حصريا

الوحشية في زمن ما بعد الأسرة .د. ليلى محمد بلخير -الجزائر –

0 442

الوحشية في زمن ما بعد الأسرة

أ د ليلى محمد بلخير

يشكل  العالم  الرقمي بؤرة لأكبردوامة في هذا الزمن، تبتلع الحياة الإنسانية بلا هوادة، وتهدد إنسانية الإنسان، وتسيربه إلى الوحشية وتعظيم السفاسف ونبذ القيم، وعبادة الذات والأهواء والكثير من الأشياء.

وجاءت موجة الحرب علىالمعنى الإنساني للأسرة،من اشتغال المواثيق الدولية لتشجيع البشرعلى تغيير الهياكل الأسرية، وتجريب الشذوذ، والأنماط الهجينة، والترويج للعائلات البديلة والتوجه لكراء الأرحام، والحمل من بنوك المني، والابتعاد عن الفطرة،بتعسير الزواج  وتسهيل العلاقات المحرمة في الواقع وفي المواقع الافتراضية.

ولهذا حاولت في هذا الموضوع تتبع مسارات فقدان إنسانية الإنسان المعاصرفي ظل التفكك الأسري. كيف نربط العلاقة بين الوحشية وأزمة الهوية في العوالم الرقمية؟ ماهيمظاهر الوحشية وعلاقتها بالسؤال الأخلاقي داخل الأسرة المعاصرة؟ ومن أجل ذلك نحاول ربط العلاقة بين ظاهرة التوحش والوحشية، وفرط التواصل الإلكتروني، وتراجع التواصل الواقعي في زمن (مابعد الأسرة).

  1. أزمة الهوية الإنسانية وبداية التوحش

ومما لاشك فيه أن الحياة الأسرية قد تفككت كثيرا في ظل فرط التواصل الإلكتروني،هناك اختلالات في التواصل بين أفرادها تواصلا واقعيا، مما أسفرعن إذابة الهوية الإنسانية، ومع تزايد الإحصاءات على ارتفاع نسب الطلاق والعنف، وفقدان الإيمان بأهمية الأسرة، والاستعمال اللامحدود للفضاء الرقمي للهروب من خيبات الواقع،فكان استبدال العلاقات الدائمة  بالعلاقات العابرة والغامضة، وبكبسة واحدة يقوم بحذف كل شئ عنها، إنه يبحث عن إستعمال المتع في عالم من السرية وبلا مسؤولية، يقول زيغموند باومان في كتابه الحب السائل متحدثا عن هشاشة الروابط في ظل التواصل الإلكتروني”لكي تصل الحداثة إلى هذه اللحظة من تفكيك مقومات الوجود الإنساني، بعد فك الارتباط بين الانسان وربه، وبين خياراته، وثواب الدنيا والآخرة، هو أنها هدمت بنيان الأسرة كإطار للعلاقة الوجدانية”1 في هذا النص تأكيد على أن الوجود الإنساني رهين بوجود الأسرة،الحاضرة بقوة مقوماتها الوظيفية والحضارية.

ويجدر بنا في هذا الصدد أن نطرح مسألة الهوية، بربطها بسلامة العلاقات داخل الأسرة، فقد أصبح متاحا للأفراد أن يكون لهم عدة هويات والشخص الواحد يتنقل بين عدة حسابات ومنصات،ويمضي حياته كلها في الزيف والخداع، وقد يكون رجلا في الواقع ويلبس قناع الأنوثة في المواقع الالكترونية، أو العكس تدخل الأنثى مغامرة التخفي بحساب مذكر وتمثل أدوارالرجولة وهي في الواقع أنثى.

وهذا هوالخطر الداهم في  قضية الهوية عندما تنفتح على وجهات النظر،  حيثيهيمن فيها المتحولون على الطبيعين، ويصبح الشخص الطبيعي غريب في عالم كله زيف.

والخوف على أبنائنا حيث يأتي يوم يتزوج فيه الشاب بفتاة، ليكتشف أنها رجل مثله وقامت بتحويل جنسها، أو تتزوج الفتاة برجل، ولكن تصدم بأنه ليس رجلا ولا امرأة بل مسخا مشوها  وفي الحقيقة تفتفرهويةالانسان المعاصرافتقارا كبيرا إلى البعد الوظيفي والرسالي،حيثيعيش في كهف من العزلة والجمود، نجده في تناقض كبير بين ما يعرضه في المواقع وبين مايفعلهفي الحياة، وأيضا نلمس انصرافا وعزوفا عن استيعابالمعنى الحضاري المحرك للفعل الرسالي،لدى الأفراد في البيئة الرقمية.حيث تحول الإنسان مجرد كائن تنفيذي خاضع للإجراءات والبرمجة بلا روح ولا قيم ولا وجدان أو مشاعرولا رسالة حضارية2

  1. الوحشية وسؤال الأخلاق في البيئة الرقمية

نحن بحاجة لإعادة طرح وعي كوني جديد، يحتكم على قراءة ناقدة لظاهرة تفاقم النزعة الرقمية التي تهدد الطبيعة الإنسانية، فكل الاختلالات المعاصرة نتاج تحولات المجتمع إلى البيئة التكنولوجيا في الإجتماع والتواصل، ومناشط الحياة كلها تحولت لنمط غير حركي في فضاءات افتراضية قابلة للحذف والتحول في أي لحظة والهدف منه “تعجيل تحول النوع البشري وتسريع مروره إلى وضع جديد بلاستيكي، واصطناعي في نفس الوقت”3 وهو ما يؤدي إلى فقدان الإنسانلإنسانيته وهويته الواضحة، إلى هويات متعددة رقمية قابلة للخفاء والتجلي بلا ميزان من عقل أودين أو قيم، في ظل تنامي منظومة التفاهة وطغيان عبادة الأهواء، في توجه جديد لعالم إلكتروني،”طيع وقابل للتوسيع ولتهيئة المرور نحو استغناء جديدعن الأرض (قانون جديد للأرض) يجب في الحقيقة خلافا لذلك إلغاء المجتمع على الأقل نحته ، وفي الأخير تعويضه بعالم كلي، عالم الأجهزة الخلوية، والعصبية والحاسوبية، عالم الانسجة والدم الاصطناعي الذي سيتم ملؤه بأجسام وشخصيات نصف طبيعية ونصف اصطناعية”4

ومن هنا يمكن أن نفهم تفاقم البؤس واليأس وكل أنواع العلل النفسية والاجتماعية على حياتنا المعاصرة، وأضحت المعاييرالأخلاقية غير ثابتة ونسبية ونابعة عن المزاج أو المصلحة المادية، إنه زمن التزييف الخلاق، والغش المثالي الاحترافي، ومن ثمة لا بد من مراجعة الأخلاق من جديد، لأننا فقدنا المعنى الحقيقي لكثير من الشمائل، وضاع الورع والإخلاص، وغاب الحياء وطغت الديوثة كالنار في الهشيم.

  1. مظاهر الوحشية في زمن (مابعد الأسرة)

ولو وقفنا على دلالة (مابعد) هنا لها علاقة بفكرة التجاوزوالقطيعة، أي الرفض لمؤسسة الأسرة والتشجيع على تجريب أشكال أخرى للعلاقات بعيداعن الشكل الطبيعي الفطري (الزواج )، وإفساح المجال للشذوذ وجعله أمرا طبيعيا عاديا، وكما نعرف جميعا أن العلاقات الشاذة بمثابة هجوم على طبيعة الانسان الاجتماعية، والطبيعة الإنسانية كمرجعية نهائية “الشذوذ الجنسي لم يعد مجرد تعبير عن مزاج أو انحراف شخص وإنما تحول إلى إديولوجية تهدف إلى إلغاء ثنائية إنسانية أساسية هي ثنائية (الذكروالأنثى)والتي يستند إليها العمران الإنساني والمعيارية الإنسانية”5.وساهم العالم التكنولوجي في تسهيل التواصل من أجل استعمال المتع والترفيه دون حاجة للفعل الحقيقي،ولا لتحمل أي مسؤولية، وبعيد عن المراقبة ومن الملفت  للنظر انسحاب الرجل عن دوره المحوري، وتراجع السلطة الأبوية أمام توحش النساء وهيمنتهم على الواقع الحقيقي وفي المواقع الالكترونية، مما تسبب في تزايد العدائية والعنف داخل الأسرة،وساهمت البيئة الرقمية في تمريرمخططات شيطانية، لتوحيد خصوصيات الذكورة والأنوثة في كل شئ كنوع من التمهيد للتحول الجنسي، والتخنث والميوعة والديوثة الإلكترونية.

وأيضا نجد تجاورا رهيبا بين ثقافة النصائح ووثقافة الفضائح،من جهة طغيان المواد التحفيزية لصنع حياة أفضل والتي تقدم إشباعا غير طبيعي للتوجيه والإرشاد وبجرعات مكثفة تجعل المتابع يعيش نرجسية فظيعة، و يظل لوقت طويل مخدرا بوهم الانجاز، أو يعيش احتقارا للذات ويشعر بالعجزعن الإنجازبالمقارنة مع النماذج المؤثرة.

ومن جهة أخرى وطغيان المواد الإباحية وصورة الجسد العاري،وتمجيد الرذائل والتفاهة من أجلتحقيق الأرباح والمجد والشهرة وكأننا في سوق كبيريبيع الأفكاروالأجساد وكل شئ وفي كل العالم، يختصر الزمان والمكان والأشخاص ويعيد صياغتهم من جديد.

وفي الأخير يمكن أن نقول أن الوحشية هي فرط تقديس الأشكال والأشياء والأهواء والإتخام  في التنقل عبر المنصات الالكترونية بلا خطة ولا منهج،الغور في الأوهام، دون حساب لأهمية النهوض للعمل الحقيقي، والتقدم ولوخطوة إلى الأمام، التوحش هو نوع من تبلد المشاعروالافتقارللتعاطف مع القضايا المصيرية للأمة.

وبصراحة يعد طابع السهولة والسيولةالذي رافق البيئة الرقمية، من أكبر التحديات التي عرفتها البشرية، سهولة التواجد في أماكن كثيرة، سهولة تحصيل المعارف و المعلومات الغزيرة، ومن مشارب عدة في وقت واحد،سهولة التلاقي والتواصل،التساهل  في المرتكزات والثوابت، والابتعاد عن الله والقيم الربانية.

إنهاتحدي لوعي الانسان بالزمان والمكان وبالقيم والأخلاق،وتحدي أكبر لأنظمة العقل البشري الذي صار يعرف أكثر مما يعمل، وكأنه في معترك حرب نفسية شرسة، إن لم يمت فيها سيصاببالجنون والتوحش في عالم هلامي شديد السيولة، يحارب الهوية والمرتكزات،ويقتل الإنسان والإنسانية.

الهوامش

  • زيغمونت باومان ، الحب السائل ( عن هشاشة الروابط الإنسانية ) ، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رؤوف عزت ، الشبكة العربية للأبحاث والنشربيروت ، الطبعة الأولى 2016 ص 20
  • فتحي المسكيني الهجرة إلى الإنسانية مؤسسة هنداوي 2024 ص 168ـ 169
  • أشيل مبيمبي الوحشية ( فقدان الهوية الانسانية ) ترجمة نادرة السنوسي دار الروافد الثقافية ناشرون بيروت ، ابن النديم للنشر والتوزيع الجزائر ، الطبعة الأولى  2021 ص 25
  • نفسه ص 26
  • عبد الوهاب المسيري قضية المرأة بين التحرير والتمركزحول الأنثى شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الثانية 2010ص 11

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page