مقدمة – المجتمع الاستهلاكي أو ما بعد المجتمع – : في سبره للطبقات الجيولوجية،المتراصة في بنية الحضارة المعاصرة،يخلص الفحص النقدي للثقافة الفلسفية الغربية جملة،إلى إدراك مكونها الأصلي،فإذا بها حضارة لذة غايتها هيالإشباع [1]،تكثيرا واستهلاكا.فلننظر في ميراث هذاالمنجز،فنلفاه قد تحدد قديما عرفا إنسانيا،في عمودين أساسيين؛ بهما يتم إدراك طبيعة هذا المكونوهما:
الأول: معرفي يأخذ أنموذجه من مقولة سفسطائية،ترتب مدارك المعرفة البشرية وتوجهها”الإنسان مقياس الأشياء جميعا الموجود منها واللاموجود”،هي مقولة فاصلة في شأن مصدرية المعرفة؛ التي تكون مستحيلة خارج حدود المدرك البشري،وبالنسبة للوي لافيل،تعدهذه المقولة المحدد لطبيعة عصر النهضة،والمهيمن على توجهاتها[2].
وأما الثاني:فقد اعتبر الغاية الأبيقورية هي غاية كل حياة؛ لذلك يعتبر ماركس أبيقور،أكبر الملحدين الذين حرروا الروح البشريةمن فتنة الدينحينما جمع بين مادية الديموقريطس ومنطق اللذة كمحرك أساسي لفعل الحياة[3].ولا مراء أن في تشاكل المعرفة الحسية مع غائية اللذة،يمكن وعي خاصيتين مركزيين في بنية الأنموذج الحداثي،هما :تحول الإنسان إلى وسيلةمادة استعمالية،تنتفي عنها كل مقصدية أخلاقية؛ ما ألحق به معطى أساسي وهو الذئبية،كنواة للطبيعة البشرية،ولا يمكن فقه مسعاها إلا إذا اعتبر المُدّْرِكُ النظرة الأولى،بوصفها نظرة مناوأة واستفزاز ثم مخاصمة تثير الصراع.[4]
هكذا تزاوجت الحسية مع الرغبةفي إطار فلسفة الاستحواذ؛ التي ترجحهاحالة الصراع المتضمنة في مفهوم الذئبية،لذلك سيطرت في المجتمع الحديثالنزعة النووية شيئا فشيئا،والتي تعني الانقسام في الجسد المجتمعي وانشطاره إلى وحدات فردية معزولة.والحق أن هذا يعدأمراطبيعيا،؛ فالوسيلة التي تبررها الغاية تقود مباشرة إلى نزعة أنانية،وتفرض الوضع التعاقديبدلا من الوضع التراحمي؛ فتتشكل الحقوق على التعاقدوليس على التراحمبما فيها ميثاق حقوق الإنسان؛ بوصفه علاجا لأزمة الوسيلية. بيد أنه أمعن في حراسة النوويةوتطويرها بحثا عن فتوح الفردانية،ومن ثمة زيادة الاستهلاك في سبيل الانتشاء الأبدي للذات. لقد نتجتعقب ذلك أزمة عميقة؛ يدلل عليها الظرف البشري كما يتبدى في بداية العشرية الثالثة من هذا القرن.
لا ريب أن المنظور النقدي لمدرسة فرانكفورت قدفتح الأفق المعرفية بطبيعة المجتمع الحديث؛ فقد تَوَثَنَ كل شيء مشكلا صنمية ثابتة،وعبادة شكلانية لمعقول له قدرة لا تفنى في تقديم كل تفسير ومكتفيا بذاته له أولوية الاختبار، ولكنهمن باب أولى ترادف الأداتية، فتشيأ العالم وتجمد المعنى لينتهي مغادرا،وهو أمر راجح منذ البدء،فما يحد أفق النظر هو شهادة الحواس والاغتراف من اللذة إلى حد التخمة؛ تلك هيالطبقات الدفينة المتراكبةالتي طَبَّعَتْ الإنسان على النظر إلى أناه بوصفها محور وجوده،ولتجعل منه متفردالا يحضر الآخر في محيطه إلا بوصفه مكملا،ومن ثمة النشوء التدريجي للفردانية؛ بوصفها المحرك لما يصطلح مجتمع الاستهلاك،وقد مكنت له هجرة الأيادي الخفية إلى مواقع العالم السيادةوجعلته العولمة علامة وجودها البارز.
يدلل الاستهلاك على البعد الواحد؛ الذي يميز الإنسان الحديث،كما ويفسر أشكال الأداء القياميالذي صُرِفَتْ فيه الجهودمن حروب أهلكت الحرث والنسل،وطغيان بشري متفرد في التاريخوزع المآسي في كل الأنحاء،عبر المشروع الكولونياليوما بعده،ثم في فساد للطبيعةيوشك أن يقضي على الحياة. أضف إلى ذلكفهو يفسر أيضاكيف تحول المعنى إلى وسيلة استعمالية؛ بما فيها قيم القوامة البشرية،ونعني بها الأسرة رباط اللحمة المجتمعية.فهل بقي من حديث عن أسرة تحتكم إلى التعاقد بدل قيم الرحمة اللاحمة للعلاقات البشرية؟ما هي سوسيولوجيا الأسرة في مجتمع الإنسان ذي البعد الواحد؟وهل توجد أسرة بشرية وعضوها ذو بعد واحد؟خاصة وأن العلاقات المتحكمة في نسيجهاهي علاقات تعاقدية،بينما في أصل الأسرة الإنسانيةتكون العلاقات تساكنيةوتراحمية؟ لتعم الرحمة المجتمع زرعا للغيرية.
يفسر هذا الانتقال في طبيعة الأسرة الإنسانية من العلاقات التراحمية إلى العلاقات التعاقديةأشكال الأسر التي ظهرت بفعل الانفجار النووي للفردانية.ونعني بها الأسرة الحديثة؛ التي احتكمت إلى الواجب بصيغته العلمانية،حيث أصبح الواجب العقلي حاكما رئيسا؛ يوجه العلاقات داخل الأسرة،[5]وتجدر الإشارة إلى هذه الحالة هي بداية الترهل الأول؛ الذي قاد نحو الشكل الثاني من الأسر،ونعني به الأسرة المابعد حداثية التي لم تعد تحتكم إلى الواجب العقلي الذي فرضه عقد الزواج المدني،إنما يكون الهوى هو مسيرها،فكلٌ تحكمه الرغبة في إطار إكمال حركة الإيروس كغاية فردية خالصة؛ ما يعني موت المعنى المهيمن على العلاقات البشرية،ليغدو الحب الجسدي المسير الرئيس لها.وإذن ما هي طبيعة المجتمع الذي يُنْسَجُ من هذه العلاقات وينبني عليها؟وهل يمكن توصيفه بالمجتمع؟خاصة أن حركة الحياة المجتمعيةتسري في دروب نيل الحظوظ العاجلة والمستعجلة.
كما يفسر هذا الانتقال ذلك التوسيل الذي تمارسه التطبيقات البيوتكنولوجية في مجال الأسرة؛ كالتلقيح الاصطناعي والأم البديلة،وهلم جرامن الممارسات الأداتية الطارئةإمعانا في النووية وتفتيتا للعلاقات المجتمعية.فهل بقي من حديث في مجتمع الاستهلاك المفرطعن أسرة تؤدي واجباتها من باب التراحم؟بل ماذا بقي من أسرة بعدما تطورت طبيعة الجنسانية وتبدلت؟فلم يعد الزواج لقاءبين ذكر وأنثىبناء على عقد غليظ؛ يثبت الحقوق من باب الواجب التراحمي،فلقدتعددت أشكاله وانشطرت،فَفُقِدَتْ ماهيته وانتهت وظائفه،ثم ما مصير الأسرةبعدما أصبحت البيوتكنولوجيا في خدمة هذه الأسر المنبثقةعن العلاقات الإيروسية المجردة من القيمة الأخلاقية؟
ينقلنا تحليل جيل لوبفتسكيإلى فضاء سوسيولوجيا ما بعد الحداثة،أو الإفراط في الحداثة؛ حيث تم التكامل بين الفردانية وطاقة الاستهلاك،ليولدإنسان هويته الأصلية هي الاستهلاك؛ ممعنا في تكثير الأشياء واقتنائها ثم تدويرهاإلى أن تشكل بوصفه مستهلكا شديد الاستهلاك[6]،لذلك سيخترق عين الإنسان ،حجب الاستهلاك الجنسي،وتتحول الأسرة في مدارج الزمن السوسيولوجيمن نسق اجتماعي حاكم على سلوك الأفراد،إلى مطلب هيدوني؛ يتنازعه حب البقاء ونيل لأكبر قسط من اللذة. هنا اقتضب مفهوم الأسرة،وتوارى بعدما تمكن منهالتعاقد،متكاثفا مع الهوى،وهو الأصل الذي تولدت عنه الأسرة المابعد حداثية؛ التي تعددت أشكالها وتنوعت،حسب مطلب النزعة الإيروسية: زنا ،مخادنة، وسفاحا .
والحق أنها عملية تحول حثيثة متكاثفة،لا تجد لها مقاومة،بفعل المد اللامتناهي للحقوق على حساب الواجبات،وقد تكفلت بحراستها القانونية أجيال منحقوق الإنسان بوصفها ميثاقا؛ يرجح الحق في الحرية على استقامة الفطرة البشرية،وعليه اقتضب الواجب وزادت مساحة الحقوق؛ لتنمو من جيل إلى جيل من أجيال هذه الحقوق ،حتى أصبحت الحرية الفردية حاكمة على الحقوق،تزيد في تشعب الهوى والحظوظ العاجلة.
من باب آخر؛ فصلت صيرورة التحرربين الفضيلة والجنس،ونقلته من كونه عنصرا وسيليا مكونافي سبيل علاقة جامعة بين المرأة والرجلمثمرة للقيم التلاحميةالعاضدة للأسرةإلى اعتباره غاية في حد ذاته،في زمان الفردانية التي ترجحها العلمانية الشاملة[7]،والأمر هكذا سيتكفل الجنسبالإشباع الإيروسي الخالص. وعليه فلا يهم ما بعد الجنس،لذلك نمت أشكال من الأسر الغريبة: الأم العازبة،ثم أم عازبة تلقح نفسها من بنوك النطاف،أسرة مثلية يتم فيها التلقيح الاصطناعي،والحصول على طفل يصير فيه الرجل أما أو المرأة أبا!
تكون نتيجة إعلاء الجنس على معنى الأسرة،هي فناء لقيم المودة والرحمة،كمعنى نهائي لاحم للعلاقات وثمرة لهامرجحا لشرعية وجود الأسرة الإنسانية،ثم حلول مجرد التلذذ الجنسي،كعلاقة تعاقدية إشباعية.ولأن الأسرة الإنسانية يدوم بقاؤهاارتكازا على المعاني والقيم،فهل تبنى الأسرة على مجرد الحب الغريزي؟وقد غدا الجنس موضوعا للاستهلاكالجماعي[8]،يرى في هتك للحياء مبثوث في صفحات المجلات،وصور تتردد على الشاشات،وفي عالم افتراضي قضى على القيم الأخلاقية التي تعارفت عليها الإنسانية.
في زمان موت المعنى،ونهاية الأخلاق،وأفول الواجب بصيغتيه،الدينية والعقلية،تكون الصيرورة التاريخيةقد أنجزت مرحلة من مراحل نهاية الإنسان؛ مبشرة بموت المجتمع. ويتبدى ذلك جليافي الأسرة المابعد حداثية أو قل الهيدونية؛ التي تعد دلالة على مغادرة القيمة أرجاء الوجود.والحق أن الأزمة تتفاقم،وقد تكفلت الديمقراطية بطبعنة هذه الصيغ الهيدونية،وترسيم أشكالها؛ باعتبارها أشكالا طبيعية،تعبر عن الحق الإنساني،وحرية خاصة تكفل حق الأفراد.فهل هي نهاية المجتمع الذي تؤلف هذه الأسر لبنته المؤسسة؟
تثير هجرة الأنموذج السوسيولوجي الغربي إلى مناحي الدنيا الخوف والتوجس من عملية الطبعنة المستمرة له داخل البنى الاجتماعية الإنسانية،كما هي تجري حثيثة في عوالم الهامش،وقد شكلتها الكولونيالية وما بعدها،وأعادت صياغتها؛ انطلاقا من مسلمة التوجه البشري نحو التقدم.
لقد شاهدنا كيف هاجرت الأسرة الحداثيةإلى عوالم الهامش ومنها العالمين العربي والإسلامي؛ حيث تحولت العلاقات الإنسانية في الأسرةمن علاقات تراحم إلى علاقات تعاقد.فما مدى تمكن الشكل الهيدوني للأسرةمن النسيج المجتمعي الإسلامي؟خاصة في إطار الدولة الوطنية الحديثة ما بعد الكولونيالية؛ التي هي طبعنة للأنموذج الحديث،سواء في ترويج للاقتصاد الاستهلاكي،أو للعلمانية ومنظومتها القانونية.ثم إلى أي مدى تستمر الشريعةفي حوكمة الأسرة تحت هيمنة واقع الحداثة؟خاصة أن المقاومة شديدة بين الشريعة وواقع الحداثة الغربيةليسري عبر عملية التحديث المستمرة،وقد بدا للفئات المستغربةأن الحداثة تمثل الحل الرئيس لأزمات الواقعالناتج أصلا من نزع التقاليد بوسيلة قوة غير مفهومةمن قبل طوفان الحداثة اللامعقول. فهل تتطور الحياة الفردية والمجتمعية في العالمين العربي والإسلامي باقتلاعلجذورهما الأنثربولوجية؟ما هي فائدة التحديث غير المدروس المجهول العواقب؟وما هي الآليات القمينةبالمحافظة على الأسرة المسلمة من الاندثار الهيدوني؟المحمول في طيات الأنموذج الاستهلاكي الشديد الانتشار،عبر وسائل الإعلام التي تذكي الرغبة وتدعو إلى صياغة الحياة جملة وفق مطالبها.
أولا-الفردانية نواة الوجود-أزمة الغيرية واقتضاب المسؤولية-:تعد الفردانية هي الشكل الناظم للمجتمع المعاصر،وإن اتخذت لها مراتب ووجوه تتعدد وفق المتغير الثقافي؛ ففي غرة الحداثة تآلفت الفردانية مع العقلانية ترشيدا؛ تقودها أيديولوجيات التقدم. بيد أن هذه القيادة فترت وتراختبزوال هذا الترشيد العقلاني مع سقوط الأيديولوجيات التقدمية المحفزة للحركة التاريخية الغربية،وقد تمظهرت في التنوير والحداثة،ثم ترتخي نحو الإفراط لتتمظهر فيما بعد الحداثة.
ستشهد المفاهيم تحولات،وإعادة صياغة لمضامينها في ما بعد الحداثة ليعتبرها زيجمونتباوماننقلة من الصلابة إلى السيولة[9]،فإذا كانت الفردانية الحديثة،تلتحم مع مفهوم الواجب،فإن الفردانية ما بعد الحديثة ستسري فيما بعد الواجب،مشروطة بفضاء هيدوني[10]،ليعلي الظرف الإيروسي للذات على القيم التي مثلت صلابة المسعى،لم يعد هناك من مقصد إلا الإشباع الهيدوني؛ الذي فرض سلطة الأناعلى توجيه الخيارات الإنسانية كلية وتوزعت المعاني لتصقل حسب إرادة الأنا.
والحق أن هذه الصيرورةقد رجحها الإمعان في اللبيرالية التي تصاعدت بوتيرة هندسية،مركزة على المسعى الذاتي إعلاء للأنا على الآخر،فما يعني الأفراد هو توسيع مكتسبات الحريةتحت توجيه نزعة الاستهلاك المتحكمة وثقافة الميديا؛ التي تعد معينا للقيم الفردية،وموجهةللسلوكات،الأمر الذي استوجبإعادة صياغة للهيكل الأكسيولوجي؛ الذي فقد كل ترجيح،تؤكده حالة من النسبية واللايقين[11]،تعم كل الدروب و الفضاءات.
لم تعد الغايات الإنسانية لتجري في إطار النزعة المجتمعية،حيث المحرك الأخلاقي الموقوف على الغيرية،فقد تم استبدال المجتمع بأسبقية الفرد،وبعلو الأنا على الآخر الذي يجب أن يسري في فلكها،أما امتداد الخيرات فموقوف على مكتسبات الأنا،التي تتحلق حولها نتائج العملية الأخلاقية.ويبدو أن الثنائيةبين الفرد والمجتمع لها قاعدتها الأركيولوجيةداخل الإطار التاريخي الغربي الموقوف على انقلاب معرفي،يبدأ من الإنسان وينتهي إليه،ويمكن من معيارية إنسانيةتقتضي الشك واللايقين في كل مبادرة معرفية.
لقد تشكل الكوجيتو في فراغ الشك؛ فكانتالأنا وحدها هي نواة الحقيقة.فعلى الرغم من أن نهاية الكوجيتو،تقر أنالإله حامل القيمة الوحيد،وهو مرجح مشروعيتها،غير أن هذا الإلهسيُلْحَقُ كمقتضى لازم عن الأنا الذي يفكر في الوجود. ستستمر الأنا متفردةفي اختبار المعرفة والاستدلال على الوجود،الأمر الذي أعجز ديكارتعن تأسيس أخلاق عقلانيةتواكب مراحل الشك والبرهان؛فإذن يكون لازما على الشاكتقصي الأعراف والتقاليد،وقوانين البلد الذي يعيش فيه[12]،حماية لنفسه من الاندثار في عدمية المرحلة الشكية،وهي معضلة تسائل جدوى الشك وحدودهفي كل استشراف معرفي.
هكذا يبقى حامل القيم مجالا للفراغ والصمت،وسيتسع مع نمو الكوجيتو،ثم احتلاله للنقطة المركزية في الحضارة الغربيةمتشظيا إلى أشكال من الكوجيتوهات؛ تحركها أزمة اللايقين والنسبية التي تتآكل معها القيم إلى حد اللاتعيين،وهنا تجد الفردانية نسقها وتربة نموها؛ لتؤلف مرتكز القيم المختارة،وتتجلى في تصادم بين معايير المجتمع ومعايير الفرد؛ الذي يحمي نفسه من أثر التوجيه عبر قيمتي الحرية والمساواة.
يسترشد التنوير بما اعتبره كانط استقلالية الشخص،ويفسر الثلاثي الجامع:الحرية العقل،والرشد نهاية الوصاية[13]،وانطلاق الإنسان الشخص ممثلا لذاته؛ يحكمه الواجب بوصفه إلزاما ذاتيا،ليس له غاية إلا احترامالذاتدون رعاية من قيم خارج الذات؛ الأمر الذي خلق نووية أخلاقيةتنتفي معها التقاليد،ويتمركز الشخص حول الواجب؛ الذي أنشأ أخلاقية أوتوماتيكية؛ تلتزم بالأداء ولا تعنيها النتيجة.ولا مراء أن هذه الأخلاقية عمقت الفردانية،ومكنت من التشخصن ووسعت أطر الحريةإلى المجال اللامحدود،إلى حد تناقض الواجب مع مضمون الفضيلة،يتبين ذلك في الأساليب التي أدتها الأنظمة الشمولية في سبيل طاعة الواجب كالنازية التي هي أداء واجب اتجاه الأمة الجرمانية.
الحاصل أن تآكل المنظومة الأخلاقية الاجتماعية؛ أحدث إقصاءً للمجتمعي وتوسع مفرط للفردي؛ لتتفكك الروابط الاجتماعية وذوبان لمعنى الإلزام اتجاه الآخر،وبالنظر إلى تباعد المسافات بين الذواتتصبح القيم رهينة قيمتين تعتبرهما الفردانية نواة الحركة الأخلاقية. وهما :الحرية والمساواة كحامل للاستقلالية والتشخصن،فهل من قيم مجتمعيةقد تثمر في ظل هيمنة الفردانيةواتخاذه السبق؟
يبدو السؤال عن القيم المجتمعيةفي ظل الهيمنة الفرديةسؤالا إشكاليا، بل وجود المجتمع في حد ذاتهيعد أمرا مسؤولا عنه،؛ إذ الخاصية الملازمة للوضع الفرداني هو تفكك العلاقات،ومحورية الذات التي تحتل المركز وتنتهي إلى أسبقية ضرورية يكون فيها الآخر فضاء للتبعية وليس للمشاركة. وفي هذا السياق نفسر الحملة الإمبريالية على العالم،حيث كان البشر تبعا يجب إفناؤه من أجل بقاء المجتمع الغربي،وفسح المجال أمامه كسبا لمزيد من الاستيلاء،في سبيل الكسب الاستهلاكي المتزايد.وآية ذلك أن سلطة الأنا تميزت بالاتساععلى شاكلة النقطة الزلزالية؛انطلقت من الأسرة نحو المجتمع أما انتقالها إلى العالم كافة،فتجلت في سردية التفوق الأبيضالذي أنتج ثنائية المُسْتَعْمِرْوالمُسْتْعْمَرْ.
في لقاء الفردانية بالاستهلاكيمتد منطق الجدارة الإنتاجية،كمحرك اقتصادي صميمينحو استولادمجتمعي آخر في نطاق النظام الرأسمالي،هو مجتمع تحكمه التعاقدية المادية؛حيث يكون معيار قوة الفرد الإنتاجيةفوقية استراتيجية ناظمة للعلاقات المجتمعية. بهذا اتسعت مساحة الاستقلالية الفردية؛ لتكون العلاقات بين أفراد الأسرة علاقات تعاقدية؛ تتساوى مع العلاقات الإنتاجية وتؤديهافي هذا المضمار،يدفع مثلا الآباء أقساطاإلى شركات التأمينللتكفل بهم في مرحلة الشيخوخة؛ فيكون من الراجح التخلص من الشيوخ،وجمعهم في غيتوهات يصطلح عليها بيوت التقاعد،أمر بالغ البداهة بما أن الاستهلاك،يعد محركا مركزياللعلاقات البشرية.كما تدفع الزوجة قسطا من مداخلها كمشاركة في البيت. أما في حالة بلوغ الأبناء مرحلة الرشدحفعليهم هم أيضا دفع الأقساط وتكاليف المعيشة،وهي عملية كبرىلفرض التعاقد كمحرك أساسي لحركة المجتمع الذي تحول فيه الأفراد إلى وسائل.
هكذا تفككت الواجبات الأسريةلتنزع مثلا عن الرجل القوامة،بعدما استقلت المرأة اقتصاديا.خاصة وأن الفردانية تحيط نفسها بقيم تعزز وجودها في تحولها النسقي؛ إذ تتوسع الفردانيةعبر قيمتين هما: الحرية والمساواة،ولا مراء أن هاتين القيمتين ستمد في مساحة الفردانيةنيلالمزيد من الحقوق،لتراهن على حصر القيم الإنسانيةفي مساندة الحقوق الذاتية وتكثيرها،ركيزة ذلك هي العلاقات التعاقدية التيتنتفي عنها الحالة التراحمية التي تعد بحق اللحمة الضرورية للبنية المجتمعية.
أحد الميزات الأكثر وضوحا،فيما يخص قدوم الأزمنة الحديثة،هو سرعة التغيير،إذ تترجح قيما مجتمعية في كل مرحلة من مراحل التحول،لذلك كان أبرز تمفصل مكن من الميلاد الأول للفردانية،هو خروج الفرد من وصاية الدين. وهي الخطوة الأولى على درب تراكم المرحلي،الذي أحدث القطيعة مع المجتمع التقليدي،وسارع مستقدما المجتمع الحديثالذي هو مجتمع علماني،ترتسم فيه معالم العلمانية عميقة لتؤهله في كل مرحلة لمزيد من فسخ العقد الأخلاقيإلى أن حل المجتمع ما بعد الحديثالذي يمثل بحق نهاية المجتمعي .
ويعد النظام الاقتصادي،أهم الفواعل التي فسحت المجال نيلا للتحرر الفردي المفرط؛ فبواسطته تتمكن استقلالية وحرية الأفراد،ويتسع مداها لتبتلع العلاقات المجتمعية،وهو ما عمل آلان تورين على مقاربته في تحليله السوسيولوجيلتغير المجتمعات الغربية،وتقلبها أطوارا من المجتمعية إلى الفردانية،هي حالة تتململ فيها المعايير متضاربة، لحد التفتق والانهيار،لذا نجده يقول”لكن كل ما نعيشه لا يشكل انهيار قصر رملي،بل انحلال سياسية اجتماعية مركزة على المجتمع،على وظائفه وتكامله. لقد دخلنا كلنا المعبر؛ الذي يقوم من مجتمع مؤسس على ذاته،إلى توليد الذات انطلاقا من الأفراد بمساعدة مؤسسات أدركها التحول والتغير،وهذا معنى نهاية الاجتماعي؛ التي أتحدث عنها في هذا السياق”[14].
ولأن الأنموذج الغربي عبر توسعه المذهل،وأوربته للذات البشرية،يثير السؤال عن تردد هذا التفكك الاجتماعي،الذي يقتضيه،وبالتالي وزوال أنظمة تقليدية لها قوتها في اللحمة الاجتماعية،حيث تتغلغل من خلالها قيم التراحم وتزيد في رص العلاقات البشرية. هذاالتردد ما فتئ يتوسع دوما بتأثير التحديث القسري،الذي تنشره الأيادي الخفية نيلا لمزيد من الأسواق ،فسحا لمجال الاستهلاك تكثيرا واستنزافا للثروات،وفي نهاية تقويض الطبيعي سواء في مجال البيئة أو المجتمع.
أطرت الحداثة بأيديولوجية العقلانية،في سبيل إنشاء مجتمععماده الواجب،ومن ثمةالتعاقد كحركة آلية،تنتهيإلى هدم الهرمية التي تسير المجتمع التقليدي،لذلك ما كان يحكم المجتمع ويحافظ على وجود الأسرة بتركيبتها الحديثة،هي قيم العقلانية والأيديولوجيافي إطار الدولة المدنيةالمؤسسة على العقد الاجتماعي،فسيبقى المجتمع مسنودا إلى سلطتها المطلقة،وتتكفل هذه السلطة بحماية الفرد والأسرة؛ بوصفها مجموع أفراد يحكمهم عقد اجتماعي،هو عقد الزواج المدني،وقوانين تنظم الهيئة التعاقدية التي تربط نظام الأسرة بالدولة المدنية؛ التي عليها برمجة القوانين وفق واقع الحال.
وعموما كانت الحداثة مرحلة قطيعة مع التقاليد،تكفلت بحرية الفرد واستقلاليته،وثبتت المساواة على جميع الأصعدة،وهي من مكتسبات الحداثة،وإليها يعود الفعل الديناميكي للحضارة الغربية ككل. لكن السؤال عن طبيعة الحرية والنتائج المجتمعية التي حصلتها هذه القيمسيحفر في أصل الأزمات الإنسانية؛ التي تلاحقت دون هوادة.
ثانيا–القلق الأنثوي-المرأة ومطلب التذكور-:ارتهن مطلب التحديثبخطوة فاصلة تمثلت في تحرير المرأة من شبكة العلاقات الاجتماعية المهمينة؛ لذلك حركت النسوية المجال الليبرالي طلبا ثوريالنيل المزيد من المكتسبات. وقد ارتكز أهمها على المساواة بين المرأة والرجل،وكأن الحق الذي تطلبه المرأة هو حقها في الذكورة لا يزيد عن ذلك،فما كان لها إلا أن تمثلت بما يفعله الرجال مطلبا مركزيا؛ إذ النهايات التي حققها خطاب النسويةيدل على شعور الأنثى بنقص اتجاه الذكر،ولن يكون كمالها المرجو،إلا إذا تمثلت نسخته كما هي،ما جعلها تدخل في صيرورة من الاسترقاقجعل منها مبتذلة وسلعة للبيع والشراء.
ستستمر حركة تحرر المرأة فيالمطالب بفسخ قيود المجتمععلى الأنثى إلى حد تفكيك أواصر العقد الغليظ،الذي يجب أن يكون بين المرأة والرجلفي سبيل بناء الأسرة؛ فاتخذت هذه الأسرة أشكالاإلى أن صارت أسرة مابعد حداثية تعني مجرد الفردانية وحراستها. ولا تؤدي البتة غاية اجتماعية،أسرة يحكمها الحظ متمكنا من بنيتها،وليس الواجب كما كان الحال في الأسرة الحداثية.فما دور موجات التحرر النسوي في إفناء قيم الأسرةلتتخذالشكل الفرداني حيث لا رابط بين أعضائها؟
في البدء اقتصرت حركة تحرير المرأةعلى تغيير واقعها الاجتماعي،حسب منطلقات الحداثةمن تحرير الإنسان و نيل لحقوق المواطنة في ظل الدولة المدنية.وإثر هذا النضال المؤدى،نالت المرأة بعض الحقوق العامة التي نالها الرجل،وتأكيد المساواة في الحق والنضالمن أجل نيل مكتسبات أخرى. بعد ذلك تجاوزت المرأة المطالبة بالحقوق،توجهت نحو إعادة تشكيل الصورة الثقافية للمرأة،وفي فحص مسار النضال المؤدى،تبدو حركة تحررالمرأةتتجه إلى وضع الأنوثة مقابل الذكورة،ليس تميزا بل لبسا للبوس الذكورة،لذلك يحتدم الصراع في سبيل أن تتزين المرأة بزي الذكورة في كل شيءإلى حد مطالبتها بحق إلحاق أولادها باسمها.
وهكذا انحصر مطلب النسويةفي صياغة الأنوثة وفق الصورة الذكورية؛ طلبا لتماهي بين الأنثى والذكر،على الرغم من أنها تنافح من أجل فك الصلة بهذه الصورة،فهي تطلب التمثل بها وصولا إلى قيمتها.ففي البدء احتكمت فلسفة النسوية إلى ما يسمى نيل الحقوق دفاعا عن الحرية والاستقلالية،لكنها لم تشأ أن طورت خطابا،ينفي عن المرأة الأنوثة الطبيعية،فيما يصطلح عليه الجندر الذي بشرت بها الفيلسوف الفرنسية سيمون دي بوفوارفي كتابها الجنس الثاني سنة 1949،وفي هذا الكتاب أفاضت الكاتبة في تحليل وضعية المرأة الأوروبية،لتتساءل عن لماذا لم يؤلف الرجال كتابا عن وضعية الذكر،إذ الذكورة تاريخ طويل وهي نمط وقالب الإنسانية،أما الأنثى فهي جنس آخر[15].
لقد كانت عبارة” الجنس الثاني”شعارا للحركة النسوية في مختلف توجهاتها،ليردد الخطاب النسوي شعاره” إن المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة”، فالمجتمع هو الذي يقوم بصياغة الأنثى،ممعنا فيالتفرقة بين الذكر والأنثى،لذا لم تكن الأنوثة قط وضعا بيولوجيا، إنما المجتمع هو الذي أدخلها في وضع الاجتماعي وثقافي متميز بالدونية،ومن الوظائف التي تتمظهر عبرها هذه الدونية هي تكليف المرأة كأنثى ببناء الأسرة إنجابا وتربية،ومشاركة الرجل لجسدها،والحكم عليها عبر العلاقات الجنسية أن تكون أسيرة لدى المجتمع.
هكذا حاولتالمرأةالتعبير عن هم مركزي،من خلال خطاب النسوية،في سبيل إثبات القدرة الأنثوية على الوجود،والتدليل على تفوقها الإنساني،إلا أن مطالبتها بالحقوق اتسم بهيمنة أخرى للمجال الذكوري،وبالتالي تمكنها بوصفها امرأة ندا للرجل.
تنحصر الغاية من نظرية الجندر،في التأكيد على أن جملة الفروق بين النساء والرجال،ترتهن بالمعايير والقيم بوصفها تجلي للنسق الاجتماعي ككل خاصة أن” النظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية هائلة،تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسس عليها.إنها التقسيم الجنسي للعمل،والتوزيع الصادم جدا للنشاطات الممنوحة لكل واحد من الجنسينلمكانه وزمانه وأدواته”[16]،فهي إذن اختلافات شيدها المجتمع وطبعنها خدمة لوجوده،بينما هي ليس طبيعية البتة. ولذلك على المرأة القيام بعملية نضال ،لفك القيد المجتمعي عن طبيعتها الحقيقية.
يبدو أن الأنموذج الذكوري هو قائد الظرف التحرري للمرأة،فهي لا تمتلك غيره،من أجل تفكيك الروابط التكاملية؛ التي من المفترض أن تؤلف ثنائية الذكر والأنثى،ثنائية تشكل جوهر الندية القائمة بينهما،أولا بمحافظة كل واحد منهما على طبيعته،وثانيا من خلال تثبيت الحقوق المتصلة بهذه الطبيعة تعزيزا وحماية لها كل منهما.
إن التلبس بالأنموذج الذكوري ينهي الوظيفة الأنثويةفي مضمار البينة الاجتماعية،ونعني الدور المنوط بها ضمن الهرمية الإنسانية التي تمثلها الأسرة كوحدة تراص اجتماعي،تتطلب مواقع مختلفة للأنوثة وللذكورة؛ إذ الثورة على هذه المواقعأرسلت برسائل مميتة للجسم الاجتماعي جملةمن تنازع على الحقوق وهدم للهرمية الاجتماعية.الحاصل لقداقتصرت الدعوة النسويةعلى تقمص الظرف الذكوري والانتقال إلى المطالبة بالحق البيولوجي للرجل نفسه؛ بوصفه منبعا لجملة الحقوق الأخرى،مثل الحق في العمل،وغيرها من الحقوق التي تكاثرت بحسب رقعة الحرية الممنوحة.
وعموما ففي سبيل تفكيك الظرف التاريخي والأنثروبولوجي للمرأة؛ سعى النضال النسوي إلى تأكيد المساواة الجنسية،القانونية والاجتماعية ،الميتافيزيقية،الأخلاقية للنساء،أو قل صياغة الأنوثة حسب الذكورة،إنها عملية محو الذات الأنثوية وتعويضها بالمعطى الذكوري. ويبدو أن هذا التحول في مفهوم المرأة ووظيفتهايتعدى إلى طبيعة الأسرة في حد ذاتها،فما هو ظرف المرأة في هذه الصيرورة المتحولة من الأنوثة إلى الذكورة؟خاصة وأنها تخلت عن ماهيتها الأنثوية.فما بال الأمومة في أسرة ترفض فيها المرأة طبيعتها؟
تطورت وسائل تحكم المرأة في طبيعتها الجسدية،ومنها مثلا وسائل منع الحمل،يقر الخطاب النسويقدرة هذه الوسائل زيادة في حرية المرأة وتحكمها في حياتها،ففي الأخير أصبحت المرأة سيدة نفسها تتصرف فيه كما تشاء.كما أن موضوع الإجهاض يعد من مطالب النساء في التحرر وامتلاك الجسد،ولقد قدر الخطاب النسويأن الإجهاض كمجال للتحرر من الهيمنة الذكوريةلم يطرح طرحا جيدا خاصة أن النقاش حوله يديره الرجال؛فقد اهتمت سيمون دي بوفوار بالدعوة إلى تسهيل عملية الإجهاض،ذلك أن التناسل بالنسبة لها،هو ماسجن المرأة في شبكة لعلاقات المجتمعية،وجعلها في يد الرجل.
إن هذه المطالب شكلت الإطار المرجعي والأداتي لظهور الأنموذج الجديد للأسرة ما بعد الحداثية.فهل يمكن بناء أسرة في مجتمعات الفردانية وتبرم المرأة من صورتها الطبيعية؟ماذا عن الأسرة في زمان اللامجتمع الموثق بتحرير المرأة؟فتكميلا للظرف المجتمعي للأسرة ما بعد الحداثية؛ سيقرالخطاب النسويحدوث الحمل دون العلاقة الجنسيةلفائدة حرية المرأةلذلك استفادت السحاقيات من هذه التقنية لتلقيح ذواتهن دون لزوم لوجود المختلف في حياتهن،فنشأت كيانات تسمى أسر،لها من الخصائص التي تقوض الوجود المجتمعي،وتنهي الأحقية الأخلاقية في احترام القيم الإنسانية المجتمعية.
تحدث هذه الثورة في منظومة فردانية انتهى فيها المجتمع ووفق آلان تورين،فقد حدث انفصال بين النظام والفاعل بانعدام التطابق بين المعايير المجتمعية والفردية”إذ ذاك يتخذ كل شيء معنى مزدوجا،ويريد الفرد أن يؤكد ذاته بمعارضته لغة المجتمع”[17] ،لغة تمظهرت بوصفها قهرا ومجال لصراع الذوات،وتعد الأسرة ما بعد الحداثية لغة فردانية تفكك أصول ما يعتبر قهر اجتماعي،وهي علامة بينة لنهاية المجتمع وانهيار فكرته في حد ذاتها.
ثالثا-الأسرة ما بعد الحداثية أو ما بعد المجتمع :لا يمكن فهم التطور الذي مرت به الأسرة في المجتمعات الغربية دون اعتبار المرجعية الكامنة في الوعي؛ تتجلى في مركزية الإنسان،ونهاية المنطق الغائي تفسيرا لحركة الوجود ،ثم مع اقتضاب المنظور الروحي إلى حد حلول العدمية.ألفت الفردانية في مسعاها المحصل للمزيد من الحرية،النواة الأصلية لنهاية السلطة الأبوية وتحول العلاقات الأسرية من حال التراتب إلى وضع التوازي،هنا يُفْتَقَدُ الزمان الاجتماعيفي الأسرة ليصبح أفرادها كائنات معزولة عن بعضهاتحكمها علاقات الترشيد المادي[18].
يبقى السؤال عن العلاقة بين الزوج والزوجةفي ظل الاستقلالية المادية حلقة مركزية في تفسير زوال السلطة الأبوية وتحولها في الخطاب التحرريإلى شكل من أشكال الهيمنة،يجب تفكيكه داخل المنظور الكلي للظرف المجتمعي العام للحداثة،ولذلك ستعقبه مرحلة زوال القوامة كليا وحلول ظرف تعاقدي صارم بينهما.[19]
والحق أن فتور الروح المجتمعيضمن النواة المركزية للمجتمع كان بتأثير أفكار التنوير وخاصة الكانطية التي عملت على هيكلة التشخصنفي إطار دعوة كلية تعتبر الحرية والإلزام خصائص ماهوية في الإنسان.ولقد حصلت هذه الخصائص مرتبة القداسة في ميثاق حقوق الإنسان.وعلى الرغم من الادعاء بصرامة الواجب بوصفه معقولا،إلا أنالعقل سيتحول إلى هوى،أو العقلانية إلى هيدونية،لتنبثق منها علاقات إنسانية تتجاوز الترشيد الذي وسم الحداثة إلى الترغيب الذي سيشمل الأنموذج البعدي للحداثة. ويمكن من إعادة توزيع الأدوار داخل الأسر المنبثقة عن الترغيب؛ بحيث يحكمها الهوى والحظوظ العاجلة،بدل العقلنة التي مثلت ثابتا حاكما للعلاقة الأسرية في فترة الحداثة،لقد تجاوز العقل ثباته المعهود لتجلي آخر،وهو انقلابه إلى حظ وهوى.
عود على البدء،فبفعل الترشيد والحرية بوصفهما مترادفا العقلنة،تم توسيل الظرف الإنساني داخل نسق مجتمعي هيمن عليه التسيير الاقتصادي،كما ويقول لسان حال الكوجيتو البورجوازي” أنا أنتج إذن أنا موجود،فالأناالمفكر سينقلب أنا منتجا ومستهلكا،بفعل الحكم الكوني للمنفعة كرديف للفكر،وهذا ضمن المنظور التعاقدي الشامل للدولة القومية الحديثة،ذات السلطة المطلقة.
إن هذه الصيرورة ستفرض على الكيانات السياسية والمجتمعيةانقلابا في بنية العلاقات الإنسانية،تزول عنها المعاني الطبيعية للأسرة اقتضاء للرحمة والتضحية،لتتشكل وفق العلاقات الإنتاجيةالتي تفرض ضربا من المحاسبة المادية بين أفراد الأسرة.أفلا تنكفئ العلاقات الإنسانية داخل الأسرة تقلبا في بنية العقلانية الترشيديةلتتحول إلىهيدونية يحكمها مقتضى الهوى،الحب الإيروسيإشباعا في فضاء موت المعنى؟ فما بال الأسرة وقد فقدت أسس بقائها؟بمعنى مقاصدها في الخلق.
1 –من العقلانية إلى الهيدونية-الأسرة مابعد الحداثية والحظوظ العاجلة-:يمثل مفهوم الحرية كقرينة الأنوار الكبرىأحد المعضلات الأكثر تعقيدا وغموضا،ذلك أنها تساوت مع التفكيك الذي يجتاح الفضاءات دون هوادة. وعليه يكون السؤال عن حدود الطبيعيأحد المسارات التي يجب فتحها لكفكفت ذلك التنازع القائم بين البنى الطبيعية واخصها الأسرة والحرية بوصفها مقولة ترشيدية في الزمن الحداثي،ثم مقولة تفكيكية في الزمن ما بعد الحداثي؛ فقد اعتبرت الماركسية أن الأسرة شكل من أشكال الاستيلاب،ونعني أن الزواج في حد ذاته شكل من الاستلاب يقع بين المرأة والرجل؛ فبالنسبة للماركسية، فأول صراع طبقي كان في نطاق الزواج،وهي عملية مناوأة كبرى بين المرأة والرجل،تفرض التحرر الذي يعني انتصار مسحوق هي هنا المرأة على السيد الذي هو الرجل[20].
أما الخطاب النسوي فينفي الفرق الطبيعي المتمثل في الفروق الجنسية بين الأنوثة والذكورة معتبرا إياها ليست ذات بال،أما عن الفروق الاجتماعية والثقافية فهي تاريخ من الاستيلاب والهيمنة الذكورية،وبغية إزالة الفروق بين الذكورة والأنوثة لابد من القيام بثورة لإزالة هذه الطبقية الجنسية المهيمنة،وستوكل هذه الثورة إلى النساء بوصفهن الطبقة المسحوقة[21]،والغريب أن النسوية استلهمت الطبيعة الذكوريةلتكون الأنموذج المحرر للمرأة،فكانت عملية التحرر سقوط في استلاب الذكورة،وهو ما تعنيه عملية التحرر من الطبيعة.
لقد قادت أفكار التحرر من الطبيعة،وإعادة صياغتها حسب المنظور النفعيإلى ولادة أزمة قلق في المضمون التراحمي للعلاقة التي يجب أن تحكم المرأة والرجل؛ فغدت علاقة صراع وندية،ولذلك سَيُفْتَقَدُ المنطق التراتبي في الأسرة،ويؤلف التعاقد المرتكز على”أنا أنتج إذن أنا موجود”حاكم على العلاقات الأسرية،ثم أن حرية المرأة ستدخلها في درب تماثلي يجعلها رهينة الذكورة. أما النتيجة ففناء روح التضحية والتكافل المنوط بكل علاقة أسرية.
الحاصل هو فتور ووهن الحبل المجتمعي الناظم للأسرة؛ بحيث لم يعد هناك من جدوى لبنية يعلو فيها الفرد على الجماعة،كما وتتحكم فيها العوامل الاقتصادية،وتحركها غايات عاجلة،فاقدة للمثل الأخلاقي الأعلى الذي يضمن بقاءها.وبالنظر إلى علو القيمة الوسيلية كحاكم على العلاقات فقد انقلبت العقلانية الترشيدية إلى هيدونية،فإذا كانت الأسرة الحداثية ينسج خيوطها الواجب بوصفه آلية الترشيد العقلاني[22]،فإن الأسرة ما بعد الحداثية،انبثقت من فتور الواجب بالنظر إلى عقلانيته المفرطة فعوض الهيدونية العقلانية ولما لا ،فالعقلانية تعني الوسيلية التي تعتبر المنفعة هي مقصد العيش وبه تفسر كل المساعي الإنسانية بما فيها بناء الأسرة.
2 –الأسرة ما بعد الحداثية -مركزية الحب الإيروسيوفناء مقاصد التساكن البشري -:فيتدبر لطبيعة الأسرة ما بعد الحداثية يظهر جليا موت مقاصد الأسرة الإنسانيةالتي تعني التساكن والرحمة،فلم تعد الغاية من الأسرة سوى أداء لقاء جنسي إشباعي لحظي،تزول معه العلاقات الإنسانية فور نهايته،لم تعد الغاية من العلاقة بين المرآة والرجل هو بناء أسرة تنسل منها ذوات إنسانية،لها حق التربية الأخلاقية والروحية،بل هو مجرد اللقاء الجنسي قد ينتج عنه طفل.فقد تحول الزواج من عقد قائم على الواجب إلى علاقة حب ظرفية،كما تحول الحب إلى صناعة ثقافية إعلامية واسعة الانتشار[23]،وصفة من صفات المواطنة المحروسة بميثاق حقوق الإنسان.
ففي سياق الأسرة ما الحداثية،تحول الأعضاء إلى عناصر تلتئم بالحب الإيروسي،وتنفض بمجرد نهاية الإشباع. لذلك لم يعد مهم اعتبار الواجبات،بل تكثير الحقوق الإيروسية،والزيادة فيها باسم الاستقلالية والفردانية.والحق أن حفظ هذه الحقوق هو من نصيب الدولة المدنية،فقد مكنت الديمقراطية من فتح مناطق مخالفة الفطرة،إقرارا لقوانين لا تنظم بل تتفق مع واقع الحال وتشرعه. الأمر الذي جعل القانون المدني يتنازل عن التقويم ويقر بالأمر الواقعستنقل الحرية الأفعال إلى واقع آخر اعترافا به وبحقه في الوجود ثم شرعنته،من هذا الباب طالب الشواذ بالزواج،واليوم تكون معظم البرلمانات الغربية قد وافقت على أسرة هؤلاء،وحقهم في بناء علاقة زوجية يقرها ميثاق حقوق الإنسان،بينمالا تسأل هذه البرلمانات في أمرها وتحقيق مناطها المجتمعيعبر الشك والنقد باعتبارهما قرينتي الحداثة،لتتغاضى عن هذا الظرف، تحت طائلة قرينتي الرشد والحرية،كما سيتظاهر هؤلاء الشواذ في الشوارع الغربيةلنيل حقهم في النسل،بوسيلة التقنيات الحيوية المستجدة،وكان لهم ذلك لتنبثق عن ذلك أسرة ما بعد حداثية،تقوض الفطرة وتنفر من الطبيعة جملة وتفصيلا .
ولأن العقد الرئيس في علاقة الذكر بالأنثى،هو إشباع النزوة الجنسية اللحظية،فلم يعد الإنجاب هو الغاية التي تسعى من أجلها الأسرة ما بعد الحداثية،إنه مجرد تتميم للعلاقة الجنسية،خاصة أن الخطاب النسوي قد حقق مكاسب كبرى في سبيل حرية المرأة على جسدها تصرفا فيهفلها أن توقف عملية الإنجاب بوسيلة موانع الحمل،كما تستغل حقها في الإجهاض،أو في عدم إبلاغ الزوج أو المخادن بالحمل،كما تتصرف في الإنجاب عبر التلقيح الاصطناعي من بنوك النطاف.ولذلك يرى أن هلاك نسل هذه الأسر،متحقق من نواحي كثيرة ،ناهيك من الناحية الأخلاقية؛ حيث تقر النتائج والإحصائيات فوت أعضاء هذه الأسرة غايات التساكن البشري المنوط بكل أسرة بشرية.
الحاصل أن هذه الأسر هي شكل من التجلي البهيمي ،بل الأمر أنكى من ذلك إذ البهيمة تتحسس طبيعتها بغريزة فطرت عليها أما الإنسان الذي انفرطت ماهيته الأخلاقية[24]،فيما يسمى ما بعد الحداثة “فقد تفنن تحت ضغط الهيدونية المتحكمة في التحول إلى أطوار خرج بها إلى فضاء يقع على غريزة البهيمة فيقوضها،وتخلى عما تفترضه الفطرة التي تأنف تحول الطفل إلى سلعة تباع وتشترى”[25].
من باب أولى التذكير بالوظيفة الجديدة للأبوة في الأسرة ما بعد الحداثية؛ فقد تحول الأب من موجه وراعي تربوي لأبنائه إلى حامي للشذوذ والانحراف،هو حارس باسم الحرية التي فرضتها الدولة المدنية ،لكل شذوذ عن الفطرة الإنسانية،لذلك تمثل هذه الأسرة الأنموذج الأكثر بيانا للتقويض الشامل للقيم والمعاني الذي حصلته الصيرورة التاريخية للحداثة،وقد انطلقت من توسيل الطبيعة بما فيها الإنسان،واعتبار كل وجود قيمة استعمالية بما فيها القيم الأخلاقية والروحانية،بل الأدهى أن الحق تحول إلى رغبة،وتم الموافقة عليه في الإطار الكوني الذي تمثله وثيقة حقوق الإنسان وقد تطورت وامتدت قائمتها بفعل الاختراقات التي يقوم بها الإنسان ضد فطرته،فشهدنا الموافقة والتشريع المستمرين للشذوذ.
ولأن الحداثة تُخْضِعُ الإنسانية باسم الكونية،فلا يتم الإنصات إلى ثقافات العالم المغايرة،معتبرة إياهامخالفة للحق الإنساني،”لذلك كان زوال الفضيلة بداهة،وأصبح التخلص من الحياء الموروث للأخلاق الطيبة ضرورة صحية،ولم يعد يهم الإنسان إلا الإشباع المتعاظم من الجنس على قارعة الطريق ،وفي شاشاتالتلفزيون والإعلانات”[26].
وعموما كان ترقب فوت الأسرة قد انطلق مع مستلزم تحديثها الذي عوض الواجب العقلاني بالواجب الديني،وعلاقات التعاقد بعلاقات التراحم.ولأن التوسيل قد وقع فعلا، وتفككت عرى الصلة الأخلاقية عن الأسرة،وتسربت بسرعة إلى الهيدونية،مات الواجب وعوضه الحب اللحظي،واندثرت الأسرة بتحول الأبوة عن أداء قيوميتها الرئيسة رعاية أخلاقية ومادية،وانقلابها إلى حراسة للشذوذ.
أما ربة الأسرة زوجة وأما ،فقد تعهدت بالدفاع عن استقلاليتها التي جعلتها تحي حالة صراع مع الزوج مما أفضى في النهاية إلى إلغاء عقد الزواج حتى وإن كان عقدا مدنيا، لذلك نلفاها تغادر مقام العلاقة الجنسية من فترة إلى أخرى،أما الأمومة فهي ظرف شهوي،بدأ من العلاقة الجنسية نهاية بالطفولة التي في كثير من الأحيان هي تكملة لغايتها الشهوية لذلك فالوصف العميق لهذه الأسرة هي أنها أسرة عنكبوتية؛ يسودها غدر الأنوثة بالذكورة والعكس وفناء الصلات بين أعضائها.
خاتمة-الأسرة المسلمة وميثاق العقد الغليظ: فرض التحرر كمقتضى أولي في بنية الحداثةمتغيرات متتالية ومتسارعة طرأت على المجتمع الغربي وأحدثت فيها تغيرات هائلة.وتجدر الإشارةإلى أن هذا الأنموذج أضحى أنموذجا عالميا دك حصون التقليد في كل مناحي الدنيا،في مدار هذا التحول خضعت الأسرة في العالم –منها الأسرة المسلمة التي تنبني على ميثاق غليظ مراقب -إلى مبدئي الرشد والحرية،بوصفهما مترادفان والعقلنة،والتي تعني تغيير العلاقات الأسرية،من احترام العقد الكنسي إلى اعتبار العقد المدني هو أصل العلاقة التي تنبني عليها الأسرة .لا ريب أن هذا الانقلاب غير الشرعية في من طاعة الإله إلى طاعة الواجب،خاصة أن الأيديولوجيا “تستدعي مصالح الدنيا وخلاص الأمة في هذا العالم،حيث الدولة هي الحكم والضامن”[27]،وإذن كان فوت الواجب الديني،داعيا إلى واجب عقلاني يجعل، التزام أفراد الأسرة بالواجب بوصفه وجه الصلة اللازمة بين أفرادها،مع احترام المبادئ الكلية للمجتمع:وهما الفردانية والحرية كمكتسبات ذاتية مكن منها عصر التنوير.
يعد مصير الأسرة في الغرب أحد أوجه تحقيق مناط نجاعة الشريعة الإسلامية ومصداقيتها في الحفاظ على فطرة الإنسان وطبيعته،إذ التحقق من مسارهاومسار نسلها،يعد بحق دليلا قاطعا على تشاكل التشريع الإسلامي مع الفطرة البشرية،ومظهر آياتي معجز لهذه الشريعة التي ما أنزلت إلا رحمة للعالمين.
والحق أن صيرورة التحديث المتتالي الذي تؤديه الدولة الوطنية الحديثة في مناطق العالمين العربي والإسلامي،ثم الانتشار الإعلامي غير المسبوق،قد بدأ ينزع عن العقد الغليظ أثره المثبت للفطرة الإنسانية،ويتبين هذا عبر النتائج الخطيرة التي حصلها المجتمع المسلم،من تفكك في أواصر علاقاته،وتبني الأسرة عادات الفردانية وتحول في شكلها،واقتضاب أفقها الأخلاقي.
يجب الإقرار أن الأسرة المسلمة اليوم،لا تؤدي بحق التصور المقصدي للتشريع الإسلامي،لكن النظر في هذا التشريع وتحقيق مناطه فحصا في مساراته المجتمعية والأخلاقية،يدلل أنه يمتلك القوة ليدرأ عن الأسرة الإنسانية الدخول في مضنة البهيمية، التي تفرط في الحقوق المميزة للعضوية البشرية في حالة التجلي المجتمعي، الذي تمثله الأسرة الإنسانية.
إن العقد الغليظ الذي تكفلت الشريعة الإسلامية،بصياغة أدواته الدقيقة،اعترافا بالحق الإنساني وتكفلا بالماهية الأخلاقية يحيط بالأسرة ويرعاها رعاية شاملة،عبر وجهها الفقهي الحارس لمضمونها الأخلاقي،يؤدي مهمة الحفاظ على النفس،النسل والعرض ومن خلف هذه المقاصد هناك المقصد الاجتماعي ؛عليه فإن الميثاق الغليظ،يمكن من حفظ الأسرة من خلا الأوجه التالية:
1 –مقاصد الزواج الاعتراف هو المشترك بالذوات البشرية،وتعالق الرحمة والسكينة بين الزوجين إقرارا بالسكينة،لقدأقر الشارع بالمودة والرحمةقيمتينمن أجل حلول السكينة في أرجاء الأسرة. وهذا بدل ما يُتعارف عليه، بأن الحب هو الراتق للعلاقات الإنسانية،وذلك لسرعة تبدل المحب ،وبقاء التراحم على عهده،حتى تسكن الذوات الرحيمة إلى بعضها البعض.
2 –مقاصد الإنجاب هي رعاية النسل بالاعتراف به نسبا ورعايته عبر المسؤولية الشاملة روحانية،اجتماعية وتربوية أخلاقية،إذ لا يعد غاية في حد ذاته،بل هو نسل يتقلب في أطوار الوجود ليكون مستخلفا في إقامة العدل.
3 –يكون مقصد الميثاق الغليظ مبينا بكل جلاء في إنشاء المجتمع الأخلاقي،الذي يثمر قيم الرحمة والعدل، بما أن الأسرة قائمة على المودة والرحمة وليس على الشهوة والقسوة،قسوة لا تتجلى في العنف الجسدي،إنما قسوة الفصل التي تنتاب العلاقات الإنسانية في الأسرة،ودليل ذلك هو فحص الأسرة الحداثية وما آلت إليه من عقلنة للعلاقات فصلت عرى اللحمة ،تلتها الأسرة المابعد حداثية التي تمثل بحق الأنموذج الذي يصير إليه الظرف الإنساني عندما يرفض فطرته،والحق أن الشريعة الإسلامية تظهر هنا علامة إعجازها بوصفها آية تكليفية.
[1]– Gilles Lipovetsky :Le bonheur paradoxal ,Gallimard,2006, P.9
[2]– Lavelle Louis:Traité des Valeurs ,P U F , Paris, 1951, T1,P .65.
[3]-ي.كليابيتش:موجز في تاريخ الفلسفة،ترجمة حنا عبور،دار الطليعة بيروت لبنان،ط2 ،1979 ،ص. 56.
[4]-Sartre :Cahiers pour une Grande Morale,Gallimard,PARIS,1983,P.63.
[5]-Gilles Lipovetsky :Le crépuscule du Devoir, Folio Essais Gallimard,1992,P.41.
[6]-Gilles Lipovetsky :Le crépuscule du Devoir, P.279.
[7]–عبد الوهاب المسري:العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة،دار الشروق القاهرة مصر،ط 1،2002 ،الجلد 2،ص.182.
[8] -Gilles Lipovetsky :Le crépuscule du Devoir, P.75.
[9]-زغمونت بومان: الحداثة السائلة،ترجمة حجاج أبو جبر،الشبكة العربية للأبحاث والنشر،بيروت لبنان،ط1 ،2016 ،ص.15.
[10]-Gilles Lipovetskyet : Les temps hypermoderne ,Editions ;biblio essais, Grasset et Faquelle,2004 ,P. 53.
[11] -زيغمونتباومان:الشرالسائل،ترجمة حجاج أبو جبر،الشبكة العربية للأبحاث والنشر،بيروت لبنان،ط1، 2017 ،ص.43.
[12]-ديكارت:مقالة في الطريقة ترجمة جميل صليبا، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان، ط 1، 1970.ص.61.
[13]– كانط: ما هو التنوير؟ترجمة يوسف الصديق،منشور ضمن المجلة التونسية للدراسات الفلسفية،العدد 38 ــ 39،السنة 21 ،2004 ـ 2005 ،ص.6.
[14] -آلان تورين: براديغما جديدة لفهم عالم اليوم ،ترجمة جورج سليمان ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت لبنان ،ط1 ،2011 ،ص. 125.
[15]-سيمون دي بوفوار :الجنس الآخر،ترجمة ندى حداد،الأهلية،نسخةإلكترونية،ص. 245.
[16] – بيار بورديو: الهيمنة الذكورية،ترجمة سليمان قعفراني ،المنظمة العربية للترجمة،بيروت لبنان ،ط 1 ،2009 ،ص .27.
[17]-آلان تورين: براديغما جديدة لفهم عالم اليوم ،ص. 118.
[18]–عبد الوهاب المسري:العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة،ج 1 ،ص. 210.
[19]-يرى ذلك في القوانين التي تحكم الطلاق في المجتمعات الغربية،وفي العلاقة بين الأخدان حيث يتفرق الأبناء بين عدة رجال في الأسرة الواحدة،ثم موت السلطة الأبوية كليا،خاصة أن الحكومات الغربية مافتئت تعزز حق المرأة والأولاد،على حق رب البيت إلى أن مات صيته في هذا البيت و أصبح يوافق على كل شيء دون مناقشة.
[20] -تصفح في ذلك فريدريك إنجلز:أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة:ترجمة أديب يوسف شيش،دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر،دمشق سوريا،ط4 ،2011
[21]-طه عبد الرحمن:روح الحداثة –المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية-،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء المغرب،بيروتلبنان،ط 1،2006 ،ص. 111.
[22] -المرجع السابق،ص. 105.
[23]-Gilles Lipovetsky :Le bonheur paradoxal ,Gallimard,2006, P.57.
[24]-طه عبد الرحمن:سؤال الأخلاق–مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية-،المركز الثقافي العربي،بيروتلبنان،الدار البيضاء المغرب ط1،2000، ص. 14.
[25] -نورة بوحناش :الاجتهاد وجدل الحداثة،منشورات ضفاف بيروت لبنان ،مشورات الاختلاف الجزائر ،ط1 ،2016 ،ص. 260.
[26] -المرجع نفسه ،ص .262.
[27] -مارسيل غوشيه:الدين في الديمقراطية،ترجمة شفيق محسن،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت لبنان،ط1 ،2007 ،ص.51.
كل الشكر لك أستاذتنا نورة بوحناش على هذا المقال الدسم، وطوبى لأسرة آصرة بهذا القلم العميق.