المرأة الغزية..امرأة تولد كل يوم..
أ.شافية بو سكين الجزائر
(سميته “عُبادة” على عُبادة بن الصامت)
هكذا تنعي المرأة الغزية أبناءها الشهداء و في عينيها بريق الفخر و العزة ممزوجا بالدمع ):عبادة/حمزة على عم الرسول صلى الله عليه و سلم/ أحمد على اسم الرسول صلى الله عليه و سلم/ أسامة قائد الجيش)
فحين تلد كل نساء الارض الأطفال، تلد المرأة الغزية الرجال تدفعهم من الرحم إلى الميدان، تنفخ فيهم من روحها فتغرس فيهم رسالات الجهاد و العزة و التضحية و الصمود، لتبعث بهم بطولات الشموخ و الخلود و حب الآخرة، فتدفعهم خنساوات غزة شهداء على الحاضر و الماضي: )و أن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون)
فهذا اسم رسول الله وحب رسول الله و عم رسول الله صلى الله عليه و سلم، و هذا عبادة بن الصامت رضي الله عنه سيد الأنصار من شهد بيعة العقبة فثبت عليها غازيا مع رسول الله فاتحا مع صحابته رضي الله عنهم قاضيا على الشام ثم قاضيا على بيت المقدس و لسان حالها يغرس في روع ابنائها اليقين الذي ليس فيه شك:( و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة و ليتبروا ما علوا تتبيرا)
هكذا تقف المرأة الغزية صامدة كل يوم بين طنين المسيرات الصهيونية (الزنانة) و صخب الطائرات الحربية التي أثقلت السماء و الأرض بما لا تحتملاه من أطنان الصواريخ التي أحالت البنايات رمادا و ما زالت تهوي بشموخ الأبراج إلى الأرض أين يختلط البارود بالاسفلت و أشلاء الشهداء و رائحة الدم بين الركام.
تقف المرأة الغزية شامخة كنخلة من مئات السنوات صامدة في وجه الجوع و الجفاف و القصف و الموت، لم تدمر الصواريخ صمودها و لم تحرق ثمار صبرها و جلدها في وجه الجحيم، فهاهي ترمم روحها كل صباح لتبعث الحياة فيمن حولها من جديد ،تخبز الطحين أو ما استطاعت إليه سبيلا من فتات أو عجين، تحمل في قلبها وجع الأرض و في عينيها ظلال الوجع ممزوجا بالأمل الذي لا ينطفيء بصبر الأنبياء.
هي زوجة الشهيد و أخت الشهيد و الشهيدة، وأم الشهداء و جدة الشهداء و بنت الشهداء! تحمل أشلاءهم ما استطاعت إليها سبيلا أو تبكيهم من وراء الركام! و تمسح دمعتها و تمضي بقلب يكبر بالألم و لا يصدأ لتواجه العالم أمام الكاميرات و في الشاشات بصبر أيوب:(حكيت لابني الشهيد يسلم على أخوه الشهيد!)
يا الله! كيف يحتمل قلب أم هذا الوجع؟ ثم تواصل مسيرتها تزرع في أطفالها حكايات المجد و حب الأرض؟ ثم تدفعهم إلى ميدان الشرف واحدا تلو الآخر لتعود إلى حروبها اليومية تمزج رائحة الخبز برائحة القصف و الدم و دفء الدموع التي لا تجف! دون أن تنسى زرع الكرامة و الصمود و الوفاء فيمن تبقى حولها من أحياء تراهم وقودا للصمود:(بدنا نقدم شهداء و احنا صابرين، و إذا أولادي ما قدروا يرجعوا حقهم أولادهم يرجعوا حقهم بإذن الله) و هكذا تصرح إحدى خنساوات غزة بعد أن دفعت خمسة شهداء و مثلها كثير!
هي امرأة تلد الشهداء و تدفن الشهداء و تكفل اليتامى و تجاهد في الميدان مقاتلة، أو طبيبة تركض بين الأشلاء تجلي الجرحى لتداويهم و قلبها ممزق ينزف وجعا و خوفا و جزعا لكنها لا تلين، فلا وقت لتداوي جراحها و تقاوم خوفها على صغار تركتهم خلفها فكم من آلاء النجار طبيبة يأتيها أكبادها في الأكفان و هي تداوي الجرحى في المستشفيات، و كم من مريم أبو دقة تحمل الكاميرا في يمينها و ابنها في قلبها لتصور الحقيقة و تؤرخ للتاريخ و تسجل بالصوت و الصورة القصة للأجيال كي لا تنسى… لكل امرأة غزية وصية كوصية مريم لابنها و هي تمشي في وجه الموت بين الأشلاء مصرة على الحياة، إما فيها أو في أولادها أو في التاريخ، فعلى أنقاض كل بيت مهدم هناك دوما امرأة تبحث بين الركام عما تبقى لتزرع الحياة من جديد.
المرأة الغزية ليست ضحية مشردة مجوعة مُرَحلة من مكان لمكان، و ليست الثكلى و الأرملة و الفاقدة و الفقيدة فقط، و ليست رقما من بين 12400 شهيدة منذ السابع من أكتوبر فحسب، بل هي مجاهدة على الأرض تولد كل يوم من الرماد لتلد الصمود و تبث الحياة فيمن حولها، فهي الذاكرة العصية على المحو و ركن الوجود العصي على الكسر، و هي التي تصنع بالصورة و الصوت ملاحم الصمود و الصبر و تزرع الحياة كل يوم.
شــافية بوســكين