مجتمعاتنا بين الانبهار والانهيار!
الفيمينزم… خنجر مخملي في الخاصرة الإسلامية
الدكتورة لينة الحمصي
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تتعرض الأسرة المسلمة منذ زمن بعيد إلى محاولات حثيثة لهدم أركانها وتفتيت تماسكها، وذلك من خلال هدم القيم الفاضلة التي قامت عليها مستندة إلى تعاليم الشرع الإسلامي الحنيف، واستبدالها بقيم فيها شيء من الحداثة والمعاصرة، وتتحدث بلسانٍ منطقي جميل، وتطرح حلولاً مقبولة (أو هكذا تبدو) لمشاكل قائمة، لكن التمعن فيها يظهر أنها تعقّد المشاكل وتزيدها بدل أن تحلها حلاً جذرياً.
وتزداد هذه المحاولات قسوة وبأساً وخبثاً في أيامنا هذه، ومن مظاهر خبثها أنها تلبس لبوساً ظاهره خلاب وبراق وفيه شيء من المنطق الفضفاض، لكن حقيقته تنطوي على آثار عميقة وخطيرة على المدى المتوسط والبعيد.
من أحدث هذه المحاولات دعوة الفتيات والسيدات المسلمات إلى الالتحاق بما يسمى (الفيمينزم)، وهو دعوة إلى (تفلت) المرأة باسم (تحريرها)، وإلى (تمردها) باسم (حريتها).
الفيمينزم باختصار هي حركة نسوية ظهرت في الغرب وانتقلت إلى بلادنا، وهي باختصارٍ حركة تدعو إلى تحرير المرأة ومساواتها الكاملة بالرجال في كل شيء، وتطالب بإقرار حق الزوجة في الامتناع عن الحمل، وبالإجهاض، وبالامتناع عن فراش الزوجية (ولو دون سبب)، كما تنادي بحق المرأة في اقتسام الممتلكات بينها وبين زوجها عند الطلاق، وبحقها في الاستمتاع بجسدها بكافة طرق الاستمتاع (ولو عن طريق الشذوذ الجنسي والمثلية السحاقية).
هذه الدعوة إلى المساواة والتمتع بالحقوق والاستمتاع بالجسد بدأت تلاقي آذاناً صاغية عند بعض الناس في عدد من البلدان والمجتمعات الإسلامية، فتحمس لها بعضهم وبعضهن، وتمنوا أن يستوردوها إلينا، لأنهم رأوا أنها أحد أسرار تحضّر الغرب وتقدمهم، فهل هناك أحلى وأغلى من الحرية والمساواة والتمتع بالحقوق؟!
طبعاً ليس هناك أجمل من ذلك لو أنه كان قائماً على نوايا طاهرة سليمة من جهة، وعلى أسس صحيحة من جهة ثانية، لكن الحقيقة تقول: هذه المساواة ظاهرها تحرير المرأة، وباطنها توريطها في التفلت الاجتماعي والفوضى الأسرية، ليتم لهم بعد ذلك استعبادها واستغلالها كما يشاؤون، وذلك في الغرب والشرق على السواء.
ولئن كنت أتحدث هنا عن الأنثى في مجتمعاتنا الإسلامية فلأنها تعنينا أكثر مما تعنينا الأنثى الغربية، وتؤثر على مجتمعاتنا أكثر من غيرها من بقية الإناث، ولو أردنا أن ننظر إلى الأمر من منطلق إنساني وشمولي واسع لقلنا: هذه الدعوة الهدامة تؤثر على المجتمعات البشرية كلها، لأن العالم أصبح فعلاً (قرية صغيرة) بعد أن انهارت الحدود الجغرافية بسبب الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة القادرة على جمع كل الناس من كل البلاد في عالمٍ افتراضيٍ عجيب، وذلك بكبسة زرٍ واحدة وفي لحظات بالغة السرعة.
نرى الآثار المدمرة لهذه الدعوة واضحة من خلال عدة أمور:
- عندما تتحرر الأنثى من رباطها العائلي ومن (التبعية الاقتصادية) للأسرة والزوج تصبح مسؤولة عن الإنفاق على نفسها، أي أنها تصبح مجبرة على العمل لتنفق على نفسها، لأن زوجها وأهلها غير مكلفين بالإنفاق عليها، ولهذا نرى الأنثى في الغرب تعمل حتى في تنظيف الشوارع أو قيادة السيارات العامة أو البغاء.
ومن البدهي أن تتعرض الأنثى عندما تكون مجبرة على العمل للابتزاز والاستدراج والإزعاج والتحرش وغير ذلك من الموبقات.
قد يكون هذا الأمر شائعاً في كل المجتمعات بنسب مختلفة، لكن الأمر يختلف عندما تكون الأنثى مجبرة على العمل لتحصل على قوتها حيث لا معيل لها ولا حامي لها سوى القانون (في بعض الدول فقط)، والقانون قد ينصفها عندما تشتكي، ولكن بعد وقوع الفأس في الرأس!
٢- هذه الدعوة تؤدي إلى خوف الشباب من الإقدام على الزواج بسبب الخوف من تقاسم الممتلكات عند الطلاق، واستبدال الزواج بالعلاقات غير الشرعية كالمصاحبة والمخادنة والمساكنة، وهذا الأمر أدى في الغرب إلى وجود ما يسمى بـ (الأم العزباء) والأولاد غير الشرعيين الذين يعيشون مع أمهاتهم دون أن يعرفوا من هم آباؤهم.
يؤكد علماء الاجتماع على أن هذه الظاهرة تنذر بالويل والوبال على المجتمعات الغربية، حيث ينغمس هؤلاء الأولاد غير الشرعيين في تعاطي المخدرات وارتكاب الجرائم والمعاناة من الأمراض النفسية المختلفة، ولا عجب في ذلك، فهم ينشؤون في أسرة غير متوازنة وغير مستقرة، ناهيك أن أنهم ينظرون إلى أمهاتهم نظرة غير سوية، ويعتبرونها السبب الأوحد لما هم فيه من حرمان عاطفي ناجم عن عدم معرفتهم بآبائهم.
٣- هذه الدعوة تؤدي إلى ظهور ظاهرة حمل الفتيات المراهقات في سن صغيرة بسبب المخادنة والمساكنة، مما أدى في الغرب إلى الدعوة إلى إباحة الإجهاض دون شرط ولا قيد، وإلى الدعوة إلى السماح للمراهقات بتناول حبوب منع الحمل، ولقد رأينا بعض المدارس في بعض الدول تخصص دروساً في مناهجها لتعليم الفتيات أهمية استخدام تلك الحبوب وبقية وسائل منع الحمل، وذلك تحت اسم (الثقافة الجنسية).
٤- هذه الدعوة تؤدي إلى ازدياد العنف والعنف المضاد في الأسرة، لأن إساءة فهم كثير من الإناث لمعنى المساواة يؤدي إلى ظهور (الندية)، وهذه الندية تعني لهن العناد والمزاحمة والتمرد والعصيان بسببٍ أو بدون سبب، مما أدى في الغرب إلى مزيد من التحلل والتفسخ الأسري، حيث أصبح وجود الأسرة في مسكن واحد نادراً، وبات الأغلب هو تواجد أحد الأبوين مع الأولاد.
٥- ينتج عن هذه الدعوة ازدياد ظاهرة التحرش الجنسي بسبب انهيار الروابط العاطفية والاجتماعية، مما يوجد فراغاً هائلاً ونهماً قاتلاً لدى الإناث للحب والغزل والدفء العاطفي، الأمر الذي يستغله عديمو الأخلاق ويستخدمونه كفخٍ للإيقاع بالأنثى لبرهة، ثم يرمونها مدمرةً محطمةً ليبحثوا عن ضحية أخرى تروي شهواتهم المجنونة.
٦- هذا التحلل والتفسخ يؤدي بالضرورة إلى ازدياد ظاهرة الخيانة الزوجية بسبب التفلت الجنسي والحرية الموهومة.
٧- الدعوة إلى حق الإنسان بالتمتع بجسده كيفما شاء أدت إلى عزوف بعض الشباب والفتيات عن الزواج الطبيعي، واستبداله بالزواج من نفس الجنس، اي بالشذوذ الجنسي، لأن البحث عن اللذة وإرواء الشهوة بدون ضوابط شرعية وأخلاقية يفتح على الإنسان أبواباً لا تخطر في بال أحد، لا أحد يدري ما الذي ستتفتق عنه الخيالات الآثمة في المستقبل.
هذه بعض النتائج المدمرة للفينيزم، ولو أردنا أن نبحث عن المزيد من الآثار القريبة والبعيدة لها لوجدنا الكثير المرعبوالمثير للقلق.
نحن (كمسلمين) عندما ندعو إلى تحرير المرأة فإننا ندعو إلى تحريرها من الجهل والكسل والفقر والعجز، ومن التسلط والاستعباد والظلم، والمرجع في هذا ليس الفيمينزم ولا المبادئ الخزعبلية التي ترتدي ثوب القيم الجميلة والراقية لكنها تخفي تحت ذلك الثوب أظافرها وأنيابها، بل المرجع هو ما أتى به ديننا الحنيف من تكريم المرأة ورفع مكانتها ومكافحة ومجابهة كل من يريد استغلالها واستعبادها وإذلالها.
مبادئنا في الدعوة الى التحرير والتنوير مستمدة من قرآننا الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة في دعوته لنهضة المجتمع وتأسيسه لمشاركة كافة أفراده في هذه النهضة.
قد يسأل سائل: أليس هناك ظلم واضطهاد للمرأة في مجتمعاتنا المسلمة؟
وأقول: بلى مع الأسف الشديد، لكن هذا الظلم ليس من الإسلام، بل من عدم تطبيق تعاليم الإسلام، فالإسلام يوصي بالنساء خيراً، ويعلي شأنهن، ويمنحهن حقوقهن وحرياتهن المنضبطة بالشرع، شأنهن في ذلك شأن الرجال تماماً، لكن سوء تطبيق التعاليم الشرعية يؤدي إلى ظهور المظالم والثغرات والفجوات، وهذه المظالم هي التي تجعل النساء في مجتمعاتنا تتطلع إلى الغرب لتستلهم منه الحلول، لكنها تكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فواقع النساء في المجتمعات الغربية واقع مؤلم ومهزوز ومهزوم، لكن الانبهار بما لدى الغرب من جهة، والرغبة في الخلاص من الواقع المأساوي الذي تعاني منه بعض النساء في مجتمعاتنا من جهة أخرى، هما اللذان يفتحان قلوب وآذان بعض النساء في بلادنا لسماع تلك الدعوات والانسياق وراءها، بحب وإعجاب وشغف، ولكن صدق من قال: حبّك الشيء يعمي ويصم، ولذا أقول: البحث عن حلول لمشاكل النساء في مجتمعاتنا حقٌ أكيد، لكن الانتباه لما في الدعوات النسوية الغربية من آثار وآثام هو واجب أكيد.
حماية فتياتنا ونسائنا من هذه الدعوات الهدامة تكون بتعليمهن وتثقيفهن وإنصافهن وإكرامهن والعدل معهن، وتكون بإشباع عواطفهن الوالدية والزوجية، وبإفساح المجال لمشاركتهن في صناعة المجتمع بما يستطعن المشاركة به وفقاً لما آتاهن الله تعالى من المواهب والقدرات، دون أن يفتئت الذكور على الإناث والإناث على الذكور، فلكلٍ منهما قدراته ومزاياه التي تعطيه خصوصيته الإيجابية الماهرة والباهرة.
منذ سنوات وأنا أعالج في مركزي حالات كثيرة من المشاكل الأسرية والوالدية، وكل الحلول التي أصل إليها وأعيد بناء الأسرة عليها تتفق مع شرع الله تعالى ومع القيم الأصيلة والنبيلة في مجتمعاتنا، وربما استطعت أن أستفيد من شيء مما لدى الغربيين، وأعني بذلك العلوم والمعارف أو التجارب (الناجحة والفاشلة على السواء)، فالحكمة ضالة المؤمن، وأينما وجدها فهو أحق الناس بها.
هذا التكامل في الرؤية وفي البحث عن الحلول للمشاكل هو المطلوب من شبابنا وفتياتنا، ومن العلماء الباحثين القائمين على خدمة مجتمعاتنا، وصدق من قال: خذ ما صفا ودع ما كدر.. ليس كل قديمٍ ينبذ، وليس كل جديدٍ يؤخذ.
الدكتورة لينة الحمصي.