حصريا

هارون هَاشم رَشيد (نموذج لإبداع العائلة الغَزيّة) – د. أحمد عطيّة السُّعودي -الأردن-

0 276

هارون هَاشم رَشيد

 

(نموذج لإبداع العائلة الغَزيّة)

 

بقلم: د. أحمد عطيّة السُّعودي – الأردن

 

*******

 

  • ليستِ العائلةُ الغَزيّةُ كأحدٍ من العائلات، إنّها عائلةٌ ولّادةٌ للأفذاذ، أفذاذِ العلم، والفقهِ، والحديثِ، والأدبِ، والقيادة والجهاد، وإذا شئتُم فاقرأوا في تاريخِ غزّة وبلداتِها، اقرأوا عن الفيلسوف الإغريقيّ إينياس الغَزّيّ، وعن الإمامِ الفقيه محمّد بن إدريس الشّافعي، والفقيهِ ابنِ خلفٍ الغَزّيّ، والمحدّث الحسَن بن الفَرج الغَزّيّ، والمحدّث ابن وَصيفٍ الغَزّيّ، والحافظ ابن حَجَرٍ العَسقلانيّ، والشاعر بَدر الدين الغَزّيّ، والشَّيخ أحمد ياسين، وغيرهم كثير.

 

  • ولْنُلْقِ الضَّوءَ على نموذجٍ واحد لإبداعِ العائلة الغَزّيّة في تنشئةِ الأفذاذِ وتربيتِهم، ورعايةِ مواهبهم، وليكنْ هذا النموذج هو الشَّاعر هَارون هَاشم رَشيد، صاحب القلم التصويريّ الدّقيق، والإحساسِ المُرْهَف العَميق، ذارف الدَّمعِ على الأرضِ المباركة وبيوتاتِها المهجورةِ السَّليبة، وباعث الأملِ في العودةِ بعد الشَّتاتِ والتَّشْريد.

 

ليكنْ هذا الشّاعر الذي أحببتُهُ أيامَ المدرسة الابتدائيّة، وقد كنتُ أنا وزملائي نترنّمُ بكلماتِه الحزينة، تَرنّمَ الثَّكلى الموجوعة، فتذهبُ أبصارُنا إلى حيثُ يُشير، وتمتلئُ مآقينا بالدّمع:

 

هناكَ  فوقَ  ربوةٍ.. مَنْسيةٍ.. مَهْجُورةْ

 

في مَسْرحِ الأحلامِ في قريتِنا المأسُورةْ

 

بقيةٌ  لمنزلٍ ..   قد  بعثرُوا..  سُطورَهْ

 

قد   هدمُوا  جدرانَهُ  ومزّقُوا  زُهورَهْ

 

  • كان مولدُ الطفلِ الواعدِ “هارون” عام الزّلزال (١٩٢٧) م، الذي ضربَ بلادَ الشَّام، وضربَ هذا الجزءَ العزيزَ من فلسطين، أعني غَزّة، وفي بقعةٍ كريمةٍ من غَزّة تُسمَّى حيّ الزّيتون، وفي بيتٍ غزيّ أصيل استهلَّ صارخاً، كأنّما يوشوشُ في سمع الدّنيا أنّي قادم، أنشرُ الكلمة الرّائقة لسَدنةِ الأرض، وأقذفُ بالكلمةِ الحارقة صُدورَ الأعداء.

 

  • نشأ هارونُ على كلمةٍ واحدة، كلمةِ الحُبّ، كان محبّاً لوالديه، ولأخوتِه، ولا سيما أخته الكبيرة، كان محبّاً لمراتعِ صَباه في حيّ الزّيتون، مُحبّاً لغزةَ وناسِها، وفلسطينَ وأهلِها، ونشأَ معه أخواه علي وأكرم، وقد صارا شاعرين مَعْروفين.

 

يقولُ في سيرتِه الذاتيّة، إبحار بلا شاطئ، واصفاً عائلتَهُ: “لم تكن الوالدةُ من العائلة، ولا من المدينة، بل كانتْ مختلفةً عن نساءِ الحارة، فهي رقيقةٌ ضعيفة، سريعةُ الشّجن، تَعرّفَ الوالدُ إليها عن طريقِ شقيقِها عمر العامريّ، وكنتُ الوليدَ الجديدَ الذي وفدَ إلى الأسرة في يوم الزّلزال، فأنا الرّابعُ بين الأبناء، والثّاني بين الذّكور”.

 

  • وقد أخذتْ هذه العائلةُ الكريمةُ بمجامعِ قلبِه، ترسّخ في أعماقِه حُبَّ الوطن والانتماءَ إليه، وأخذتْ بِبُنيّاتِ أفكاره، ترسّخُ في عقلِه الهُويّة، والتمسّكَ بالأرض، ومقاومةَ المحتلّ الإنجليزيّ والصّهيونيّ من بعده، وأخذتْ بيدِه الغَضَّة الطّرية، لِيُمسكَ بالقلم، ويتعلّمَ الحرفَ الذي سَيَشْدُو به.

 

يحدّثنا الصبيُّ هارونُ عن عائلةٍ جديدة هي امتدادٌ لعائلةِ الرّحم والنّسب، يحدّثنا عن الكُتّابِ الذي تعلَّمَ فيه، وعن اليدِ التي قبَّلَها قبلَ أنْ تعلّمَهُ الحَرف:

 

“مدّ الشيخُ يدَهُ المشلولةَ ذاتَ الأصابع النّاصعةِ البَياض، وأشارَ إليّ والدي أنْ أتقدّم؛ فأقبّلَ اليدَ الممدودة، ولكني أحجمتُ، وتردّدتُ، ودبَّ فيَّ شيءٌ من الخوف الغَريب، وأحسستُ برعشةِ بردٍ، تجتاحُ جسمي كُلَّهُ، نهرَني والدي بلطف، وأمرَني أنْ أتقدّم، فتلفتُّ أنظرُ للأطفال، وقد تعلّقتْ عيونُهم بي، تقدّمتُ خُطوة، وشددتُ على اليد الممدودةِ الباردة كالثلج، وطبعتُ عليها قُبلةً عَجلى، وانسحبتُ إلى الخلفِ؛ لألتصقَ بحضنِ والدي”.

 

  • ثمّ يَصْحُو هارون، فإذا الاستعمارُ الإنجليزيّ البَغيض جاثمٌ على فلسطين، يسلبُها حريتَها، ويُقتّلُ أبناءَها، ويغتصبُ نساءَها، ويأكلُ خيراتها، ويُهيّئها لتكونَ وطناً دائماً لليهود، شُذّاذ الآفاق الذين لفظتْهُم المجتمعاتُ الأوربيّة، وكَرهتْ مُساكنَتْهُم، وعبّر أدباؤها مِثْل “شِكسبير” عن جَشعِهم وطمعِهم، في “تاجر البُندقية”.

 

يَصْحُو في المدرسة، وإذا الثوارُ يتصدّون بكلّ ما أوتُوا من قوةٍ للإنجليز وعصابات اليهود، وإذا فلسطين جَسدٌ واحد، يتداعى له سائرُ الأعضاء، من عكا، وحيفا، ويافا، والقدس، ونابلس، والخليل، وغَزّة.

 

يقولُ: “السّنواتُ من (١٩٣٦) إلى (١٩٣٩) م سنواتٌ مَنْ عاشَها صغيراً كان أو كبيراً، حفظتْ ذاكرتُهُ أوجاعَها وآلامَها، وما تردَّدَ فيها من آلافِ الحكايات والحوادث عن الصّدام الدائم بين الإنجليز والثوّار، ورغمَ صِغَرِ سنّي، فقد وعيتُ مُبكّراً ما يجري، فكم من ليالٍ قضاها والدي قَلقاً على أعمامي في يافا وأختي في حيفا”.

 

  • ثمّ يتحدّثُ عن يومٍ عظيم من أيام المقاومة، عن طوفان الجماهير الغَزيّة التي تدفّقت مُعلنةً الثّورةَ على الاحتلالِ الإنجليزيّ، يتحدّثُ عن بطولةٍ فتاة أنجبتْها العائلةُ الغزيّة، وهل تُنجبُ العائلة الغزيّة إلا الأحرارَ الأبطال:

 

“أفواج وأمواج من الرّجال والشّباب والأطفال تتدفّقُ عبرَ الشّوارع والأزقة؛ لتتلاقى كما الشّلالات، اندفعَتْ وسطَ الأمواجِ التي غبتُ فيها كما تغيبُ قطرةُ الماء في النّهر الكبير، فتاةٌ فلسطينية أعرفُ أنَّ اسمَها رَباب الحسينيّ تنادي بالثورة والجهاد ومواجهةِ المستعمر، تخرجُ إلى الجماهير؛ لتلقيَ عليهم العلمَ الفلسطينيّ”.

 

  • في هذه الأجواء الحماسيّة، نظرَ هارونُ حولَهُ، فإذا هو في رياضٍ بهيجة، بحر سَاج، ورَمل نديّ، ونَخيل وارف، وخيرات حِسَان، فشغفَهُ المكانُ حبّاً، وتراكضَت الكلماتُ إلى شَفتيه ولسانِه، وتدافعَت المعاني؛ تحملُهُ على البَوحِ بلواعجِ الوَجْد، ومواجعِ الألم، فإذا هو ينظمُ كلاماً موزوناً على سَنن العربيّةِ في صناعةِ الشّعر.

 

أحبّ اللغة العربيّة، أحبّ حرفَها، وقصائدَ المحفوظات المدرسيّة، وبدأتْ موهبتُه تنبجسُ شيئاً فشيئاً: “في الكُتّابِ بدأت علاقتي الأولى باللغة العربيّة، فُتِنتُ بها، وبالجَرْس الرّائع، والنّغم المُمَوْسَق، وذلك العَبق الرّوحانيّ النافذ كأشدّ ما يكونُ إلى أعماق القلب”.

 

وفي كلية غَزّة يصبحُ هارونُ طالباً أنضجَ وعياً وفهماً، فيقرأ ميميّةَ عمر أبو ريشة الرّائعة:

 

أمّتي هل لكِ بينَ الأممِ    منبرٌ للسيفِ أو للقلمِ

 

يقول: “كانت كليةُ غزّة الأرض الخصبة التي نمَتْ فيها مواهبي، والتي وجدتُ فيها ضالتي، أوّل من بشّرني بأنني سأكونُ شاعراً أستاذي سَعيد العيسى”، ثمّ تخرّجَ في الكليّة، وصارَ أستاذاً في جباليا، ينظمُ الأناشيدَ لتلاميذِه، ويصرخُ في وجه المحتلّ، ويصرخونَ معه:

 

أنا  لَنْ  أعيشَ  مُشرّدا   أنا  لَنْ  أظلَّ  مُقيّدا

 

أنا لَنْ أخافَ من العواصفِ وهي تجتاحُ المدى

 

ومن   الأعاصيرِ   التي  تَرمي   دماراً  أسودا

 

ومن   القنابلِ   والمدافعِ   والخناجرِ   والمُدى

 

أنا  صاحبُ  الحقِّ  الكبيرِ  وصانعٌ  منه  الغَدا

 

  • ثمّ تتخَطّى أشعارُه حدودَ غزّة وفلسطين؛ فيُعْرَفُ الشاعرُ هارون هاشم رشيد في أرجاء الوطن العربي، ويُلقّبُ بشاعر العَودة، وتُخْتارُ له قصائد في المناهج المدرسيّة، وتُقدّمُ عن أدبِه رسائل جامعيّة، ويتسلّم جوائز كثيرة وأوسمة، وتُبثُّ كلماتُه المغنّاة عبرَ إذاعةِ صوت العرب، وتُغني له فيروز بألحانِ الأخوين الرَّحباني، وتُغنّي له فايدة كامل، ويغنّي له كارم محمود، ويمضي يحرّضُ شعبَهُ على الثأر من العدو المحتلّ، استجابةً لنداءِ والديه الكريمين اللذين أرضعاهُ لبنَ الكرامة والعزّة، وتصبحُ كلماتُهُ (لَنْ ينامَ الثأر) إحدى هُتافاتِ الشّباب في الثورة الجزائريّة العظيمة:

 

لَنْ ينامَ الثأرُ في  صَدْري وإن طالَ مداهْ

 

لا  ولَنْ  يهدأَ  في  رُوحي وفي قلبي لَظاهْ

 

صوتُ أمّي لم يَزلْ في مَسْمعِ الدُّنيا صَداهْ

 

وأبي  ما زالَ  في سَمْعي وفي روحي نِداهْ

 

  • عاشَ الشاعرُ في أجواء المآسي التي عصَفتْ بفلسطين: هزيمة (١٩٤٨)م، واحتلال غزّة من العدوان الثّلاثيّ، البريطانيّ والفرنسي والكيان الصهيونيّ سنة (١٩٥٦) م، ونكبة (١٩٦٧) م، وهو في كلّ عدوان، يهتفُ مُتحدّياً، ويهتفُ معه الآلافُ في غزّة، وفي كلّ أنحاءِ فلسطين:

 

سنرجعُ  يوماً  إلى حَيّنا  ونغرقُ في  دافئاتِ المُنى

 

سنرجعُ  مهما  يمرّ الزّمان  ُوتنأى المسافاتُ ما بينَنا

 

يَعِزُّ علينا غداً أنْ تعودَ  رفوفُ الطّيورِ  ونحنُ هنا

 

هنالك عندَ التّلالِ تلالٌ  تنامُ وتَصْحُو على عهدِنا

 

لقد ظلّ شاعرُ غزّة الأوّلُ ثابتَ المبدأ، مُلتزماً بالقضية، مؤمناً بحتميةِ تحرير القدس، مُغرّداً للحرية، طوالَ سِني عمرِه التي بلغتْ (٩٣) سنة، حتى توفاهُ اللهُ تعالى في كندا سنة (٢٠٢٧) م، فرحلَ غريباً عن وطنِه، بعد أنْ أصدرَ عشرين ديواناً، أثرى بها الشّعرَ العربيّ المعاصر،  منها: مع الغُرباء، وعودة الغُرباء، وغزّة في خطّ النار، ووردة على جَبين القدس، وكانتْ آخر مجموعة شعرية له عنوانُها: “غزّة.. غزّة”.

 

وإنَّ لشعرِه لنكهة، تجدُها في كلماتِه السّهلة المزدانة بالنّداء والشَّرط والتَّكرار، الخالية من الإيغال في الرّمزية، وتجدُها في معانيه التي تصوّرُ مأساةَ اللاجئين، وتجدُها في أسلوبِه الوجدانيّ، وعاطفتِه الصّادقة، وتجدُها في نَفَسِه الشّعريّ الغنائيّ.

 

  • رحلَ الشَّاعرُ هَارون هَاشم رَشيد، رَحِمَهُ الله، وغفرَ له، وقد أنجبَ ستةً من الأبناء، ربّاهم على التمسّك بالحقّ، والانتماء للقضية، أمّا غَزّة فلا تزالُ تحتَ قصفِ العدوّ المجرم منذُ سنتين، وأمةُ المليارين نائمةٌ على أَسِرّة الرّاحة، غافيةٌ في أحضانِ النّعيم، لاهيةٌ بالقناطير المُقَنْطَرة من الذّهبِ والفضة، كأنّما هذا الجزءُ المباركُ ليس من جَسدِها، قد انتفضَ العالمُ الحرّ لغزةَ وأهلِها، وهي كالعيسِ في البَيداءِ يقتلُها الظّمأ..!

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page