جمعية العلماء المسلمين الجزائريين-ولاد سي سليمان-تصنع الفارق
من رصاصة النار إلى رصاصة العلم-الأمل المتجدد-
ليلى جوادي
ليس من السهل على الإنسان التصدر لأمر اجتماعي وهو في بداية حياته، خاصة وإن كان الأمر سبقه إليه من هم أكبر منه سنا وأكثر علما ومكانة، لكن في الكثير من الأحيان تكون النتيجة مرضية أكثر مما يتوقعه قبل خوض العمل الذي أقدم عليه.
كان الأمر مماثلا بالنسبة لي حين قررت الخوض في تجربة التدريس والجلوس لإعطاء دروس في جمعيات ونوادي علمية، فقد فكرتُ مرارا وقلت أن الساحة مليئة بمن هم أفضل مني، لكن بعد تجاذب بيني وبين نفسي ومشاورات واستشارات وجدتُ أن تقديم ولو القليل قد يشكل الفارق، وكان النصيب الأكبر من المشورة من حق أساتذتي، وفوجئت بالردود-التي كانت كلها تدعوني للسير قدما في الموضوع- وكان التأثير الأكبر لأستاذي وزوجي بدر الدين زواقة حيث قال:”بأن كلٌّ منا لديه ما يقدم لكن الفرق فقط في التقنيات التي يستخدمها المرسل ومهارة اختياره للجمهور المستقبل”، فعلا شكل كلامه أرضية في نفسي ليس للاعتبار الشخصي بل لمكانته الرصينة وتجاربه الفارقة مع الجمهور، وكان لأساتذتي الجامعيين تأثير كبير حيث شجعتني إحدى أستاذاتي قائلة: “أنت ستتعلمين مع كل درس وحصة، وستخرجين بعد كل درس محملة بأسئلة وأفكار جديدة وستحسين بالفرق بعد كل دورة؛ كيف لا والعلم يزكو بالإنفاق”.
هنا؛ قررتُ أن أبدأ، وكانت البداية مع الفقه المالكي الذي خفت نسيانه مع مرور الوقت وطول الغياب عن دراسته وتدريسه.
حقيقة كان لجمعية العلماء المسلمين فضل عظيم عليّ، فقذ نشطت في المكتب الولائي سنوات، وكان لأحد أساتذتي الذين أخذت العلم والفقه على أيديهم وهو الأستاذ:-عبد الحكيم فرحات- الفضل الكبير في أن أكون على ما أنا عليه اليوم، فقد كانت فكرة الدورات من سنوات مع الأستاذ فرحات في الفقه المالكي بين الجامعة والجمعيات حتى تكونتُ على يديه، ولم يبخل علي يوما بإجاباته وأنا التي كنت كثيرة الأسئلة.
تعرفت أيام الجمعية على فروع ومدارس جمعية العلماء المسلمين في مختلف مناطق باتنة، وهذه الجمعيات الفرعية هي التي أتاحت لي الفرصة في النشاط معها وتقديم الدورات لطالباتها، فقدمت الدورة تلوى الأخرى، وكانت كل دورة أنجح من أختها، سواء في الفقه أو العقيدة أو المنهجية، واستمر الوضع وأنا أتنقل بين النوادي والجمعيات القريبة إلى أن وُجهت لي دعوة من أحد الفروع البعيدة والتي تقع في نقطة من نقاط الظل، في البداية تساءلت كيف ستكون الدورة وهل سأستطيع تقديم الكثير لهم؟ أم أني لو تركتُ المجال لغيري سيكون أفضل؟
لكن إصرار الأستاذ زكرياء بخوش-رئيس جمعية العلماء المسلمين شعبة ولاد سي سليمان- على الدورة جعلني أشد العزم والهمة وأتوكل على الله، وكانت البداية من مدرسة عمار صالحي-قوشبي-التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين-ولاد سي سليمان-.
أول حصة كانت مدهشة بالنسبة لي، فقد كنتُ خائفة من نوع المستقبل-الحضور- هل سيستقبلون كلامي بصدر رحب؟ هل سأحسن التقديم وإيصال المعلومة أم أني سأسقط منذ أول الحصة؟
هنا كانت المفاجأة؛ دخلت المدرسة وكان تصميمها وشكلها يبعث الطمأنينة والراحة في النفس، التقيتُ بالأستاذات والقائمة على المدرسة الأستاذةم.شفازدادت الراحة، ثم دخلتُ القاعة وصدمتُ من العدد: خمس وستون امرأة جالسة تنتظر، دخلت، بدأت وانسجمت معهن وهن كذلك، انتهت الحصة الأولى بنجاح، وقلت في نفسي غدا سيتناقص العدد لأن الناس لا تصبر على العلم خاصة إن كانت حصص متتالية من تقديم نفس الأستاذ، لكني تفاجأت في اليوم الثاني بازدياد العدد حتى وصل تسع وسبعون طالبة، نعم؛ عدد كبير، وما شدّ انتباهي هو تركيزهن وأسئلتهن ومحاوراتهن، فلم أتخيل هذا الشغف للعلم، خاصة أني كنت إذا قلت لهن: نتوقف أم نكمل؟ يجبن بصوت واحد: نكمل.
كانت دورة ناجحة بامتياز، لمستُ في الحاضرات الطيبة والفطرة السليمة وحب العلم وحب الله، نعم؛ لن أقول الكلمة المشهورة: الخوف من الله، لأن الخوف قد يجعل الإنسان لا يكذب، لا يسرق، لا يأت الفواحش والمنكرات؛ لكن الحب يجعله يحب الاستزادة ولا يمل من الجلوس في حلق العلم وإن طالت، وهذا ما لمسته في هؤلاء النسوة، فكان من بينهن الكبيرة والمريضة والحامل، والتي في حجرها طفل صغير، والتي تقول عندي ضيوف واستأذنتهم، والتي تقول من المفترض أن أحضر اليوم عرسا وأجلت المباركة بعد الحصة لأن طلب العلم أولى.
في زمن أصبحت الجامعات خاوية على عروشها، اكتظت الجمعيات بطلبة العلم، وما حضرته في هذه المدرسة-قوشبي-ذكّرني فقط بما قرأته في الكتب من حب الناس للعلم، أظن وحسب قراءتي الأولية للمنطقة أن أسباب حب أهلها للعلم كثيرة، منها:
-الفطرة السليمة.
-الإسلام الصحيح.
-البعد عن ضوضاء المدن.
-دور المربين والجمعية الواضح في المنطقة.
انتهت الدورة الأولى وكانت الأصداء تقول بأن الحاضرات استفدن من الحصص، تلقيت الكثير من الرسائل، فكرت أن بعضها مجاملات، إلى أن اتصلت بي المسؤولة عن مدرسة عمار صالحي-قوشبي- تخبرني أن الطالبات جد سعيدات ويطالبن بدورات أخر وأرسلت لي نماذج من الرسائل، ولم يطل الزمن تواصل معي رئيس الجمعية-ولاد سي سليمان-يخبرني أن الأصداء لم تكن متوقعة وأن النساء جد سعيدات وأن اللواتي لم يحضرن يطالبن بدورة في المقر.
بعد مدة تكررت الطلبات، ما جعلنا نقرر تخصيص أسبوع من عطلة الشتاء لتدريس الفقه للنساء في مقر جمعية العلماء شعبة ولاد سي سليمان، وكان المقرر هو: متن الأخضري، وفعلا: بدأنا الدورة، وكانت البداية ب خمس وسبعونطالبة وتزايد العدد إلى أن وصل مائة وثلاثون حاضرة.
لا أظن أن العدد هيّن أو جاء من فراغ، بل كما قلت في الأسطر السابقة، حب العلم، بل أكثر: إنه التعطش للعلم، نعم: فالساحة النسائية فارغة نسبيا مقارنة بالساحة الرجالية التي تحظى منذ القديم بدروس مسجديةبين المغرب والعشاء وبين العصر والمغرب، إضافة إلى دروس وخطب الجمعة، أعلم أنه سيقول قائل أن المساجد مفتوحة للنساء، أقول أن الدروس المخصصة للرجال أكثر، أما درس وخطبة الجمعة فهي تجلس مستمعة لا تستطيع النقاش ولا السؤال، وهذا مقصدي من الدورات والدروس: فتح المجال للمرأة أن تسأل كل ما يجول في خاطرها، لاحظت أن النساء أغلبهن -لا أقول الكل- لا يعرف من الأحكام التكليفية سوى الحلال والحرام ولا يعرفن المندوب والمكروه مثلا إلا القلة وهذا ما ضيق عليهن دائرة الشرع رغم اتساعها، مع العلم أن الدورتين اللتين ذكرتهما في ولاد سي سليمان سواء في الجمعية أو المدرسة حضرها جمهور مختلف ومتنوع: حضرت الماكثة في البيت والأستاذة وأستاذة القرآن الكريم والإدارية والطبيبة؛ تنوع في الحضور، لكن الثقافة الدينية غير موجودة بالشكل الكافي، قد يعترض أحد ويقول وهل الدين ثقافة؟ أقول: الدين أحكام تكليفية وتعبدية، وهو عقيدة وشريعة، وفيه المعلوم من الدين بالضرورة، وما يجب على المكلف، وهناك ما لا يصلح إلا للمجتهد والكثير مما يجب على من يجلس يعلم الناس، وهناك خيط رفيع يجمع بين كل ذلك يتجلى في مرونة الانتقال بين كل ما ذكر وهذا ما يصنع الثقافة الدينية اللينة التي لا تقتصر على الحلال والحرام بل تجعل النطاق أوسع والدائرة أشمل حتى يتنقل الإنسان بحرية دون أن يكون الراعي الذي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالثقافة الدينية حصن متين للإنسان من الوقوع في المنهي عنه، وبالعودة للمرأة أقول: أنها بحاجة إلى تكثيف الدروس لها، كيف لا وهي نصف المجتمع وتلد وتربي النصف الآخر، ومن وجهة نظري البسيطة أنه حان الوقت لاستعادة مشروع عبد الحميد ابن باديس التعليمي الذي لم يتوقف يوما، لكن استعادته بقوة مع الجانب الثاني منه وهو التركيز على المرأة وتدريسها، لا أقصد الدراسة الجامعية مثلا فالنساء اليوم أغلبهن جامعيات، لكن أقصد العلوم الشرعية والكونية، لذلك في تصوري المشروع وحده لن ينجح ما لم نقرنه بالمشروع الفكري لمالك بن نبي لأنه مما يقتضيه واجب الوقت، وفي حقيقة الأمر أنا سعيدة وأنا أكتب هذه الكلمات وأطلب إنشاء مشروع بين وتدين من أوتاد العلم في الجزائر: عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي.
الانطلاقة من الجامعات من الواجب بمكان؛ لكن أظن مع الفراغ النسبي الذي تعاني منه الجامعة مؤخرا يجب التركيز أكثر على التعليمالجمعوي وعلى الشق النسوي أكثر، فإن صلح هذا الجانب وجدنا بعد سنوات من الآن الجامعات مكتظة بالأبناء الذين ربتهم هؤلاء النسوة الموجودة اليوم في الجمعيات ينتظرن فقط مد يد العون من الأساتذة والأستاذات حتى ينتجن جيلا لطالما حلم به ابن باديس ومالك بن نبي وكل من مرّ على هذا الوطن وهو يفكر ويتساءل: من أين نبدأ ولم يجد أو لم يوفق أو لم يصل.
ربما حان الوقت لإطلاق رصاصة أخرى من جبال الأوراس، لكنها ليست رصاصة الحرب إنما هي رصاصة العلم، وكلي تفاؤل بأن يكون صدى الثانية كصدى الأولى ولم لا نكون نحن المجاهدون في جبال المدارس والمرابطون الحضاريون والفرق الوحيد أننا لن نكون شهداء دم بل سنكون شاهدين على قيام حضارة جديدة تنطلق أول رصاصتها من جبال الأوراس، حتى إن لم تكن من الأوراس قد تكون من أي حاضرة من حواضر العلم، فبلادنا منتجة ولادة وأصداء العلم والعمل تصلنا من كل مكان، يدا بيد نبدأ مشروع التغيير وربما يكون هذا عصر التجديد وعودة الأمة لما كان عليها سلفها أمثال: ابن رشد وابن سينا والكاشاني وابن خلدون وغيرهم.