لقمان/14] والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الذي قال: ” رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ“([1]) وقال:“أنت ومالك لأبيك”([2])
أما بعد؛ فإنَّ الأسرة في الإسلام هي النواة الأساسية لبناء المجتمع، وقد أولى الشرع الحكيم عناية فائقة بتنظيم العلاقات بين أفرادها، تحقيقًا لمقاصد الرّحمة والتكافل وحفظ النفس والنسل. ومن أهمّ هذه الروابط: علاقة الأبناء بوالديهم، التي لا تقتصر على البرّ المعنوي، بل تشمل كذلك الواجبات المالية، وعلى رأسها النّفقة عند حاجة الوالدين.
وقد أثبتت النصوص الشرعية – من القرآن والسنة – أنّ نفقة الوالدين الفقيرين العاجزين عن الكسب واجبة على الأبناء القادرين، دون تمييز بين الذكر والأنثى، كما قرّره جمهور الفقهاء.
غير أنّ الواقع المعاصر يشهد تراجعًا في التزام الأبناء بهذا الواجب، نتيجة ضغوط الحياة، أو تغير في المنظومة القيمية أو ضعف الوازع الديني، مما أثّر على تماسك الأسر، وازدياد معاناة الوالدين في مراحل متقدمة من حياتهم.
واللّافت في هذا الواقع أيضا أنّ الوالدين أنفسهم، في أحيان كثيرة، يُعذِرون الذكور ويعاتبون البنات متأثّرين بثقافة مجتمعية مغلوطة، تُقدّم الذكر على الأنثى في كلّ شيء، حتّى في الواجبات التي أوجبها الله عليه. وهذه المفارقة تُعدّ ظلماً مضاعفاً: ظلم للوالدين بحرمانهم من حقّهم، وظلم للبنت التي تتحمّل العبء وحدها، دون أن تكون هي الأولى بهذا الواجب شرعاً. وهنا تبرز أهمية تسليط الضوء على هذا الموضوع، من خلال دراسة فقهية اجتماعية تبيّن الحكم الشرعي، والمسؤولية الأخلاقية، والآثار الواقعية المترتبة على الالتزام أو التقصير.
إشكالية البحث: ينطلق هذا البحث من التساؤل الرئيس:
ما حكم نفقة الأبناء على الوالدين في الفقه الإسلامي؟ وما مدى التزام الأبناء بهذا الواجب في المجتمع المعاصر؟ وما آثار هذا الالتزام أو التقصير على الأسرة والمجتمع؟
أهداف البحث: بيان الحكم الشرعي لنفقة الأبناء على الوالدين في ضوء القرآن والسنة وأقوال الفقهاء.
- تحليل الفروق بين الذكر والأنثى في تحمل هذه المسؤولية.
- دراسة أثر التزام الأبناء أو تقصيرهم في النفقة على ترابط الأسرة واستقرار المجتمع.
- تقديم حلول فقهية ومجتمعية لمعالجة التقصير في هذا الواجب.
أهمية البحث: تبرز أهمية هذا البحث في كونه يعالج قضية أسرية وإنسانية تمسّ شريحة واسعة من المجتمع، خصوصًا الوالدين من كبار السن، ويجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الواقعي، مما يجعله ذا أثر تطبيقي على السياسات الأسرية والتربوية والوعظية في المجتمعات الإسلامية.
منهج البحث: يعتمد البحث على المنهج الاستقرائي والتحليلي والمقارن، من خلال جمع النصوص الشرعية، وآراء العلماء، وربطها بالواقع الاجتماعي، مع ذكر بعض النماذج من التاريخ والواقع.
المبحث الأول: التأصيل الشرعي لنفقة الأبناء على الوالدين وحكمها
المطلب الأول: مفهوم النفقة
أولا: تعريف النفقة لغة واصطلاحا
1. تعريف النفقة لغة: النفقة: اسم من الانفاق (جمع) نفقات، ونفاق. والنفقة: ما أنفقت واستنفقت على العيال ونفسك([3]). أنفق القوم، أي نَفَقَتْ سوقُهُم. وقد أنفقت الدراهم، من النفقة. ورجل مِنفاق أي: كثير النفقة([4]).
(نَفَقَ) الْبَيْعُ يَنْفُقُ بِالضَّمِّ (نَفَاقًا) رَاجَ. وَ(النِّفَاقُ) بِالْكَسْرِ فِعْلُ (الْمُنَافِقِ) وَ(أَنْفَقَ) الرَّجُلُ افْتَقَرَ وَذَهَبَ مَالُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء/ 100] و(أَنْفَقَ) الدَّرَاهِمَ مِنَ النَّفَقَةِ([5]).
2. تعريف النفقة شرعا: قال ابن عرفة: “النَّفقة: ما به قوَامُ مُعْتَاد حَالَ الآدمي دُونَ سَرَفٍ، فتدخل الكسوة ضرورةً([6])، والنفقة ما ينفقه الإنسان على عياله. وما يفرض للزوجة على زوجها من مال للطعام والكساء، والسكنى([7]) والحضانة، ونحوها.
وفي المجلة (مادة 1054): النَّفَقَةُ: الدَّرَاهم، والزَّادُ، والذَّخِيرةُ التي تُصْرَفُ في الحَوائِجِ، والتَّعيُّش([8]). وهي كفاية من يَمُونُهُ خبزا وأدما وكسوة ومسكنا وتوابعها ([9]).
وهي ما يُصرف على الشخص من طعام وشراب وكسوة وسكن وكل ما يحتاجه بحسب العُرف ([10]).
المطلب الثاني: حكم النّفقة في الفقه الإسلامي
الأصْلُ في وُجُوبِ نَفَقةِ الوالدَيْن والموْلُودِين الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ والقياس([11])
أولا: أدلة من الكتاب والسنة
1. الأدلة من القرآن الكريم
- قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]
وجه الاستدلال: الإحسان إلى الوالدين يشمل النفقة عند حاجتهما. قال الرازي: “واعلم أنّ الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما وألاّ يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما ويسعى في تحصيل مطالِبِهِمَا والإنفاق عليهما بقَدْرِ القُدْرِةِ من البرِّ.” ([12])
قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
الصحبة بالمعروف تشمل رعاية الوالدين ماديًا عند حاجتهم.
- وقال تعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لي ولوالديْكَ إليَّ المصِير﴾ [لقمان: 14 ]
- 2. الأدلة من السنة النبوية :
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي اجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»([13])
وجه الاستدلال: يدلُّ الحديث على أنّ الولد مسؤول عن الإنفاق على والده عند الحاجة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ»([14])
الحديث يدلّ على أنّ الأب والأم لهما مكانة عظيمة، ويجب برهما والإنفاق عليهما.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أيضا عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»([15])
ثالثا: الإجماع:
وأجمع أهل العلم على أنّ نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد. واختلفوا في وجوب نفقة الجد في مال ولد الولد، ففي قول الشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي: تجب نفقته على ولد ولده، إذا كانا في حال من يجب لمثله النفقة. ولا يجب ذلك في قول مالك. وقال أحمد: يجبر الرجل على نفقة أبيه، وامرأته… ([16])
رابعا: القياس فكما تجب نفقة الولد العاجز على والده تجب نفقة الوالد العاجز على ولده. [17])
الفرع الثاني: نفقة الوالدين وشروط وجوبها على أبنائهم ومقدارها
أولا: وجوب نفقة الوالدين وتعيينهم
تجب نفقة الوالدين وإن علوا عند الجمهور لقوله تعالى:” ﴿وقضى رَبُّك ألَّا تَعبُدوا إلا إيّاه وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، ومن الإحسان النفقة عليهما عند الحاجة. وقوله تعالى “﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، ومن المعروف الإنفاق عليهما ولو كانا كافرين، فليس من المعروف ترك الإنفاق عليهما مع القدرة .
وتجب النفقة على ولد الولد عند الجمهور، وإن كان المالكية قصروا الوجوب على الابن دون ابن الابن.
وفي حالة تعدد الولد فإنّ النفقة تجب عليهم بالتساوي، وهذا في حالة اتحاد درجة قرابتهم،كابنين أو بنتين أو ابن وبنت، وجبت النفقة بالتساوي بينهم.
وإذا اختلفت درجة قرابتهم كبنت وابن ابن، وجبت النفقة على الأقرب([18]).
وعند المالكية: إذا تعدد الأولاد وزعت النفقة على الأولاد الموسرين بقدر يسارهم. ([19])
وعند الشافعية: إذا اتحدت درجة قرابة الفروع كابنين أو بنتين، أنفقا بالتساوي وإن تفاوتا في قدر اليسار أو أيس أحدهما بالمال والآخر بالكسب؛ لأن علة النفقة تشملهما. ([20])
وذهب الحنابلة إلى أنه إن اتحدت درجة القرابة في الفروع كابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثا كالميراث، فقد رتبوا النفقة على الإرث، وإن اختلفت درجة القرابة كبنت وابن ابن، فالنفقة بينهما نصفين كالميراث([21]).
ثانيا: شروط وجوب النّفقة على الوالدين: اتفق الفقهاء على أنّ نفقة الوالدين واجبة على أبنائهم بشروط:
1.أن يكون الوالدان فقيرين، أي: لا يملكان ما يكفيهما للعيش الكريم.
2.ألا يكون لهما مصدر دخل ثابت، مثل مال أو تجارة أو تقاعد يكفيهما.
3.أن يكون الابن (ذكرا كان أو أنثى ) قادرًا على الإنفاق، أي يملك من المال ما يزيد عن حاجته وحاجة أسرته. بل يجب إطعام الوالدين مع عائلته، فطعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة…
4.عجز الوالدين عن الكسب: سواء بسبب السّن أو المرض([22])، وهناك من قال: يستثنى الأبوان فتجب لهما النّفقة ولو مع القدرة على الكسب بالصحة والقوة. ([23]).
ثالثا: مقدار النّفقة وحكم الامتناع عنها
1/ مقدار النفقة
- تكون النّفقة بقدر حاجة الوالدين وكفايتهم([24]) وقدرة الأبناء المالية.
- تشمل النفقة المأكل، والمشرب، والمسكن، والعلاج، والملبس.
- يمكن أن تكون النفقة مباشرة (كالمال) أو غير مباشرة (شراء الحاجيات وتوفير السكن وغيره).
2/ حكم امتناع الأبناء عن النّفقة على الوالدين
- إذا امتنع الابن عن الإنفاق على والديه المحتاجين وهو قادر، فهو آثم شرعًا.
- يمكن للأب أو الأم المحتاجين رفع دعوى قضائية لإلزام الابن بالنفقة، وقد أقرّ الفقهاء أن القاضي يمكنه إجبار الابن على النفقة.
- قال النبي ﷺ:” أنت ومالك لأبيك” ([25])، وهو دليل على أحقية الوالد في مال الابن عند الحاجة.
الخلاصة: نفقة الأبناء على والديهم الفقيرين واجب شرعي ومسؤولية أخلاقية
تجب نفقة الأصول على الولد لا يشاركه في نفقة أبويه أحد؛ لأنه أقرب الناس إليهما، فكان أولى باستحقاق نفقتهما عليه، وهي عند الحنفية على الذكور والإناث بالسوية؛ لأنّ المعنى يشملهما. ([26])
فقد أجمع علماء الأمة على أنّ النفقة على الوالدين المحتاجين واجبة على أولادهم القادرين، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، ما دام الوالدان في حاجة ولا مال لهما. قال الله تعالى:”ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانًا…” [العنكبوت/8]، و”وبالوالدين إحسانا”[الإسراء/ 17].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ مني بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ،. قال: ثم من؟ قال: أمُّك قال : ثم من؟ قال: أُمُّكَ، قال:ثُمَّ من؟ قال: أَبُوكَ”.متفق عليه
والأصول الذين تجب نفقتهم عند الجمهور هم الآباء والأجداد والأمهات والجدّات وإن علوا.
الفرع الثالث: مذاهب الفقهاء (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة)
- الحنفية: نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ تَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَهُمَا مُعْسِرَانِ وَلَا تَسْقُطُ بِكُفْرِهِمَا وَمِنْهَا نَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَهُمْ مُعْسِرُونَ وَلَا تَجِبُ مَعَ كُفْرِهِمْ”([27]). وَالْجَدُّ كَالْأَبِ([28]).
- المالكية: وَالْوَاجِبُ بِالْقَرَابَةِ (نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ الْأُمِّ وَالْأَبِ الْمُبَاشِرَيْنِ الْحُرَّيْنِ وَلَوْ كَافِرَيْنِ. ([29])
- الشافعية: يجب على الأولاد نفقة الوالدين وإن علوا ذكورا كانوا أو إناثا([30]) ، أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَوَصَّى بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا حَالَ فَقْرِهِمَا مِنْ أَحْسَنِ الْإِحْسَانِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] وقَوْله تَعَالَى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وَالشُّكْرُ لِلْوَالِدَيْنِ هُوَ الْمُكَافَأَةُ لَهُمَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْوَلَدَ أَنْ يُكَافِئَ لَهُمَا وَيُجَازِيَ بَعْضَ مَا كَانَ مِنْهُمَا إلَيْهِ مِنْ التَّرْبِيَةِ وَالْبِرِّ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِ وَالْوِقَايَةِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ وَذَلِكَ عِنْدَ عَجْزِهِمَا عَنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أَنْفُسِهِمَا وَالْحَوَائِجِ لَهُمَا وَإِدْرَارُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا حَالَ عَجْزِهِمَا وَحَاجَتِهِمَا مِنْ بَابِ شُكْرِ النِّعْمَةِ فَكَانَ وَاجِبًا.
فالشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين([31]).
- الحنابلة : وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ والْأَصْلُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ([32])
وتجبُ على الإِنْسانِ نفقةُ والدَيْه ووَلَدِه بالمَعْروفِ، إذا كانوا فُقَراءَ، وله ما يُنْفِقُ عليهم فاضِلًا عن نَفَقَةِ نَفْسِه وامْرأتِه.([33])
فنَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ([34]).
المبحث الثاني: واجب الأبناء نحو الوالدين وأثر التقصير في الواقع المعاصر
المطلب الأول: الواجب الشرعي نحو الوالدين
لقد نصّ الشارع الحكيم على وجوب نفقة الأبناء على والديهم كما مرّ معنا غير أنّ واقع كثير من الأسر التقصير في حق الوالدين، حيث نجد:
- الأبناء الذكور في الغالب يتنصلون من النفقة بحجة الانشغال أو الضغوط.
- البنات، حتى إن كنّ متزوّجات، يتحمّلن الرعاية والخدمة والنفقة أحياناً.
- والوالدان، بدافع العاطفة أو التقاليد، يميلان إلى مسامحة الذكر ومحاسبة الأنثى!
الإسلام لا يُفرّق في المسؤولية إلا بالقدرة، ولا يعفي أحداً من واجب البر والإنفاق بحجّة النّوع أو الدّور الاجتماعي.
أولًا: واجب الأبناء نحو الوالدين في ضوء الشريعة
إن واجب الأبناء نحو الوالدين لا يقتصر على البرّ المعنوي كالكلمة الطيبة والدعاء، بل يشمل أيضًا البرّ المادي، وهو من أعظم القربات. وقد جاء في القرآن والسنة تأكيد هذا الواجب وتوسيعه ليشمل كل صور الإحسان، خصوصًا في حال ضعف الوالدين وكبرهما.
قال تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)”[ الإسراء]. قال ابن عاشور:” وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَأَمَّا مَوَاقِعُ الدُّعَاءِ لَهُمَا فَلَا تَنْضَبِطُ وَهُوَ بِحَسَبِ حَالِ كُلِّ امْرِئٍ فِي أَوْقَاتِ ابْتِهَالِهِ. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ إِذَا دَعَا لَهُمَا فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ فَقَدِ امْتَثَلَ، وَمَقْصِدُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَمْرِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ يَنْحَلُّ إِلَى مَقْصِدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَفْسَانِيٌّ وَهُوَ تَرْبِيَةُ نُفُوسِ الْأُمَّةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِالْجَمِيلِ لِصَانِعِهِ، وَهُوَ الشُّكْرُ، تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ الْبَارِي تَعَالَى فِي اسْمِهِ الشَّكُورِ، فَكَمَا أَمَرَ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ أَمَرَ بِشُكْرِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيجَادِ الصُّورِيِّ وَنِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَفِي الْأَمْرِ بِشُكْرِ الْفَضَائِلِ تَنْوِيهٌ بِهَا وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمُنَافَسَةِ فِي إِسْدَائِهَا. وَالْمَقْصِدُ الثَّانِي عُمْرَانِيٌّ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ أَوَاصِرُ الْعَائِلَةِ قَوِيَّةَ الْعُرَى مَشْدُودَةَ الْوُثُوقِ فَأَمَرَ بِمَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ الْوُثُوقَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ، وَهُوَ حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ لِيُرَبِّيَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ التَّحَابِّ وَالتَّوَادِّ مَا يَقُومُ مَقَامَ عَاطِفَةِ الْأُمُومَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فِي الْأُمِّ، ثُمَّ عَاطِفَةِ الْأُبُوَّةِ الْمُنْبَعِثَةِ …”([35])
ثانيًا: المساواة بين الأبناء في التكليف بالإنفاق
النفقة على الوالدين تجب على الأولاد جميعا فلا فرق بين الأبناء الذكور والإناث في واجب النفقة إذا تحقّق شرط القدرة.
فإن تعدّدّ الأبناء، فعند الحنفية: إن اتحدت درجة قرابتهم كابنين أو بنتين أو ابن وبنت، وجبت النفقة بالتساوي بينهم، وإن اختلفت درجة قرابتهم كبنت وابن ابن، وجبت نفقة الأصل على الأقرب.
وعند المالكية: إن تعدّد الأولاد وُزعت النفقة على الأولاد الموسرين بقدر يسرهم. ونقل الباجي: أنّ نفقة الوالدين المعسرين تلزم الولد ولو قويا على العمل. وتُوَزَّعُ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمْ؛ الْغَنِيُّ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَالْفَقِيرُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ، بِحَسَبِ حَالِهِ كَانَ ذَلِكَ الْغَنِيُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى([36])
وعند الشافعية: إن تعدد الأولاد واتحدت درجة قرابتهم كابنين أو بنتين، أنفقا بالتساوي وإن تفاوتا في قدر اليسار([37]).
والنّفقة توزع على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه، وقرّر الشافعية أنّه إذا اتحدت درجة قرابة الفروع كابنين وبنتين اتفقا بالتساوي وإن تفاوتا في قدر اليسار، وإن تساوى الفرعان في الإرث فكانا وارثين كابن وبنت فهناك وجهان: قيل يستويان في قدر الإنفاق كما قال الحنفية، وقيل يوزع الإنفاق عليهما بحسب الإرث، والوجه الأوّل أَوْجَه، والحنابلة: أنّه إذا اتّحدت درجة قرابة الفروع كابن وبنت فالنّفقة بينهما أثلاثا كالميراث.” ([38])
غير أن الواقع المعاصر يُظهر تمييزًا عرفيًا غير شرعي، حيث يُتوقع من البنات – خاصة إذا كنّ متزوجات – المساهمة بالرعاية والنفقة، بينما يُعفى الذكور من هذا الواجب، بحجة الانشغال أو ضغط المسؤوليات.
وهذا مخالف للميزان الشرعي الذي يربط المسؤولية بالقدرة لا بالجنس.
المطلب الثاني: مظاهر التقصير في الواقع المعاصر
1 . تراجع برّ الأبناء بالوالدين ماديًا، حيث نجد عزوف كثير من الأبناء عن النفقة المباشرة، والاعتماد على دور الرعاية والمؤسسات الخيرية.
2. التمييز في المسؤولية بين الجنسين، حيث نجد البنات يتحملن غالبًا الرعاية اليومية والنفقة، بينما نجد الذكور يميلون إلى التنصل من هذا الواجب إلا في حالات محدودة.
3. ضعف الوازع الديني والخلل في التربية الحديثة التي تركز على الفردية، بالإضافة إلى تغليب المصالح المادية والوظيفية على الواجبات الأخلاقية والدينية.
4. غياب القوانين الملزمة في بعض الدول، وقلّة التشريعات التي تضمن حقوق الآباء في النفقة من الأبناء وضعف التوعية بحقوق الوالدين القانونية والاجتماعية.
ومن الأسباب المؤدية إلى هذا التقصير نجد:
- الجهل بالأحكام الشرعية المتعلّقة بالنفقة والبرّ.
- التأثر بالثقافة الغربية التي تهمّش دور الأسرة الممتدة.
- الضغط الاقتصادي الذي يعاني منه بعض الأبناء.
- النظرة الخاطئة لدور البنات في الأسرة، واعتبارهن أقل التزامًا أو أهمية.
- ضعف الوعي القانوني والشرعي، فالكثير من الأبناء يجهلون أنّ الامتناع عن الإنفاق على الوالدين يُعدّ مخالفة شرعية وقانونية، قد تُعرضهم للعقوبة الأخروية والمساءلة القضائية.
المطلب الرابع: الآثار الاجتماعية لتقصير الأبناء في نفقة الوالدين.
لقد نتج عن هذا التقصير آثار اجتماعية وخيمة منها:
- تفكك الأسرة وضعف الروابط العائلية.
- ازدياد نسبة الفقر بين فئة كبار السن ومنهم الوالدين.
- ارتفاع عدد الآباء والأمهات في دور الرعاية والمسنين.
4.ضعف الثقة بين الأجيال، وانعدام الشعور بالانتماء الأسري.
5.نقض أحد ضروريات الشريعة الكبرى: حفظ النّسل بما فيه النظام الأسري.
- ازدياد الاعتماد على المؤسسات الخيرية: يُضطر العديد من الآباء إلى اللّجوء للمساعدات الخارجية، مما يُشكل عبئًا إضافيًا على هذه المؤسسات.
7.تفاقم مشكلات الشيخوخة: بدون دعم الأبناء، يواجه الآباء المُسنُون تحديات صحية ونفسية واجتماعية كبيرة.
المبحث الثالث: النّفقة على الوالدين بين فقه الواجب وواقع التقصير
المطلب الأول: الحلول الشرعية في ضوء مقاصد الشريعة
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة متكاملة تُعزز الرحمة، والبر، والتكافل الأسري، وجعلت الإنفاق على الوالدين من الضروريات الخمس لحفظ النسل والعرض والنظام الاجتماعي.
قال الإمام الشاطبي:”فَقَدَ اتَّفَقَت الْأُمَّةُ -بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ- عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ -وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ-“([39])
ونفقة الوالدين تقع في دائرة الضرورات عند حاجتهما، ولا تترك لاجتهاد العُرف أو رضا الابن، بل تُلزم إلزامًا.
المطلب الثاني: الحلول الاجتماعية والأخلاقية
أولا: المعالجة التربوية والأخلاقية
- إدماج مفاهيم البر والنّفقة في مناهج التعليم الديني والتربوي.
- إبراز النماذج المثالية من السلف الصالح الذين كانوا يقدّمون والديهم على أنفسهم في النفقة والرعاية.
- التحذير من العقوق المالي، فقد يكون المال أحد صور العقوق الخفي، وهو أشد من العقوق اللفظي في بعض الأحيان.
ثانيا: دور الدولة والمؤسسات الاجتماعية
- سنّ تشريعات تضمن حقوق الوالدين في النفقة والرعاية، كما في بعض القوانين المعاصرة (مثل قانون رعاية الوالدين في ماليزيا وسنغافورة).
- تفعيل صناديق التكافل الاجتماعي لكبار السن، على أن يُساهم فيها الأبناء إن لزم الأمر.
- وضع برامج إعلامية وأسرية لتوعية المجتمع بخطورة التقصير تجاه الوالدين، خصوصًا من الجانب المالي.
ثالثا: مقترحات واقعية وتوصيات
- إطلاق حملات توعوية بعنوان: “نفقة والديك…صدقة جارية في حياتك”.
- إدراج بنود ضمن عقود العمل الإسلامية لتشجيع الموظفين على دعم الوالدين.
- تقديم حوافز ضريبية أو اجتماعية للأبناء الذين يرعون والديهم في الكِبَر
- إنشاء مراكز دعم الأسرة الممتدة.
المطلب الثالث: نماذج مشرقة من برّ الوالدين في التاريخ الإسلامي والواقع الجزائري
أولا: نماذج مشرقة من برّ الوالدين في التاريخ الإسلامي
برُّ الوالدين هو وصية الأنبياء عليهم السلام، فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه بالرفق واللّين مع كفره وعناده، وأثنى الله على يحي في قوله:” وبرًّا بوالديه ولم يكن جباّرا عصيّا”[مريم/14]
وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في برّ الوالدين قولاً وفعلاً وخدمةً ونفقةً، حتى أصبحت سيرهم نبراساً يُهتدى به في كل زمان. لم يكونوا ينتظرون من يُذكّرهم بواجبهم، بل كانوا يتسابقون لاغتنام رضا الوالدين، ويعدّونه مفتاحاً للجنة.
- أويس القرني – التابعي الجليل
كان أويس من أهل اليمن، وقد بلغ من برّه بأمه أنّه آثر البقاء معها على لقاء النبي ﷺ، رغم شدّة شوقه لرؤيته. وقال فيه النبي ﷺ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ…” ([40])
- عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
كان عبد الله بن عمر إذا خرج في سفر، يحمل والدته على ظهره أثناء الطواف والسفر، فلما سُئل: أترى أنك أديت حقّها؟ قال:”لا، ولا بزفرة من زفراتها عند الولادة.”
هذا الفهم العميق لمكانة الأم يبرز كيف كانوا يرون البرّ تكليفاً لا تفضّلاً.
وعَنِه ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ»([41])
وعن ابن الهداج قال: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته، إلا قوله تعالى: “وقل لهما قولا كريما”[الإسراء/23]، ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيّد الفظ الغليظ”.
وعَنْ زُرْعَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: ” إِنَّ لِي أُمًّا بَلَغَ بِهَا الْكِبَرُ، أَنَّهَا لَا تَقْضِي حَاجَتَهَا إِلَّا وَظَهْرِي لَهَا مَطِيَّةٌ، أُوَضِّئُهَا، وَأَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهَا، فَهَلْ أَدَّيْتُ حَقَّهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ حَمَلْتُهَا عَلَى ظَهْرِي، وَحَبَسْتُ عَلَيْهَا نَفْسِي؟ قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَصْنَعُ ذَلِكَ بِكَ وَهِيَ تَتَمَنَّى بَقَاءَكَ، وَأَنْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَتَمَنَّى فِرَاقَهَا.” ([42])
هذه النماذج ليست فقط عظيمة في ذاتها، بل هي دليل عملي على أن البرّ مسؤولية والتزام، لا يُسقَط عن الذكور بحجّة العمل، ولا يُلصق بالإناث لمجرّد عاطفتهن. بل كان الرّجال في مقدّمة من خدم ووفّى، وسهر وأنفق، باذلاً من عمره وراحته وماله ما استطاع.
ثانيا: نماذج من الواقع: نماذج مشرقة في زمن قلّ فيه البر
تشهد الجزائر تزايدًا في حالات تخلي الأبناء عن والديهم المسنين، مما يدفع العديد منهم إلى اللّجوء لدور الرعاية أو الاعتماد على المساعدات الخيرية. ورغم أنّ المادة 77 من قانون الأسرة ([43]) الجزائري تُلزم الأبناء القادرين بالإنفاق على والديهم المحتاجين، إلا أنّ التطبيق العملي يكشف عن ضعف في الالتزام بهذا الواجب، وكذا التمييز بين الأبناء في تحمل المسؤولية في العديد من الأسر الجزائرية، حيث نلاحظ أنّ البنات، حتّى وإن كنّ متزوجات، يتحملن عبء رعاية الوالدين وخدمتهم، بينما يتنصل الأبناء الذكور من هذه المسؤولية بحجة الانشغال أو الضغوط الاقتصادية، وهذا التمييز يُعد مخالفًا لمبدأ العدالة الذي ينص عليه الإسلام، حيث تُحدد المسؤولية بناءً على القدرة لا على الجنس.
ورغم مظاهر التقصير التي باتت تؤلم القلوب، إلا أنّ في هذا الزمان من الأبناء من هم على درجة عالية من البر بوالديهم، في ظلّ ظروف أصعب وتحدّيات أشدّ. فالخير مازال في الأمة لا ينقطع حتىّ يوم الدين.
- شاب يعتذر عن الترقية كي لا يبتعد عن أمه
من القصص الواقعية المتداولة، أنّ شاباً عُرضت عليه ترقية وظيفية كبيرة، لكنها كانت تتطلّب انتقاله إلى مدينة بعيدة، فرفضها قائلاً: “أمي مريضة، وأنا أقوم على خدمتها، ورضاها عندي أهم من كل مناصب الدنيا.، فأثّر موقفه في زملائه، وانتشر خبره عبر وسائل التواصل، ليُلهِم كثيرين.
- مهندس يوقّت أعماله وفق جدول علاج والده
أحد المهندسين، رغم انشغاله بمشروع ضخم، كان يُنظّم يومه بدقّة ليرافق والده في مواعيد العلاج ويُشرف بنفسه على أدقّ التفاصيل، من دواء وفحوصات إلى الطعام والنوم. وحين سُئل: لماذا لا تترك الأمر لممرضة؟ قال:”رضا أبي لا يُفوَّض، ولا يُشترى.”
- شاب أعزب يرفض الزواج ليبقى بجوار والديه
وفي قصة مؤثرة من الجزائر، ظلّ شاب في الثلاثين من عمره يرفض الزواج مراراً رغم ضغط العائلة؛ لأنّه الابن الوحيد، وأبواه كبيران في السنّ، ويحتاجان إلى من يسهر عليهما. وكان يقول:”الزواج سهل، لكن برّ الوالدين فرصة قد لا تتكرّر.”
هذه النماذج وغيرها كثير، شواهد حيّة على أنّ الخير لا يزال في الأمة، وأنّ هناك من يُقدّم البرّ على رغباته، ويجعل خدمة والديه مشروع حياته.
خاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، خير من أوصى ببرّ الوالدين وحثّ الأمة على مكارم الأخلاق.
لقد تناول هذا البحث موضوعًا في غاية الأهمية، يتعلّق بأحد أركان البرّ والوفاء في الإسلام، وهو واجب نفقة الأبناء على الوالدين والبر بهما، سواء في صورتها الشرعية أو في أثرها المجتمعي. وقد تبيّن من خلال الدراسة أنّ هذا الواجب ليس محض إحسان أو عاطفة أو عرف اجتماعي بل عبادة عظيمة وتكليف شرعي مؤصل بنصوص الكتاب والسنة، ومُجمع عليه بين فقهاء الأمة، ولا يُفرّق فيه بين الذكر والأنثى، بل بحسب القدرة والحاجة.
غير أنّ الواقع المعاصر يشهد خللاً ملحوظًا في أداء هذا الواجب، ما بين تجاهل، أو تمييز أو اعتماد على دور الرعاية، وهو ما يتطلّب وقفة جادّة من مختلف مؤسسات المجتمع: الشرعية، والتربوية، والاجتماعية.
لقد آن الأوان أن يُدرك الأبناء أنّ مسؤوليتهم شرعية قبل أن تكون أخلاقية، وألّا يُحمَّل هذا الواجب للبنات وحدهنّ أو للذكور وحدهم، فبرّ الوالدين واجب على الأبناء ذكورا وإناثا وعلى كلّ من رزقه الله القدرة والقلب الحيّ.
برُّ الوالدين إذا هو طريق الجنّة، وبرّهما لا يقتصر على قُبلة تُطبع على اليد أو الرأس أو ابتسامة، أو كلمة لطيفة إنّما هو أشمل وأكبر من ذلك، يقول صلّى الله عليه وسلم لمن جاء يشكو أباه؛ لأنّه يأخذ من ماله الخاص:”أنت ومالك لأبيك”([44]).
نتائج البحث:
- نفقة الوالدين عند حاجتهما واجبة على الأبناء القادرين، باتفاق جمهور الفقهاء
- لا يُشترط في الوجوب الذكورة، بل يشمل الذكر والأنثى على السواء إذا تحققت القدرة.
- لا يُشترط في الوجوب الذكورة، بل يشمل الذكر والأنثى على السواء إذا تحققت القدرة.
- تقصير الأبناء في هذا الواجب يُخلّ بالتماسك الأسري ويُؤثِّر سَلبًا في الاستقرار الاجتماعي.
التوصيات والمقترحات:
- تفعيل دور الفتوى والخطاب الديني في بيان الحكم الشرعي لنفقة الوالدين وبرّهما.
- إدراج موضوع برّ الوالدين في المناهج التعليمية والإعلامية.
- سَنّ قوانين واضحة تلزم الأبناء بالإنفاق على والديهم في حال حاجتهم، أسوة ببعض الدول الإسلامية.
- إقامة دورات إرشادية للأزواج والزوجات الجدد لتوعيتهم بمسؤولياتهم تجاه أسرهم الممتدة.
- تشجيع النماذج الأسرية الناجحة التي يبرُّ فيها الأبناء آباءهم، وتُقدَّم كقدوة مجتمعية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) شعب الإيمان للبيهقي(10/ 246) رقم7446.
([2]) رواه ابن ماجه في سننه، رقم: 2291، وصحّحه الألباني.
([3]) العين للخليل بن أحمد (5/177).
([4]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1560).
([6]) المختصر الفقهي لابن عرفة (5/ 5)، تحقيق حافظ خير؛ منح الجليل شرح مختصر خليل لمحمد عليش(4/385).
([7]) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (3/572).
([8]) مجلة الأحكام العدلية ، مادة 1054.
([9]) كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي(تـ 1051ه) :5/461/ دار الكتب العلمية.
([10]) القاموس الفقهي (ص: 358).
([11]) بدائع الصنائع للكاساني (4/30)؛ الشرح الكبير على المقنع ت التركي (24/ 387)؛ المغني لابن قدامة:8/211.
([13]) رواه ابن ماجه (2/769)، رقم:2292، وصححه الألباني.
([14]) صحيح البخاري (8/ 2)، رقم:5971.
([15]) صحيح مسلم (4/ 1978) تحت رقم:2551.
([16]) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (5/ 167)؛ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 183)؛ الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 71)؛ المغني لابن قدامة (8/ 212).
([17]) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (5/ 167)؛ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 183)؛ الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 71)؛ المغني لابن قدامة (8/ 212).
([18]) ينظر: فتح القدير :3/348؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/784.
([19]) ينظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 183)؛ الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 71)؛ المغني لابن قدامة (8/ 212)؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/784.
([20]) ينظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 183)؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/784.
([21]) ينظر: المغني لابن قدامة (8/ 212)؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/785.
([22]) القوانين الفقهية:223؛ البدائع:4/34 وما بعدها؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/783.
([23]) بدائع الصنائع للكاساني (4/30)؛ الدر المختار : 2/ 923؛ القوانين الفقهية:222؛ موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/727.
([24]) موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/786.
([25]) أخرجه ابن ماجة في سننه، رقمه 1870 وقال الألباني: صحيح.
([26]) ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي: محمد التويجري ‘/159 .
([27]) بدائع الصنائع للكاساني (4/30)؛ الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (2/ 83).
([28]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (3/ 623).
([29]) منح الجليل شرح مختصر خليل (4/ 414)؛ المختصر الفقهي لابن عرفة (5/ 72).
([30]) التنبية في الفقه الشافعي (ص: 209).
([31]) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (3/ 159).
([32]) المغني لابن قدامة (8/ 211)
([33]) الشرح الكبير على المقنع ت التركي (24/ 387)
([34]) كشاف القناع عن متن الإقناع (5/ 481)
([35]) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (15/ 73).
([36]) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/ 135).
([37]) ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي (8/785) نقلا عن حاشية ابن عابدين (2/934)؛ الشرح الصغير (2/752)؛ مغني المحتاج (3/450).
([38]) موسوعة الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي:8/786.
([39]) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/ 135).
([40]) صحيح مسلم (4/ 1969)، رقم 2542.
([41]) صحيح مسلم (4/ 1979)، رقم:2552.
([42]) البر والصلة لابن الجوزي (ص: 40).
([43]) وهذا نصّ المادة: “تجب نفقة الأصول على الفروع والفروع على الأصول حسب القدرة والاحتياج ودرجة القرابة في الإرث”.
([44]) رواه ابن ماجة في سننه، رقم: 2292 وقال الألباني: صحيح