حصريا

انطولوجيا الذكورة والأنوثة بين المساواة والتكامل – اتفاقية سيداو وتَذَكّْوَر الأنوثة – أ.د.نورة بوحناش -الجزائر-

0 3

انطولوجيا الذكورة والأنوثة بين المساواة والتكامل

– اتفاقية سيداو وتَذَكّْوَر الأنوثة-

* إعداد/ أد نورة بوحناش

 

      المقدمة-الحق الطبيعي وميثاق حقوق الإنسان: يستدعي التحليل المرجعي للأبعاد المعرفية، لوثائق الحق الإنساني في العصر الحديث جملة، القراءة الحفرية العميقة للطبقات المتراكمة للفعل التاريخي، وما بثه من بنية هيكلية لطبيعة هذا الحق. ويبدو السؤال عن الكيفية التي بُرّْمِج بها هذا الحق، أمرا فاصلا. فمن أين اتخذ صدقيته، مصداقيته ثم مشروعيته الأخلاقية والقانونية؟ بأي معنى وُصِف بالعقلانية والكونية؟ ثم ما هي طبيعة العقلانية التي أمدته بهذه المعايير، فصار إذ ذاك شاملا للإنسانية؟ ما هي المرجعية التأسيسية لمواثيق الحق الإنساني التي غدت راهنية مُؤَثِّرة؟ وكيف راهنت عليها مؤسسات دولية، يحركها النظام الامبريالي الموصول بالرأسمالية؟ ما هي خلاصات تعميم المنتوج الأنواري الغربي على الإنسانية كافة؟ أليس هو جَمْعٌ للناس كافة، تحت راية واحدة هي راية المركزية الغربية؟ دليل ذلك هو المراقبة والمعاقبة التي فرضتها الأمم المتحدة، في شأن الاعتراف وتطبيق اتفاقية سيداو((CEDAW.

لنذكر بأن الحق الطبيعي مفهوم قديم، يؤول إلى فلسفات يونانية ورومانية[1]، لكن استفاقته والعمل به يعد حركة أنوارية، تثبتت بحال من المواضعة أعقبت التفكير في طبيعة الحق الإلهي، وما يثيره من جدل حول الحقوق الأصلية للإنسان، الحياة، الحرية، المساواة، أفلا يُعِّينُ التعميم الكوني للحق الإنساني، على تنظيم المجتمع البشري، في سياقات تخدم النظام العالمي، الذي تمثله الهيمنة الامبريالية الغربية؟

وإذن يكون من الواجب، تحقيق مناط ميثاق حقوق الإنسان، وأثره على الواقع ومسار الأحداث البشرية، سيرا من العصر الحديث إلى راهن عمت فيه الفوضى الأخلاقية والتشريعية، بتفكك البنية الوجودية للذكورة والأنوثة، وفقدان نمطي للأسرة، ثم سيادة الفردانية أنموذجا إنسانيا فريدا. أفلم يكن هذا الميثاق أفضل مُنْتَهِكٍ لكرامة الإنسان في قرون الحداثة وما بعدها؟ تلك التي شرعت للاستعمار، وأجازت الإبادة في سبيل المصلحة القومية الغربية،[2] فما بَالُ إذن، الدعوى الإنسانية المرافقة لمواثيق أجيال حقوق الإنسان؟ هل هي مفهوم شامل للإنسانية، باعتبارها فسيفساء رشقاء عرقا وثقافة؟ أم هي محصورة في حدود الإنسانية الغربية؟ لتشكل آلية أيديولوجية، للتحكم في مصير البشرية، التي بدت وحدة واحدة تتطابق مع الإنسانية الأوروبية.

راهنت أجيال حقوق الإنسان، على التحرر الموصول بفكرة التقدم؛ فماذا تعني الحرية كحق أول، في اللائحة الحقوقية لميثاق حقوق الإنسان؟ سوى تشريع الإنسان لذاته، متحركا داخل المساحة، التي تعتبر أن الأنسنة مكسب حصله الإنسان، بفعل الثورة على الكنيسة وتجاوز للمطلق المتعالي؛ الذي غالبا ما تماهى مع المؤسسة الدينية حيث  »جاءت انتفاضة الحداثة لتسقط هذا المطلق من عليائه، لأن الإنسان برأيها، هو الذي يجب أن يكون مركز الوجود[3] « ،الأمر الذي أحدث انفصالا بين البعدين الروحي الميتافيزيقي، بوصفهما أساس المعنى؛ فانطلاقا من منحى الانفصال، كان التأسيس المرجعي لضرورة تشريع الذات للذات.

تكون الحرية قيمة تم نيلها بعد صراع تاريخي، بين أهل اللاهوت وأهل الناسوت؛ وإذن من الواجب تكريسها لاستخراج وضع جديد للإنسان. والحق أن هذه النتائج، تمثل صيرورة تاريخية للحضارة الغربية المسيحية، وخلاصة عن حراك تاريخي وفكري سرى في دروب التحرر من سلطة المؤسسة الكنسية، بوصفها عمق استراتيجي للغرب دون غيره. فماذا يعني استثمار هذه الأفكار، في مناطق أخرى من العالم لها عمقها الاستراتيجي الخاص؟ ألا يكون أذان بتفكك الهوية وزوال الذات بموت هويتها الثقافية؟

ولأن المرجعية الفكرية لميثاق حقوق الإنسان، تؤول إلى فعل الأنسنة، ومن ثم اعتبار الإنسان هو الأول والآخر وإليه يعد الأمر كله؛ فقد غدت المصدر الأوحد للتشريع، والأدهى أن تعميم القول برفض مصادر أخرى للتشريع على شعوب الأرض، قد حَيَّنَ بسط سلطة شاملة تدعي معرفة الخير متفردة؛ فقد نزلت المواثيق من الهيئة الأممية لتكون علامة على الحرية والتقدم، مصرة على متابعتها الدائمة وتَحيِّينَها ثم التحقق من تطبيقها، يظهر ذلك في المساءلة المتواصلة، للدول التي كانت مُسّْتَعْمَرة يوما ما، عن مدى تطبيق اتفاقات حقوق الإنسان ومنها اتفاقية سيداو. والغريب أن مثل هذه المساءلة لا يضرها استبداد، ولا انتهاك لحقوق الإنسان كما هو حاله في حق الفلسطينيين، وكل الشعوب العربية المسلمة. أفلا تعد هذه الفوقية سندا استعماريًا ناعمًا يتسرب إلى الداخل، مدللا على التبعية للمركزية الغربية؟

بالمقابل تصر المنظمة الأممية، على ترسيخ اتفاقيات حول المرأة والأسرة، وتكرر وجوب الأخذ بمواثيق حقوق المرأة كضرورة أولى. فهل نربط الدعاوي الحديثة، حول حقوق الإنسان بالرأسمالية ومراحل تطورها؟ هل هي أسلوب مكين من أساليب الاستعمار؟ يعني إنتاج مجتمعات تخدم المنظومة الغربية، تحدد الأوليات التي تُمتِّنُ التحكم والسيطرة تمديدا  للوضع العالمي، المرتسم في حدود عبودية المركز للهامش. فكيف تؤدي مواثيق حقوق المرأة، المٌنَزلة من قبل المركزية الغربية دورا فاعلا في الهيمنة على المجتمعات المُسْتَعْبَدة؟ كيف كانت اتفاقية سيداو وسّْمًا عالميًا، رجح بنية واحدة لمجتمع يسير في فلك الرأسمالية؟ كيف تحولت المرأة عبر تطبيقات هذه الاتفاقية، إلى وقود يخدم النظام الرأسمالي التحكمي؟ وإلى أي مدى تصون الدعوة المبينة في اتفاقية سيداو كرامة المرأة؟ ألم تنخر تدريجيا في نظام الأسرة إلى حد القضاء عليه واستشراف مابعد المجتمع؟ ألم تؤدي إلى اختلال في موازين الحق الوجودي، بدعوتها إلى تحويل الأنثى إلى ذكر؟ حيث تدخل المرأة في حالة منافسة تعسفية تقوض قرائنها الذاتية، لصالح التحولات التدريجية نحو الذكورة؛ وهو ما فكك إلى حد بعيد نظام الأسرة في الغرب إلى درجة القضاء على أسسه، فكان أذانا بتفكك المجتمع؛ خاصة وأن الفرد ما فتئ يوسع في حقوقه الطبيعية، فرأى الحق في تغيير هويته الجنسية حقا لازما لسعادته. تلك هي مجمل الحقوق التي يرى أنها توسع رفاهيته، بيد أنها فتحت أبوابا لتعاسته وانتهاكا لحقوقه الفطرية. وإذن فإلى أي مدى يتمكن الحق الطبيعي، والحقوق القانونية من صيانة فطرة الإنسان؟

يبدو زحف الوضعية السابقة على المجتمع العربي الإسلامي بَيِّنةٌ وواضحة، حيث دخلت الأسرة في توسيع مخيف لفلسفة فردانية، انقلبت فيها الأدوار وخفت حال القوامة، بخروج المرأة إلى العمل فكان صدام الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل تفكيكا للأواصر المجتمعية، التي كانت يوما ما لحمة أخلاقية تشربها المجتمع، من جراء قرون التنظيم الشرعي الإسلامي[4]، بل الأدهى أن ما جرى من انقلاب قيمي، يعد نتيجة لمنظومة الاستعباد الغربي لهذا المجتمع، بوصفه تابعا يسكن الهامش وينتظم بأمر المركز.

والحق أن حال الفردانية التي اكتسح المجتمع الإسلامي، قد أدى إلى تتابعات وانهيارات غير مراقبة، من قبل المختصين في علم الاجتماع، مما أحدث تدجينا لا شعوريا لباطنه، يبرهن على زوال الأنموذج الذي صِّيغَ عبره، بل تتسارع الانهيارات بقدر دخول هذا المجتمع في المساحات الضبابية لما بعد الحداثة، ليحدث الصراع والفصام مع أنموذج تقليدي موروث، عادة ما يكرس السيطرة على الظاهر، عبر طقوس دينية غير مؤثرة أخلاقيا؛ مما أحدث فراغا مكن لهيمنة كلية للسيولة المرافقة للعولمة على الباطن الإنساني، وقد انغرزت في الذات، عبر وسائل الاعلام والوسائط الافتراضية، فهما يمتلكان معا بعدا أنطولوجيا قويا مؤثرا، بحيث بدى على أنه كينونة ضاغطة تعوض قيم أصيلة بقيم مائعة، تلك هي صفة التنسيق العولمي الضروري للرأسمالية.

تكمن خطورة الحال السابق، في الوضع الذي حصلته الأسرة في المجتمع العربي الإسلامي، فهي لا تنهار بسبب مضامين داخلية للأنموذج الأصلي، بل تتلقى تغييرا قسريا في بنيتها من قبل فروض النظام الاستعماري، كمحرك للعالم، بحيث تقلب هذا المجتمع عبر أنظمة اقتصادية، غيرت تركيبته وبدلت سلوكاته، من اشتراكية إلى رأسمالية متوحشة، إلى اغتصاب عولمي، يتجه إلى الاستلاء على المقدرات المادية والبشرية. هكذا تتلقى الأسرة العربية المسلمة، أنواع المتغيرات الفوقية وتُحّْمَلُ قسرا نحو التفكك، استكمالا لفلسفة الرأسمالية التي ترفع شعار “دعه يعمل اتركه يمر” وقد تجسد في الزحف الاقتصادي للشركات متعددة الجنسيات، التي تسللت إلى الهامش لتعيد صياغته سياسيا ومجتمعيا، حسب الميوعة الليبرالية المرافقة للرأسمالية الجديدة.

تصر اتفاقية سيداو، على نزع كل أشكال العنصرية بين المرأة والرجل، لكنها لا تجد صياغة لهذا النزع المرتقب سوى تصور لأنطولوجيا الذكورة، كصيغة يجب أن تكون عليها المرأة، فحولتها مباشرة إلى الشخصية الذكورية، لم ترقب فيها طبيعتها الهشة ولا وضعها البيولوجي الذي يتطلب حكمة المعاملة؛ فكانت جندية تحارب بين الرجال في حروب التعدي كما هو في العراق وأفغانستان، وهي اليوم تقود كبرى الشركات الاقتصادية، لتتولى نساء أخريات تربية أولادها خاصة أن البيوتكنولوجيا، قد فتحت إمكانات الانجاب بدون شريك، فغالبا ما تؤول قوامة الأسرة إلى المرأة، حيث يتوارى الذكر تحت ضغط التشريعات، التي غاليا ما تقف إلى جانب المرأة؛ بهذا غدت الأسرة مابعد الحداثية أسرة عنكبوتية تنقطع فيها أواصر الرحمة، وتنبني على الفردانية البحتة. ويبدو السؤال عن مدى توافق بنود اتفاقية سيداو مع الشريعة الإسلامية ذات أهمية بالغة. فهل يمكن أن تجتمع أخلاقية الشريعة مع اللاأخلاقية القانون الوضعي في بنية الأسرة؟ وإلى أي مدى يتفق منطق الميثاق الغليظ المؤسسة للأسرة المسلمة، مع بنية أنطولوجية تنبيني على فك المواثيق من أجل تثبيت الحق الطبيعي؟

والحق أن المسار الليبرالي لتحرير المرأة، يذكرنا بحالة النساء في أوروبا الثورة الصناعية، حينما اُسْتُدْعَيَّنَ -بفعل الفاقدة والقسمة غير العادلة للثروة-إلى العمل المضني في مصانع البرجوازيين، لينطلق من هنا بالضبط مسار تحرير المرأة وما لحقها من ملابسات مجتمعية، على صعيد الأسرة والعلاقات الإنسانية. هي إذن تكملة للحالة نفسها وضع طبقي أنثروبولوجي، يستدعي المرأة لكي تكون وقود على درب تركيم فائض القيمة، في بنية اجتماعية تقوم على الطبقية. وعليه يجب الحفر في العلاقة بين التشريع للمرأة في الاتفاقيات العالمية، من أجل حقوق النساء ومنها اتفاقية سيداو من جهة، والرأسمالية التي عممت وضعا أوروبيا تاريخيا على الإنسانية جمعاء من جهة أخرى.

في مدار تركيم رأس المال، فككت الرأسمالية الصياغات التشريعية ذات الخصوصية المجتمعية، وحاولت أن تمد بأنموذج واحد للحرية غير المراقبة بالفطرة الأخلاقية، وهو عين انتصار الليبرالية، إذ يُبَّيِن بيير مانينت ( Pierre Manent) أن هذا المنظور يُعرّض العناصر المكونة للحياة البشرية لنقدٍ تعسفيٍ وغير محدودٍ، ويَحرم الحياة الفردية والاجتماعية، من أي معايير للتقييم سوى المعايير التي يقرها الأنموذج الغربي. وبمجرد ضمان المساواة في الحقوق لأداء فعلٍ ما أو اتباع مسار ما، فإن الخطوة التالية هي تحديد القواعد، التي تجعل هذا الفعل عادلا أو هذا المسار مفيدا للصالح العام[5].فهل وضعت مواثيق حقوق الإنسان قواعد للفعل؟ أم أن الاختيار الفردي المنوط بالحرية، كحق قاعدي لحقوق الإنسان، هو من يملي على الفرد كيف الفعل وكيف الأداء؟ لأن نزع كل أشكال التفرقة بين الذكر والأنثى يعد كلام عام، لكن كيف يكون انطلاقا من حرية غير مراقبة أخلاقيا؟ تعود فيها الذات إلى مكنوناتها دون استشارة خارجية.

من الضروري ربط الدعوة الحقوقية، التي رافعت من أجلها الأزمنة الحديثة بالصراع على السلطة، لقد أدت الانهيارات الكبرى للمنظومة الاقطاعية، إلى تفكك المؤسسة الكنسية المتحالفة مع الاقطاع، فكان بذلك تعويض المبررات المرجعية للدين بمسوغات تتلاءم مع الطبقة الصاعدة، وهي هنا طبقة وسطى نمت وتحكمت بفعل المتغيرات التاريخية في المال والسلطة. وإذن سيكون لزوما البحث في الطبيعة عن أسس التشريع الإنساني، الذي سيعوض الحالة الدينية بالحالة المدنية، وعليه يكون العقد الاجتماعي طبقا للحق الطبيعي مبررا ونسقيا، ففك العقد مع الله استوجب عقدا مع الإنسان، وبدأ التشريع للإنسان منذ لحظة التحولات الكبرى، لإنسانية حديثة فكت رباط العهد، وبدأت تؤسس انطلاقا من الذات ولأجلها. فإلى أي مدى تجري هذه التحولات على المجتمعات العربية المسلمة؟ ألا يعني ذلك سيادة الهوى؟ وما أنزلت الشريعة إلا لدرء الهوى عن الإنسان وإخراجه عن داعية هذا هوى.

وعموما لا يمكن تجاوز الصيرورة التاريخية الغربية المنوطة بفك العقد مع الله، عند اختبار المواثيق الحقوقية التي تنزل من فوق على المجتمعات غير الأوروبية؛ كما لا يمكن أن نفصل هذا النزول، عن الهيمنة الرأسمالية على شعوب الأرض، لم تكن هذه المواثيق صيرورة تاريخية وضرورة مجتمعية؛ إنما هي تنظيم يوافق الاستغلال الرأسمالي، امتداد للأيادي الخفية واستغلال للمرأة. فهل نالت المرأة حريتها وفقا للمنطلقات التشريعية المنوطة بالحق الطبيعي؟ ألم تغدو موضوعًا استهلاكيًا مستنزفًا؟ ألم ينتهي معنى الأسرة مع تحرر المرأة، وفقا للمنطق العلماني الغربي؟ ألم يعد جسدها موضوعا استثماريا؟ يُرى في استغلاله ترويجا للسلعة وتدويرها، ليقف في مركز الدعوة الجندرية سفرا من الأنوثة إلى الذكورة، ليس وضعا وجوديا بل حالا متحققا عبر الوسائل التقنية. فإلى أي مدى تتوافق هذه الحالة مع وضع المرأة في العالم الإسلامي؟ وهل يمكن السير في ركاب اتفاقية سيداو؟ وكيف تقوض هذه الاتفاقية طبيعة المرأة، لتُحمل قسرا صوب انطولوجيا الذكورة؟

ويبدو السؤال عن مستلزمات اتفاقية سيداو واجبة في مجتمع مسلم، منوط بالتشريع من الميثاق الذي اُنزل عليه حفاظا على صلاحه، فالمختبر الأول الذي انطلقت منه اتفاقيات حقوق الإنسان، هو مختبر سرت فيه الدعوة انطلاقا من ثورة العقل على عقيدة التثليث، فكان خيار العقل المكتفي بذاته مدارا لتحرير الإنسان، من سلطة المؤسسة، التي يعتبرها كانط -بوصفه فيلسوف الأنوار-حال قصور لابد أن ينتهي بحلول الحرية، العقل والرشد، كمستلزمات يفرضها العقل المكتفي بذاته، وكذا الإنسان العاقل الذي يشرع لذاته[6]. والحق أن تتبع مسارات هذه الفكرة يعد أمرا واجبا لفهم المواثيق الدولية التي تنزل من الحكومة العالمية، ذلك أن تحقيق مناطها في العالم، يميط اللثام عن مصداقيتها الأخلاقية، تشهد عليه مسألة الدعوة الجندرية التي عمت الآفاق، ففجرت الكينونة الإنسانية مؤذنة بنهاية الإنسان.

يشهد عالم اليوم فوضى قيمية عارمة، ترافقها علامة بينة تتجلى في غياب كلي للأخلاق، مقابل التكثير من مواثيق حقوق الإنسان. ولعل موت الفطرة الإنسانية، هو أَبّْيَنُ مما يمكن بيانه. ولأن هذا الوضع هو خلاصة عن تحقيق مناط التشريع انطلاقا من الحق الطبيعي المرتهن بالذات البشرية[7]، فإن التدقيق في مواثيق الحقوق الإنسانية، يجلي لماذا أشرف المجتمع البشري على النهاية باعتباره بشريا؟ وسلك دربا رفض ماهيته الأخلاقية، مؤسسا لمنظومة قانونية ترعى تكثير أغراضه الحيوية، فكانت العقلانية صيغة تبرر ما تطلبه الغريزة[8]، وليس العكس بمعنى ترفعها وتقومها لكي تكون أخلاقية.

تكون التشريعات الموثقة في الأمم المتحدة عن المرأة، أحد هذه المواثيق التي فككت الفطرة وقتلت روح المرأة بأن نزعت عنها أنوثتها، فحملتها نحو رفض ذاتها والسعي إلى ماهية ذكورية تطلبها. فكيف تدحرج الحق في المحافظة على حق المرأة احتراما لكرامة الماهية الأنثوية، إلى نزعها في سبيل التحرر؟ ما هي ضوابط هذا التحرر؟

ففي مان السعي لانسلاخ الماهية الأنثوية، فقدت المرأة أنوثتها وتحولت إلى ذكر مشوه ملحق بالذكر. فهل نالت المرأة حقها في وجود متناغم مع وجودها، عبر الارتكاز على مواثيق حقوق الإنسان؟ كيف تحولت اتفاقية سيداو إلى صيغة آمرة، تحمل المرأة من حال الفطرة، اعترافا بأنوثتها إلى حال العبودية بِتَذَكّْوُرِها؟ ما هي مآلات تحرير المرأة المسلمة، انطلاقا من مواثيق حقوق الإنسان الأممية، وعلى رأسها اتفاقية سيداو؟

يدفع السؤال السابق إلى ضرورة البحث عن علاقة المرأة بالرجل، واختبار طبيعة الرجولة في الموازنات، التي تجري في مسار التحرر السائل، الذي تشهده المجتمعات العربية المسلمة، من جراء فرض التنسيق بين المؤسسات الأممية والمؤسسات الوطنية. فهل تصمد الأسرة في هذه المواقع، أمام السيل الجارف لحقوق الإنسان، بأجيالها المتلاحقة ومنها حقوق المرأة؟ ما هو دور الرجل بوصف الرجولة فحولة ومروءة، في درء التتابعات اللاحقة لمسار تحرير المرأة دون ضوابط فطرية وشرعية؟ ما مصير الأسرة المسلمة في تقلبات العولمة؟ هل هناك حقوق طبيعية في التصور الإسلامي؟ ثم ما مدى توافق مفهوم الحق الطبيعي، مع مفهوم الميثاق الذي واثق به الله بني آدم على التوحيد؟ فهل يتم تعويضه بالحق الطبيعي غير المراقب؟

أولا-الحداثة والتشريع وفقا للحق الطبيعي: يكون من نتائج الحفر الأركيولوجي، في أساسات المواثيق العالمية لحقوق الإنسان، استدراك مُبَّيِنٌ لطبيعتها، إنها نتاج لوعي إجرائي، وعملية معاوضة جرت بين ميثاق العهد الديني الموصول بعقيدة الإنسان الإله المصلوب من جهة، وميثاق الإنسان مع نفسه من جهة أخرى، وبذلك تمثل عملية تاريخية عوضت قانون إلهي، تحرك في سياق عقيدة التثليث، بقانون إنساني موصول بالطبيعة البشرية، في سبيل التحرر من عقيدة جلبت الغموض والعنف، يشهد على ذلك الصراع المرير بين الطوائف الدينية المسيحية، الذي عمر أرجاء العصور الوسطى ممتدا إلى قرون النهضة التي تلت[9].

اقتضى مسح الطاولة من المرجعية اللاهوتية، تحرير الإنسان من حبائل الدين، مما فرض ضرورة بناء مرجعية جديدة  تؤسس شرعية إنسانية، ترجيحا لمواثق محددة بالصيغة الطبيعية تضفي المشروعية على القانون باعتبارها كونية، فما هي طبيعة هذه المرجعية؟ كيف غدى الحق الطبيعي، مفهوما كونيا له أولوية التشريع؟ وكيف تحول إلى شرعية أخلاقية وقانونية، لها قوة التأسيس في العصر الحديث؟

في مدار الهيمنة الغربية على العالم، وتحولها إلى استقطاب مركزي متعالي، جرى قتل الثقافات الإنسانية، وتكسير الأنماط التنظيمية للمجتمعات الأخرى، ومن ثم فُرِضَتْ الأنطولوجيا الغربية فرضًا قسريًا؛ هي عملية ضرورية لتمدد الأيادي الخفية وضمان البقاء الأبدي، لنزعة الاستهلاك بوصفها مجالا لتدوير السلعة، لتَنْتُجَ أثناء ذلك البنى الفوقية متجلية في الأفكار، القيم، الأفعال، هي منظومة كلية لها قوة التأثير، تضمن رجاحة التصور الليبرالي والنظام الرأسمالي البورجوازي، تلك هي التصورات المرجعية التي ترجح قيام المواثيق الوطنية والدولية على مصداقية الحق الطبيعي. أفلا تعد هذه المواثيق حصنا للنظام الرأسمالي؟ فهي ترعى حرية غير مراقبة عبر الأخلاق، كما تنمي تفكك الأفراد عبر تجذير الفردانية، وتوسيع مجال حرية هلامية لتكون قيمة القيم، و تعد بمثابة: »عقد ميلاد مجتمع الأفراد « [10].

وفقا للمرجعية السابقة، تنبني كثير من مواثيق حقوق المرأة، التي تتالت محروسة بقانون دولي يسيره الأقوياء، إلى أن غدى مانعا يحول دون الخيارات الموصولة بالثقافة، هو قانون محفوظ بمراقبة ومعاقبة للمارقين، تحرسه مؤسسات دولية تمتلك سلطة القرار الكلي على ساكني العالم. فإلى أي مدى يمكن الوثوق بمواثيق حقوق الإنسان، بأنواعها وأجيالها  المسندة إلى هذه المؤسسات؟

1 –الحالة الطبيعية وتشريع الذات للذات: من بين تتابعات النقدية العقلانية، هو بناء الشرعية السياسية على مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يعني بناء عقد يربط الذات الإنسانية بوصفها إرادة، تستند على الحرية بالسيادة، يعبر هذا الارتباط عن موافقة، جرت في سياق تصور افتراضي لعقد ينتهي إلى غاية محكمة، تجلت في المحافظة على الحقوق الطبيعية، لتكون حقوقا مضمونة عبر التشريع المنوط بالإرادة العامة، من هنا انبثق المجتمع الحديث والدولة المدنية، ليكون الحق الطبيعي أساسا لرفاهية المواطن في هذا المجتمع.

تتكفل السيادة بالمحافظة على الحقوق الطبيعية عبر القانون، فتكون الحرية عند روسو حقا طبيعيا أصيلا، يُحفظ عند الانتقال، من الحالة الطبيعية إلى الحالة  الاجتماعية عبر إبرام العقد ، وعليه فإن بناء القانون سيكون مؤسسا على عقد كفيل بضمان الأسس المرجحة له، التي هي الحقوق الطبيعية  عبر القانون الذي يحافظ عليها من كل انتهاك، ليتحكم  في العلاقات الإنسانية ، »وكما تمنح الطبيعة كل إنسان سلطة مطلقة على جميع أعضائه، فإن الميثاق الاجتماعي يمنح الهيئة السياسية سلطة[…] فالمقصود إذًا أن نحسن التمييز بين حقوق كل المواطنين وصاحب السيادة، بين الواجبات التي يجب أن يؤديها أولئك المواطنون بوصفهم رعايا والحق الطبيعي الذي يجب أن يتمتعوا به باعتبارهم بشرا « [11]هكذا تسري روح الحق الطبيعي، في القانون الوضعي الذي ينظم الحالة السياسية، ويعمل على الترجيح الشرعي للعلاقات الإنسانية، التي تجد مبررها في منطق الحق الطبيعي في حد ذاته.

وإذن سيكون من غير الممكن وعي العلمانية التي تمثل أفق التجلي للحضارة الغربية[12]، دون ادراج فلسفة الحق الطبيعي مساحة للفهم والتفسير، فقد مثل نجدة للعقل الإنسانوي، منذ الاستشراف النهضوي الباعث على ثورة الناسوت ضد اللاهوت، يضمنه العقد الاجتماعي الذي يؤسس دولة مدنية. بهذا لم يكن ممكنا تفكيك سلطة المؤسسة الدينية، بوصفها الجامع لتفسير المصير الإنساني الدنيوي والأخروي، دون الكشف عن ترجيح للمرجعية القادمة، التي ستشكل أصلا للتشريع.

فبين ثنايا التميز بين الإنساني والإلهي يؤسس  العقل السياق الإنساني للحق الطبيعي، لينتقل من أصله الإلهي، كما هو عند بيرلاماكي [13](Burlamaqui )، إلى بعده الإنساني الخالص عند فلاسفة العقد الاجتماعي، ممدا بالترجيح الكوني للبناء اللاحق. ربط هوبز فكرة العقد الاجتماعي بالفهم الواضح، لعناصر الحق الطبيعي والحق السياسي. فمن المهم جدا معرفة الطبيعة الإنسانية، ومعرفة ما هو الجسم السياسي، الذي يحفظ الحقوق الطبيعية[14].

عموما فقد لعبت نظريات العقد الاجتماعي، التي فسخت ميثاق العهد مع الإله، دورا محوريا في ترسيخ المبرر المنطقي لشرعية بناء النسق القانوني على الحق الطبيعي، بهذا غادر الإله مساحات القول والفعل، ليكون الوضع الطبيعي للإنسان هو المرجح لشرعية كل قانون، وعليه يرتكز وعي الحداثة على إيلاء عملية المعاوضة دورا مركزيا، مؤسسة للأبعاد التشريعية جملة، سياسية، مجتمعية، أخلاقية وهلم جرا.

لابد من إدراك الصلة بين ورود الحق الطبيعي، والمرجعية الإغريقية الرومانية، التي أمدت الأزمنة الحديثة بالمشروعية، حيث يجعل شيشرون منه قانونا داخليا يعمل وفقه الإنسان، فكل إنسان يستدعي باطنه، إذا كان بصدد الحكم على موقف ما، أو خيار تشريعي محدد[15]، وستتكفل السيادة في الدولة المدنية بوضع القانون الذي يجسده، عبر ميزان الديمقراطية، وإذن تم استرجاع مفهوم الحق الطبيعي، مع تواري المؤسسة الكنسية الحاكمة، واستتباب الفلسفة الإنسانية، التي تحتفي بالمركزية المطلقة للإنسان.

وعموما ترتكز مشروعية التشريع في الدولة الحديثة، على الشرعية الإنسانية مستمدةً منها مبررها الأساس، الأمر الذي يستدعي ضرورة ترقب الإنسان لإحساسه الباطني بناء لمنظوماته التشريعية، لكن الملاحظة التي تجذب إليها الاستثناء، أين يوجد هذا الإحساس؟ وما هي طبيعة هذا الباطن الإنساني؟ يجيب هوبز مبينا بأن القاعدة هي الطبيعة البشرية، ليجعل من العقد الاجتماعي قرينا مباشرا ضمن طبيعة بشرية شريرة[16]؛ حيث تتحرك العواطف والحاجات الأولية.

 2 – الحق الطبيعي والتأسيس المرجعي لميثاق حقوق الإنسان: فرضت الصيرورة التاريخية للأزمنة الحديثة، العلمانية سياقا كونيا موصولا بالحرية كقيمة طبيعية، فبدى التنسيق جليا بين ثلاثي الحداثة، الحرية، الحق الطبيعي والعلمانية لبناء كل مشروعية؛ أما عن صلة هذا الثلاثي بميثاق حقوق الإنسان، فيعد بدون مواربة صيرورته، وبنية حتمية لمنطق الكونية الإنسانية التي وسمت الحداثة، أما عن تعميمه فيكون ضروريا، في مدار الهيمنة الغربية على العالم وخلق التابع.

لقد غدت نظرية حقوق الإنسان النظرية الوحيدة للتشريع، في فضاء الدولة الإنسانية الواحدة التي تمثلها هيئة الأمم المتحدة، سيتجلى البعد الفردي عميقا، ونحن نتتبع في ميلاد أجيال حقوق الإنسان نسخا متتالية، كان لهذا البعد دورا في منزلقات متراكمة من جراء مطالب الأنسنة، الداعية إلى  مزيد من الحرية،  التي لاريب أنها اتجهت إلى السيولة[17]، لانها تفكك القيم وتصبغها بالضبابية. يكون هذا الأنموذج من الحرية هو القائد إلى الفيض المتتالي،  لأجيال الحقوق المتلاحقة، لتشكل أفقا للوجود وصيغة تحكمية، طلبا لمزيد من الاسترخاء الأخلاقي؛ تجدر الإشارة إلى أن هذا المد يقابله انحصار في الواجبات، لكي تصبح العلاقة بين الحق و الواجب مدارا لصراع مرتهن بالأنانية، الأمر الذي يجلي بوضوح لماذا كان الصراع التنافسي بين المرأة والرجل، فقد هجرت المرأة كينونتها الموصولة بواجباتها المنوطة بالأسرة، ورأت في نفسها أنها ذكرا يجب أن ينال حظه من الذكورة وبالتالي من القوة.

برر الفيض السائل لحقوق الإنسان، ذلك التلاحق المتتالي للانفجار الحقوقي، لأجيال حقوق الإنسان المتعاقبة، فقد فُتحت هوة الحقوق عميقة، توسع هوة الحرية غير المراقبة بالأخلاقية، إلى حد لم يعد للإنسان إمكانية لأداء الواجبات، فبدى التكثير من الحقوق تملصا من الواجبات، وإنكارا حتى للطبيعة البشرية والفطر التي سار عليها الناس؛ وفي تحقيق مناط الوضع البشري في حضارة اليوم، يبدو جليا أن لوائح حقوق الإنسان المتتالية، أحدثت فوضى جمى وخللا في الهيكل الاجتماعي للبشرية جملة، دليله هو وضع الأسرة اليوم في الغرب، فقد ذابت ولم يعد لها وقع في المجتمع.

ولعل أقرب حدث منا نتج عن تداعي أفعال الحرية -تكثيرا للحقوق الطبيعية- هو الصياغة الجندرية التي ترددت منذ زمن قصير حول انخرام الحدود بين الذكورة والأنوثة، لتمثل دعوى للتخلص من الفرق بين الجنسين، فعلى كل منهما اتخاذ قرار الانتماء، وهي أدهى ما توصل إليه الشيطان البشري، من قرارات تفكيك الطبيعة البشرية، وتمثل اتفاقية سيدوا أنموذجا لهذا الحال، لم يعد للمرأة واجبات تؤديها، إلا وهي متساوية مع الرجل، مع العلم أن هذه الواجبات قد تختلف بين الجنسين، فكيف يمكن أن تتساوى الحقوق والواجبات بين جنسين، تدلل الفطرة والطبيعة أن العلاقة بينهما علاقة تكامل وليس علاقة مساواة حصرية؟ ذلك أن موازين القوة دائما ما تكون لصالح الرجل من جهة واجباته، وهو ما ألبس الأنوثة لبوس الذكورة، وزاد الحمل عليها لأنها بهذا فتحت مساحات تفوق طاقتها، وتُكسر الفطرة، فنتج عن تَذَكّْوُر الأنثى -بمغادرتها لطبيعتها-، موت الأسرة وتفكك المجتمع، وزوال الروابط الأخلاقية التي باعدت بين الأفراد.[18]

أصبحت مبادئ حقوق الإنسان المرجع الشرعي الوحيد، لتنظيم العالم البشري وتوجيه الحياة الاجتماعية والفردية. ونتيجةً لذلك، لم يعد للقانون السياسي غاية سوى ضمان توسع نطاق حقوق الإنسان. لم يعد القانون يأمر أو يوجه أو يرشد، بل أصبح يُجيز ويمهد للسيولة القادمة، دليله سير التشريع مع فوت الفطرة الإنسانية، حيث تلتزم الدولة المدنية بصيانة الحقوق دون مناقشة.

وهكذا توجه ميثاق حقوق الإنسان، لا ليحمي المؤسسات – سواءً كانت الدولة أو الأسرة أو الجامعة – بل ليمنح كل فرد إذنًا غير مشروط لمزيد من الحقوق الطبيعية. وبالتالي، لم تعد المؤسسة محمية أو خاضعة لقانون يُلزم الفرد، بل يتمتع الفرد بحق يُلزم المؤسسة دون قيد أو شرط، في هذا السياق توسعت حقوق المرأة إلى أن حصلت طلب  الحق في الزواج المثلي، الحمل من دون وجود شريك شرعي، وزاد الطلب على التحول الجنسي، وزواج المتحولين وحَمْل الذكر وتحمله الأمومة بصفة غير طبيعية، فأدى ذلك إلى موته. هي خلاصة المواثيق التي بُنِيَتْ على منطق الحق الطبيعي الموثق بتشريع الذات لذاتها دون مراقبة أخلاقية، تعمل على توجيه الذات صوب القيم.

في إطار تفكيك الطبيعة البشرية وتعويم الحقوق، مقابل تراجع الواجبات، كانت الدعاوي المحمولة في اتفاقيات حقوق النساء، إحدى منطلقات إعادة تنظيم المجتمع البشري، بما يلائم الوضع الاقتصادي العالمي وقد هيمنت عليه الرأسمالية والنظام العولمة المرافق له. فما تردده منظمات حقوق المرأة برعاية أممية، لم يكن ليعنيها وضع المرأة المبتزة من قبل أنظمة استهلاكية تستعبد النساء، تشتري منهن أجسادهن وتستغلهن في محو كرامتهن، فلا تعنيها حقوق المرأة الفلسطينية -مثلا – وقد انتزعت منها حريتها وخاب أمرها وأملها في وجودها بكرامة. ذلك أن ما يعني الاتفاقيات المتلاحقة فيما يخص حقوق المرأة هو تغيير طبيعتها والحاقها بالذكورة، فعلى المرأة أن تنزع عنها خصائصها وتلتحق بفضاء الذكورة، لأن الأنموذج المرغوب يتمحور حول الطابع الوجودي للرجال.

تلك هي خلاصة الدعوة المبطنة، في الاتفاقيات الأممية حول المرأة، أولها وجوب التشريع السياسي الذي يحيد الخصوصية الثقافية للمجتمعات البشرية، وأبرزها رفع التمييز العنصري بين النساء والرجال، تبدو الدعوة غريبة ذلك أنها في المجال التطبيقي آلت إلى سجن المرأة في قفص الذكورة، وجعلتها مُلزمة بالصورة الذكورية حسب الأنموذج الذي تفرضه المركزية الغربية. فهل تحررت المرأة حقا؟ لقد سجنت في أنطولوجيا الذكورة، وتم التعدي على طبيعتها وفطرتها، فتحققت بطلب تغيير جنسها إلى ذكر، تحققا واقعيا قامت به المساعدة الطبية والبيوطبية.

عموما ينجلي بوضوح تام، ذلك الوصال بين طبيعة الحق الطبيعي، وحقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة، بل هو مسارها الحتمي الذي يعني أن التشريع للبشر يصدر من الطبيعة البشرية، وما تمليه على الذات من فروض تخدم مطالب المصلحة الذاتية. فما هي نتائج المصلحة التي تتكافؤ مع الهوى؟ كيف تكون القوانين ملبية لمطالب الهوى؟ فأول حق من الحقوق الطبيعية وهو الحق في الحياة، يحوم حوله الكثير من الغموض والتعقيد، كما هو حاله في الإجهاض والموت الرحيم، ناهيك إذا استثرنا حقوقا أكثر تعقيدا كالحق في، المساواة، العدالة، الملكية، ونعرضها على المواقف التي أداها الغرب اتجاه الشعوب الأخرى، أين هو الحق الطبيعي؟ وأين هي حقوق الإنسان؟

يفسر الوصال بين الحق الطبيعي وأنواع حقوق الإنسان، الفوضى التي صار إليها الناس، وصار إليها أيضا المجتمع العربي الإسلامي، في خضوعه قسرا للتنسيق القانوني الموصول بفلسفة الحق الطبيعي، التي تقع نقيضا للشريعة الإسلامية الموصولة بالميثاق الأخلاقي، فقد تجاوز هذا التشريع المنقول، ترجيح المصلحة من المفسدة وتتبع مناطها في الواقع، فكانت معظم المصالح المجلوبة من ميثاق حقوق الإنسان، مفاسد جَرَّت الويل على الإنسانية أبرزها قتل الفطرة، تفكيك الأسرة ونهاية المجتمع، فما هو مصير الإنسانية؟ هل نقر مع فرنسيس فوكوياما، بتباشير نهاية الإنسان[19] ليس عبر البيوتكنولوجيا فقط، بل عبر موت الفطرة. هل نخاف على مصير الأجيال القادمة، من تفاقم آثار التكنولوجيا وأخواتها على الأجيال القادمة، كما أردف إلى ذلك هانس يوناس[20]، خوف لن يكون من المنظومة التقنية فحسب، إنما من مسخ الفطرة الإنسانية وانقلاب الموازين الطبيعية، باجتماع التغيير في طبيعة الأنثى بين صورتها في منظور النسوية، والتدخلات البيوتكنولوجية.

ثانيا-أجيال حقوق المرأة والتقلبات الأنطولوجية للأنثوية: تسارعت التحولات الإنسانية المرافقة للحداثة، بتسارع المطالب الاجتماعية، التي بدت في حركة متصاعدة، نظرا لسيطرة الخاصية الفردانية والنزعة الاستهلاكية، على قيادة الذات نحو غائية اللذة والمنفعة. وإذ ذاك توسعت مساحة الحرية بوصفها حقا طبيعيا، يحفظه القانون الضامن لاحترام الكرامة الإنسانية، كرامة موصولة بالحرية يكفلها القانون في الدولة المدنية الحديثة، ذلك هو الإطار العام للحقوق المنبثقة، ومنها حقوق المرأة.

عند النظر في التشريعات المتتالية، صياغة للقوانين التي تشرعن وضعا بشريا منوطا بالحق في الحرية، مثل التشريع، للموت الرحيم، الزواج المثلي، الأم الحاملة، السياحة الإنجابية، التحول الجنسي وهلم جرا، من الأحوال الناتجة عن توسع الرهانات الإنسانية الموصولة مباشرة بتلبية الحق الطبيعي، يتبين بأنها صياغة قانونية لتقلبات فردية ومجتمعية، مرتبطة في معظم الأحيان بأحوال للهوى والمصلحة الآنية القريبة، التي تُمكن منها الحرية محيطا ينمي الفردانية ويوسع في مداها. وإذن تمثل هذه التشريعات المنبثقة لحظة ضرورية لتثبيت التقلبات الإنسانية، في مدار تلبية مطالب الحق الطبيعي، لتحرسها بعد ذلك أنواع أجيال حقوق الإنسان التي تقرها الأمم المتحدة، ثم تفرضها على الإنسانية بوصفها قانونا، يُمَكِّنُ من انفتاح الإنسان على حقوقه. ولعل نظرة في التشريعات الكندية للأسرة، يثير الحيرة فيما حصلته الحداثة من رعاية للهوى والمحافظة عليه عبر القانون.[21]

رعاية لحق المواطنة انبرت الدولة المدنية بوسيلة الديمقراطية، لرفع لائحة المطالب النسوية، لكي تكون مرجعية للتشريعات الخاصة بحقوق المرأة، ويلتقي الترسيم القانوني للحق النسوي، مع تحول الحركة النسوية إلى خانة النضال السياسي والمؤثر الحزبي، تحريكا للمعارضة السياسية في سبيل المزيد من المكتسبات، لتغدو خصما قويا في مدار الحركة الليبرالية استزادة في نسب الحقوق منها مثلا الحق في الإجهاض، ففي إطار النقاش الجاري حول نجاعة هذه التطبيقات البيوتكنولوجية، تنطلق النسوية من مبادئ الحق الإنساني والحق المدني، في الدولة العلمانية معتبرة إياها مبادئ أساسية، في تحديد نجاعة هذه التطبيقات على جسد المرأة، فكل كائن سواء كان رجلا أو امرأة، يتميز بالعقلانية مشكلا لفردانية متفردة، فمن الواجب ضرورة، احترام خياراته بمفاصيلها و منعرجاتها، التي تنبو عن خيارات ذاتية خاصة[22]. بهذا يصر اتجاه من النسوية، على فتح مجال الاختيار فيما يجب الأخذ به، في ميدان العلم                   و البيوتكنولوجيا، إذ يتعلق الأمر بخيارات ذاتية ترتهن بحقوق الإنسان، وعليه فإن كل من العلم و البيوتكنولوجيا  يمكنان من خيارات خاصة بالحياة البيولوجية وتجلياتها الأنطولوجية، قد تبدو صادمة، مثلا الأمومة بعد  سن اليأس بواسطة التلقيح الاصطناعي[23]،فهل نوقف مسار هذا الإمكان باعتباره فاقد للمصداقية الطبيعية؟ أم نعمل على احترام خيار المرأة التي تريد الإنجاب بعد سن اليأس؟

هكذا تصاعدت المطالب النسوية وتوسعت، انطلاقا من رؤية صراعية تجعل من الذكورة مجالا خصبا، لوعي المنحنى الذي يجب أن تصل إليه المرأة، لا باعتبارها ذاتا متفردة بل رهينة للتصور الذكوري؛ بهذا كان للفلسفة النسوية تأثيرها على بنية المجتمع، في دعوة النساء إلى مغادرة بين الزوجية[24].

سيرا مع التحولات الليبرالية، التي وسعت الهوة بين الحرية والقيم، ومع النمو المفرط للنظام الرأسمالي، انصهرت أنطولوجيا الأنوثة في أنطولوجيا الذكورة، لتحدث الحركة النسوية شرخا في عقيدة المرأة عن نفسها، بهذا شكلت المساواة بين المرأة والرجل، عملية تناسخ، تفككت معها الذات الأنثوية. ويبدو أن حال الانفصال الذي حصلته المرأة، يؤكد حتمية التحول الجندري كحق من الحقوق الإنسانية، ترجحه الحرية كحق طبيعي يدعو إلى فك عقده اللصيقة.

الملاحظ على الترتيبات التي وضعتها السياسة، فيما يخص الحق النسوي، هي كونها مقرونة بانفجار فيضي لمطالب الحرية التي بدت سائلة فائقة، ومن ثم صياغتها لقوانين تبرر مشروعية هذا الحق البديهي، ووضعها لقوانين تشريعية تمد بالمشروعية لما رأت فيه الحركة النسوية حقوقا لصيقة بالحق الطبيعي، وستتبناه الأمم المتحدة لخلق ذوات بشرية تابعة للنظام الرأسمالي، ألا ترى كيف تحول جسد المرأة في هذا النظام إلى حال استهلاكية؟ فما هي صلة المتغير الجندري الذي أومأت به دلالة الجنس الأخر، بالتحولات الكبرى من أجل أنوثة متعينة بالذكورة؟

1 –من المساواة في الحقوق المدنية إلى الجنس الأخر: كان التتالي النمطي لأجيال حقوق المرأة، مرسوما في بنية جوهر النظام الحداثي، الذي يعني تكسير الثوابت وإحداث القطائع. ففي مضمار التفسير الصراعي للعلاقة بين المرأة الرجل، ترى الماركسية أن الرجال قد عملوا -عبر تنميط طبيعي واجتماعي لوضعية المرأة- على تقسيم طبقي، جعل المرأة دائما خادمة للرجل تابعة له،[25]وهي في سبيلها نحو التحرير لابد أن تمر على الحرب التي يجب أن تكون بين الطبقات لتتحدد الطبقة المناوئة للمرأة في الرجال.

من جهة أخرى فتحت الليبرالية مجال الحقوق المتعددة، محركة دواعي التحرر النسوي في قلب الحراك الذي بدى محموما في القرن التاسع عشر، ولهذه الفكرة جذر مكين في الفلسفة الليبرالية لجون ستيوارت مل، فقد نبه إلى أن افتقاد المرأة لحقوقها الكلية، وتبعيتها للرجل تعد فكرة شائكة وعميقة الجذور في الظلم الاجتماعي، من هنا سيشير ضمن منظومة الفكر الليبرالي، إلى ضرورة تحرير النساء ووضع منظومة حقوقية، تتكفل بالدفاع عنهن متسائلا عن الفائدة المرجوة من ذلك قائلا: »هل سيكون الجنس البشري، أفضل في أي جانب إذا ما تحررت النساء…؟[26] «  وعليه انبرت الحركات النسوية للدفاع عن الحرية ونيل الحقوق المدنية، إلى حد أن تُوجت باتفاقية سيداو كاتفاقية عالمية، تقحم كل النساء في مسار التحرر، وفقا للأنموذج الذكوري المرغوب من قبل المركزية الغربية، وبالتالي انتجت امرأة واحدة وقتلت ثقافات وتقاليد إنسانية أخرى.

هكذا تعد اتفاقية سيداو خلاصة لمرجعية غربية تراكمت احداثياتها واحداثها، وسلكت مسارات فتحتها النقدية الحداثية كشرط للعقلانية؛ هي صيرورة لدروب الانكشاف في مدار تحقيق الحرية المغروزة، في بنية الذات حقا طبيعيا و قيمة متعالية اعتلت سلم القيم، تديره بفوقية ليلبي مطالبها الأكثر تطرفا، ولأنها تتميز بالهلامية فقد فتحت مساحات الذات، تفتقد الصفة الانضباطية، تتحرك في سيل من المطالب التي تعدت وجه الفطرة الإنسانية.

وإذن هناك الذات الحرة غير مراقبة تأمر من ذاتها، لتحين كل القيم لتلبية أمرها، وعليه تشعبت مطالب النسوية، إلى أن غدى مطلب التحول الجنسي أحد مظاهر الحرية الإنسانية، المسموح بها على نطاق واسع. ولعل هذا ما سيفتح السؤال عن حقوق المتحولين جنسيا، لتكون هناك حاجة ماسة للتشريع لهؤلاء، باعتبارهم جنس ثالثا في مدار التحولات الجنسية اللاحقة. فما هي حقوق الذكر الذي تحول إلى أنثى؟[27]

وهكذا لم يعد شأن الهوية معروفا في حال تنظيم بشري مؤسس، بل إن كل من يدافع عن النسوية لن يقتصر على جنس أو نوع اجتماعي واحد، فهناك نساء ورجال يعتبرون أنفسهم نسويين، من بينهم المثليين والسحاقيات، والمغايرون جنسيا ومزدوجو الميول الجنسية، ومتحولون جنسيا وآخرون لا يعرفون هوياتهم الجنسية. الحاصل إن مبرر هذه الفوضى الوجودية، هو البناء التشريعي المؤسس على مفهوم هلامي، فاقد لمرجعية مؤسسة وهو الحق الطبيعي الذي عقده الإنسان مع نفسه ووافقت عليه السيادة في الدولة التعاقدية، حماية له دون تقصي المصلحة والمفسدة فيما يخص الشؤون الإنسانية. ويبدو أن المقولة السفسطائية” الإنسان مقياس الأشياء جميعا الموجود منها واللاموجود” توضح المنحدرات التي سارت فيها التشريعات الغربية فيما يخص حقوق الإنسان.

في مدار تحقيق مطلبها الرئيس، الذي يتمحور في الأصل على تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، بدأت الحركات النسوية مبكرا في الدفاع عن حقوق النساء، تحقيقا لغاية واحدة هي المساواة مع الرجال في كل الحقوق، التشريعية، السياسية، الاقتصادية من أجل العيش في ظل مساواة ندية بين الرجال والنساء، ومن ثم تنال المرأة منزلة مساوية للرجل، وقد جرت هذه  المطالبة في فضاء صراعي تنافسي، يركز على نيل الحقوق واعتبار الواجبات مجال استبدادي يضيق الهوية الانثوية .لا يمكن الادعاء بأن وضع المرأة الحقوقي في العالم كان على أحسن حال، إذ الدفاع عن الحقوق يعد أمرا مشروعا بالنسبة للإنسان مهما كان جنسه؛ بيد أن اختلال التوازنات الوجودية والأخلاقية، البادي في مطالب الحركات النسوية، يكمن أصلا في  تجاوزها لأنموذج نسوي متفرد، يعطي للمرأة حقها كامرأة فقد حملها الصراع إلى تبني الأنموذج الذكوري، ومن ثم زاد في استعباد النساء بحصرهن في المجال الذكوري، حيث فقدت المرأة صورتها المتميزة، وسارت في درب تقليد الذكورة ظاهرا وباطنا، فكان اغترابها عن ذاتها وحقيقتها الوجودية.

انطلقت موجة تحرر النساء، متزامنة مع الدعاوي التي طالبت بالحقوق المدنية، لتمر  بمراحل متتالية، بدأ بالمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية كحق الانتخاب والعمل، وستتطور المطالبة بالحقوق لتتكاثر بدعوى نيل الحريات وتفكيك السلطة الأبوية.

يعد كتاب سيمون دي بوفوار “الجنس الثاني” مانفستو نوعي في مدار تحرير المرأة، ليس عبر نيل الحقوق بل بإعادة إنتاج ذاتها وفقا لرؤية فلسفية تعتبر الحرية منطقة حركة وجودية، وتموقعا في مساحة الوجود لذاته السارتيرية، بمعنى أن اعتبار دي بوفوار “المرأة لا تولد امرأة المجتمع هو الذي يجعلها امرأة” ،كان مفتاح التدحرج اللاحق الذي ينتهي اليوم بفتح المفهوم مابعد الحداثي الذي يؤكد على انفجار الهوية، وعدم قدرة الإنسان تحديد هويته بين الذكورة والأنوثة.

وعلى الرغم من أن تحليل الفيلسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار، يصبو إلى تحرير المرأة عبر تجاوز إنيتها كإمرأة، وتفكيك صورتها الأنثوية، بيد أن صيرورة الأحداث ستحدد الهوية الأنثوية عبر تنميط ذكوري وما بعد ذكوري عندما ستتفجر الهوية الجندرية، حيث ستضمر الدعاوي النسوية المتلاحقة، فكرة مبطنة في مسار مطالبها المتلاحقة، تتجلى في اعتبار أن الأنموذج المحبذ لحرية المرأة هو أن تتشكل الأنوثة أنطولوجيا وفقا للذكورة، هو المسعى الرئيس الذي بدأ في البدايات الأولى محتشما، إلا أنه وصل إلى دعاوي أكثر تطرفا عندما يكون من الأرجح، التصرف في الجنس حسب المشيئة، بهذا تحولات كثيرا من النساء بفضل الآليات الطبية والتقنية إلى رجال تحقيقا لأحلام المغايرة التي فككت الوجود الأنثوي بتفكيك هوية المرأة، بعد ان مررن على فضاء فقدان الهوية أنثوية أو ذكورية.

2 –الجنس الثاني وتفكيك الأنطولوجيا النسوية: دفع كتاب الفيلسوفة الوجودية الفرنسية لسيمون دي بوفوار” الجنس الثاني”، نحو تطور  الحركة النسوية محددًا لإطارها الكلي، فقد أفاضت دي بوفوار، في تحليل وضعية المرأة الأوروبية، لتتساءل عن لماذا لم يؤلف الرجال كتابا عن وضعية الذكر؟ إذ الذكورة تاريخ طويل، وهي نمط وقالب الإنسانية، أما الأنثى فهي جنس ثاني، لذلك تستفهم  دي بوفوار قائلة:   » والسؤال الذي يفرض نفسه […] كيف تمكن أحد الجنسين فقط، من فرض نفسه كجوهر وحيد منكرا وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر. معرفا إياه بأنه الأخر الصرف، ومن أين أتى للمرأة هذا الرضوخ[28] «  في إجابة عن هذا السؤال رأت الفيلسوفة الفرنسية أن المرأة “جنس ثاني”

كانت عبارة ” الجنس الثاني” شعارا للحركة النسوية، في مختلف توجهاتها، لتجتمع نسويات المعمورة على عبارة مشتركة” إن المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة” فالمجتمع هو الذي يقوم بصياغة الأنثى، بواسطة التفرقة بين الذكر والأنثى، وليس الوضع البيولوجي، هو الذي يجعلها أنثى، فالمجتمع هو الذي أدخلها، في وضع اجتماعي وثقافي متميز بالدونية. كما قدم كتاب ” اللغز الأنثوي” للكاتبة بيتي فريدان ،دعما للموجة الثانية من النسوية، حيث ركز على ضرورة إعادة تشكيل الصورة الثقافية، للمرأة من أجل السماح لها، بالوصول إلى النضج والهوية الأنثوية واكتمال الذات[29].

وعموما فقد ارتهن مطلب التحديث، بخطوة فاصلة تمثلت في تحرير المرأة، من شبكة العلاقات الاجتماعية المُهمِينةَ. لذلك حركت النسوية المجال الليبرالي طلبا ثوريا، لنيل المزيد من المكتسبات، وقد ارتكز أهمها على المساواة بين المرأة والرجل، وكأن الحق الذي تطلبه المرأة هو حقها في الذكورة لا يزيد عن ذلك، فما كان لها إلا أن تمثلت بما يفعله الرجال مطلبا مركزيا، إذ النهايات التي حققها خطاب النسوية، يدل على شعور الأنثى بنقص اتجاه الذكر، ولن يكون كمالها المرجو، إلا إذا تمثلت نسخته كما هي، ما جعلها تدخل في صيرورة من الاسترقاق، أصبحت على إثرها مبتذلة وسلعة للبيع والشراء، هي خلاصات في وضع المرأة التي تميز باسترقاق جديد لأنها كرهت طبيعتها، وحاربتها لتكون ندا للرجل، في حين أن العلاقة بين الذكر والأنثى، هي علاقة تكاملية تستوجب منطقا أخلاقيا، هو المودة والرحمة وفي حالة النفور، هناك قواعد أخلاقية قانونية تنظم هذه العلاقة بعدم الإيذاء ونيل الحقوق.

تضخمت دعوى الجنس الثاني ككرة الثلج، وبما أن المرأة لا تولد امرأة إنما المجتمع هو الذي يجعلها كذلك، فقد فقدت هويتها الأنثوية، وبدأت تبحث عن أنطولوجيا أخرى، ولأن في البدء كان مقرونا بالمساواة مع الرجال، فقد وضع الأنموذج الذكوري كأنموذج لابد أن تمتثل له الأنثى وعليه بدى النزاع في صورة الهوية الأنثوية، فقد فقدت هذه الهوية وانفتحت على مطالب جمى.

في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، عادت الحركة النسوية للظهور في سبعينيات القرن العشرين. هدفت هذه الموجة الثانية من النشاط النسوي إلى “تحرير المرأة”. تشكلت جماعات مختلفة، بأساليب عمل متباينة. دعت المدرسة النسوية الليبرالية إلى قوانين أفضل بشأن المساواة وإصلاح مؤسسات مثل المدارس والكنائس ووسائل الإعلام. بينما أكدت النسوية الراديكالية أن سبب عدم المساواة بين الجنسين هو النظام الأبوي، أي أن الرجال هم مضطهدو المرأة. كما شددت هذه المدرسة على عنف الرجال ضد المرأة، وبدأت في التنديد بالعنف المنزلي والاغتصاب. أما بالنسبة للنسويات الاشتراكيات، فقد كان مزيج النظام الأبوي والرأسمالية هو أصل اضطهاد المرأة.[30]ولعلها لم تدرك أن الخطاب النسوي هو اندماج في الرأسمالية، لأن المرأة تقع في قلب استثمار الجسد الأنثوي، في مساحات الدعاية الرأسمالية.

ثالثا-اتفاقية سيداو وموت المرأة: صرحت اتفاقية سيداو برفعها لكل أشكال التمييز ضد المرأة، أولها تميزها الجنسي باعتبارها امرأة، بأن أُلحقت صورتها لتكون متطابقة وفقا للتشكل النمطي للذكورة. والحق أن هذه الاتفاقية تعد نتيجة لتاريخ طويل من المعارك التي قادتها النساء في أوروبا من أجل المساواة مع الرجال، ويبدو طلب المساواة مثيرا للسؤال، لماذا لم تستدعي المرأة وضعا أنطولوجيا يتفق مع أنوثتها؟ فلا يستخلص من طبيعة الرجل، الذي عرضها للدونية والاضطهاد لماذا كرست الشعور بالدونية فاتخذت صورة الرجل أنموذجها الأسنى؟ لماذا لم تُحسن وضعها بوصفها امرأة، ليتفق مع وضعها الإنساني والأخلاقي؟ لماذا كان الشعور بالدونية هو منهجها للتحرر؟ من ثم تقيس حقها على حق الرجل. فهل أدركت النساء أن وضعهن معقد ومتشابك، يتطلب نظر في العلائقية التي تربطهن بذواتهن وبالأسرة كعمود للبقاء المجتمعي؟

1 –أنطولوجيا الأنثى في اتفاقية سيداو: تعتبر اتفاقية سيداو خلاصة التاريخ الغربي، الذي تحرك في فضاء الصراع، فتعالى فيه القانون الحيوي على القانون الأخلاقي، وغدت فيه العقلانية ترجيحا منطقيا، يؤسس ثنائية وجودية، يحكم قطباها الصراع، كذلك انبنت العلاقة بين المرأة والرجل في مسار التحرر الليبرالي، للمرأة على المناوأة والصراع والقسمة.

أدى منطق الكوجيتو حيث يسود الصمت، ويُستبعد الأخر من مجال البرهان، إلى تفكك أواصر التكامل الأخلاقي، الذي كان من الأجدر أن يوجد بين الذوات، وأخصها العلاقة الجامعة بين المرأة والرجل، حال يجب أن يرتقي إلى التكامل، ويحين القانون الأخلاقي الذي يرتكز على فضيلة المودة والرحمة، وإن تعسر حدوث هذه الفضيلة، فهناك بنية قانونية مصولة بتحقيق حق النساء للدافع ضد تعسف الرجال.

خَلُصت الحداثة إلى تفكيك المنطق الأخلاقي للمودة والرحمة، وتعويضه بالصراع والمناوأة، فمن رحم المنطق الثنائي للأنا والأنت، نتجت العلاقة القلقة بين المرأة والرجل، لتتخذ أشكالا فَتُفَعِلُ بنيات قانونية تنزع إلى فك الصراع، وليس بيان التكامل الذي يؤسسه القانون الأخلاقي، تلك هي المنزلقات التي حركتها اتفاقية سيداو، لتكون الصلة بين المرأة والرجل صلة صراعية وحرب مُسْتَعِرة، يضمن نتائجها القانون الذي أزال حق الرجال وتمركز حول حق النساء، وهو تشهد عليه قوانين حماية المرأة في المنظومة الغربية، فبدرجة تكثير حق النساء أفرغ المجال الرجالي من الحقوق خاصة ما يتصل بالعلاقات الأسرية، لم يعد الرجل قيوما على الأسرة، فالكل له حقوقه التي لا يتدخل فيها الرجل بل عليه أنو يوسع مجال حرية زوجته وأولاده، فلاحق له عليهم.

الحاصل، لقد افرغت اتفاقية سيداو مكان المرأة، وحولته إلى مكان يسكنه هاجس التعالي الأنثوي بغية التَذَكّْوُر، لم تعد المرأة لترضى عن وضعها الأنطولوجي، إذ اخذها ألم التجاوز نحو الذكورة،  إلى اختيار ذاتها الفردية على حساب ما تطمح إليه من غيرية عندما تبني أسرة تحيطها بوصال الحب والرحمة، تلك هي الخبرة التي قادت بيتي فريدان إلى النبش في اللغز الأنثوي[31] لتفتح على إثر ذلك مساحة للحرية ذات طبيعة خاصة ، ميزت الحركة النسوية في ستينيات القرن الماضي، فسالت بذلك المطالب النسوية، لتتعدى عتبة المساواة التي نالتها وتصعد إلى حزمة من مطالب أخرى اتسعت إلى حد المطالبة بالتماهي الكلي مع الرجال، ويبدو انعكاس هذه المطالب بينا في اتفاقية سيداو، فما هي طبيعة الذات الأنثوية في هذه الاتفاقية؟ ما هي مآلات التذكور الأنثوي على الأسرة والمجتمع؟ هل من مقاربة توجد بين هذه الاتفاقية والنسق الفطري للأخلاقية في الشريعة الإسلامية؟

لم تكن اتفاقية سيداو سوى خلاصة عن مسألة حرية الضمير، كما برمجتها المطالب العلمانية والليبرالية الغربية، وعليه فإن رفع كل أشكال التمييز العنصري ضد المرأة، من أجل مساواتها مع الرجل يطرح أكثر من انشغال، ذلك أن واقع الحال تحقيقا لمناط الوضع الذي تحياه المرأة التي تحررت يؤكد، سفر الوضع الأنثوي إلى ما وراء طبيعتها وهو ما تحقق بفضل المقولة التي رفعتها الموجة الثانية للنسوية،” المرأة لا تولد امرأة إنما المجتمع هو الذي يجعل منها امرأة” كما أردفت إلى ذلك الفيلسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار.

الصلة بينة بين مقولة دي بوفوار والفلسفة الوجودية، التي تتمحور حول القلق الوجودي وحتمية التجاوز، بروح نتشوية تستدعي التمركز حول الذات، وفك الرباط بين المرأة والرجل، فلم يعد بينهما وصال بل حرب ونكران، وهو ما جعل سيمون دي بوفوار، ترى في الزواج رباط سلطوي يحرم كل من المرأة والرجل الحرية، لكنها دعت بعد ذلك إلى علاقات جنسية حرة خارج رباط الزواج، بل وسعت في هذه العلاقات، لتكون ممتدة تتفق مع رهانات الحرية الممدودة إلى الحق الطبيعي، فلتكن مخادنة، زواج مثلي أو شذوذ بين الكبار والأطفال، وهو ما قامت به الفيلسوفة الفرنسية كممارسة جنسية مع تلميذاته في الثانوية، وما عشته عشيقة عبر المخادنة مع جون بول سارتر.

كثيرا ما يتم استدعاء سؤال مركزي، ما هي العلاقة بين حقوق الإنسان وحقوق المرأة؟  لماذا نطالب بحقوق المرأة وهي ببساطة حقوق للإنسان؟ لماذا نحتاج إلى معاهدات خاصة بحقوق المرأة، في حين أن لدينا بالفعل مواثيق تحمي الحقوق الأساسية لكل إنسان مهما كان جنسه؟

لا ينبغي اعتبار حقوق المرأة حقوقًا خاصة، بل هي حقوق منصوص عليها في معاهدات حقوق الإنسان الدولية وغيرها من الوثائق، وتشمل حقوقًا مثل الحق في عدم التمييز، والحق في الحياة، والحق في عدم التعرض للتعذيب، والحق في الخصوصية، والحق في الصحة، والحق في ظروف معيشية كريمة، والحق في الأمن، وغيرها الكثير. ومع ذلك، توجد صكوك محددة تُقر بالدور الخاص للمرأة في المجتمع أو تهدف إلى حمايتها من العنف، لكن الحركة النسوية تجاوزت الحق الإنساني الحامي للكرامة إلى فتح حزمة الحقوق النرجسية، التي فككت الأسرة والمجتمع من خلفها. فهل حققت النساء في العالم المستوى نفسه من الحقوق التي حققتها النساء الغربيات؟ لماذا لم تتحرك المرأة الغربية للدفاع عن حق حياة المرأة في العالم الثالث؟

عكس النمو المفرط للحقوق المرأة الأوربية، تحرم في معظم النساء في أنحاء العالم،  من حقوقهن لمجرد جنسهن، وتستغل في الاستعباد، الذي يمكن من الامتداد الرأسمالي، فهل تحققت النسوية بحق النساء في العالم في زمن الكولونيالية؟ ما موقف هذه الحركة من تحرير النساء في العالم المُسّْتَعْمَر؟

تنبه فرانسواز فيرجيس( Françoise Vergès) [32]إلى وضع المرأة المُسّْتعَمْرة، منتقدةً بذلك النسوية الغربية البرجوازية التي تسعى إلى وضع برنامج عالمي، يلقن النساء في المستعمرات كيف يتحررن ليس من المستعمر بل من وجودهن كنساء، على الطريقة البيضاء وهو ما تكفله اتفاقية سيداو. أفلا يكون ذلك زيادة في استعمارهن؟ لاريب أن الدعوة النسوية في الغرب تجلي مركزية ليبرالية، توسع منطق التحرر الذاتي، على حساب نساء أخريات ملونات يتم استغلالهن في سياق توسيع فائض القيمة، لصالح المنظومة الرأسمالية، التي هي محيط الدعوة النسوية للحرية.

ففي مدار بناء نسوية مابعد كولونيالية، تستدعي فرانسواز فيرجيس خطابا نقديا، يهدف إلى تحقيق التداخل بين مختلف أشكال التمييز والتقارب بين النضالات، ضد التمييز الجنسي والعنصري والرأسمالية والإمبريالية. كما تُدين بقايا الأيديولوجية الاستعمارية، التي تُشكل بنية المجتمع، بالنسبة إليه فقد ظهر مفهوم التحرر من الاستعمار في أمريكا الجنوبية، ولاقى صدًى في الولايات المتحدة ضمن الحركة النسوية السوداء.

أدت النساء السود في الولايات المتحدة، على أن هيمنة الذكور ليست التفسير الوحيد لوضع المرأة المستعمرة، إنما يتعلق الأمر أيضا بكونهن نساء ملونات ونسل للعبيد، وقد وقعن في الهيمنة الرأسمالية الأمريكية. فلم يكن المجتمع ولا السلطة الأبوية، هي من اضطهد النساء في العالم المستعمر فقط بل المستعمر الذي أخذ الحق، بهذا تتحدث فرانسواز فيرجيس عن النسوية الأوروبية البيضاء معتبرة إياه، تيار تبنى مفردات المهمة الحضارية الاستعمارية، ففرنسا مثلا ترى نفسها متفوقة على جميع الشعوب التي استعمرتها لأنها كما يُزعم، لا تعرف ما هي الحقوق أو التقدم. فهل المرأة هنا بحاجة إلى اتفاقية سيداو؟ أم إلى تحرير ذاتها من سلطة المركزية الغربية؟ هو ما يجري على كل نساء الأرض اللواتي عشن مضطهدات بسبب الهيمنة الاستعمارية، ومنهن المرأة المسلمة التي عانت الكثير بسبب القسر العنيف للاستعمار، وتكون المرأة الفلسطينية عينة تدلل على فراغ ميثاق حقوق الإنسان من الإنسانية، وتدلل على عدم جدوى اتفاقية سيداو.

ترى فرانسواز فيرجيس أن العنصرية ضد السود وكراهية الإسلام، شكلان من أشكال الاستعمار، والادعاء بأن الحجاب هو رمز الخضوع للآباء والإخوة هو سوء فهم لقضية الحجاب، وتجاهل لحقيقة أن النساء المسلمات أنفسهن يناضلن ضد النظام الأبوي في مجتمعاتهن، لكن لا ينبغي الخلط بين هذه الهيمنة وأشكال أخرى من القمع، كالتفاوت بين الشمال والجنوب، أو العنصرية في فرنسا، أو السياسات النيوليبرالية.[33]

2 –مآلات اتفاقية سيداو وميلاد الأسرة الممسوخة: لم يكن للأمم المتحدة الحامية لحقوق المرأة، أية ملاحظة فيما يخص القتل الممنهج للنساء الفلسطينيات جملة، خاصة في حرب الإبادة الجماعية بعد 7 أكتوبر 2023، ما يبرهن على موقف  فرانسواز فيرجيس ويسانده، فلا يعني المركزية الغربية شأن النساء إلى من باب استحداث خطاب يحين التبعية، ويكرس منطق الواحدية وهو ما تبين في اتفاقية سيداو، حيث يتم إملاء تعاليم فوقية لجمع الذوات البشرية تحت سلطة واحدة، تبرر المنطق التوسعي للرأسمالية، بغية فتح مناطق للنفوذ والاستلاء على المواد الأولية والمادة الرمادية.

لم يكن للأمم المتحدة موقفا من قتل نساء غزة، كما لم يكن للنسوية تصريح باضطهاد النساء الجزائريات إبان الاستعمار الفرنسي، لقد كانت المرأة الجزائرية من أكثر أعضاء المجتمع الجزائري، تضررا من الاستعمار ومن العنف الذي قامت به الجيوش الفرنسية ضد الشعب الجزائري، في هذه الفترة توسعت مطالب النسوية في فرنسا، وتم اتفاق حول ميثاق حقوق الإنسان، فما بال الدفاع عن هذه الحقوق؟ وما بال الدفاع عن حقوق المرأة الذي تجسد في شعار الثمانية مارس؟ هل كانت الدعاوي النسوية منتوج للتخمة التي حصلها النظام الرأسمالي؟

لقد تحولت مطالب النساء بتحول الأنطولوجيا الغربية من الصلابة إلى السيولة حسب التوصيف الباوماني ( زيغمونت باومان) ولعل هذه التحولات هي التي تفسر، لماذا أصبحت دعاوي النسوية مائعة تفكك الهوية الأنثوية، وعليه ستكون المرأة الثالثة عند لوبفتسكي مسارا ملموسا لانتقال الحداثة إلى الحداثة الفائقة[34]، لذلك يكون تؤشر الدعاوي الموسعة للحقوق المتواصلة للنسوية، إلى صيرورة عن انهيار مرجعي، يكمن في بنية الحق الطبيعي في حد ذاته بما أنه ينحصر في تشريع الذات للذات، دون وجود أصل انطولوجي أو أخلاقي، حيث ترتكز العقلانية الموثقة بمنطقها الداخلي على ضرب من الوعي الغريزي، الذي يجعل الفعل الإنساني فعلا نافعا بمدى صلته بالرغبة.

يشهد الوضع المجتمعي في عالم اليوم، المآلات التي حصلته الدعوة النسوية في العالم، وقد تجلت في اتفاقية سيداو التي أفرغت المجتمع من معناه، عندما أزاحت المرأة من مقامها، وفرقت بينها وبين ماهيتها الأنثوية، ثم جعلتها تسافر في الكينونة الذكورية. ولعل أول مظاهر الضرر الذي اُلحق بالمجتمع يرى عيانا في انهيار الأسرة في الغرب، لتلتحق بها الأسرة في العالم، فما هو جدوى تكسير السلطة الأبوية باعتبارها قيومية الوجود الأسري؟ ما هي مآلات تحرير المرأة إلى حد ذوبانها؟ ما هي مآلات عمل المرأة خارج البيت؟ ألم يعد بالضرر الفادح على أولادها؟

تشكل الأمم المتحدة حكومة عالمية، تفرض قرارتها عبر المراقبة والمعاقبة، وتتصرف تصرف سلطة فوقية، لتجبر الإنسانية على تبني الأنموذج الغربي، باعتباره أنموذجا للتقدم ونبراسا مؤسسا للمجتمع الحر. والحق أن التحولات التي شهدها العالم فيما يخص طبيعة المرأة، وعلاقتها بالرجل ثم العلاقات داخل الأسرة، يؤكد بما لاشك فيه أن الغاية المرسومة في أفق اتفاقية سيداو هي ميلاد المجتمع السائل، الذي ينمحي في الدلالة الاستهلاكية الجامعة، ” فأنا أستهلك إذن أنا موجود” تنتهي إلى وضع بشري يعلي فيه الإنسان من ذاته الرغائبية على كينونته الأخلاقية، وهو ما ينكشف في أجيال حقوق الإنسان المتلاحقة، حيث يشكل إفراطا قانونيا يجب أن يُسير الذات والجماعة، وعليه فإن اتفاقية سيداو تحرك، مجتمعا للأفراد يفتقدون الروابط، تنتهي عنهم الواجبات وهو ما يجعله مجتمعا فاقدا للوعي الأخلاقي، و من ثم الولوج إلى وضع نرجسي يفكك الأواصر، ليجعل من الفردانية وسما إنسانيا شاملا.

وصلت دعوة الجنس الثاني إلى نهاياتها الحتمية، تجلى في انفراط عقد الكينونة البشرية، بالدعوة التي تروج للاندثار الكلي للكينونة الإنسانية، فقد بينت المآلات التي حلت فيها البشرية بعد تثبيت اتفاقية سيداو، لم نعد امام الحق في الزواج المثلي فقد تمت الموافقة عليه كصيغة مجتمعية، وغدى واقعا جليا عبر أسر تسعى إلى الانجاب عبر التقنيات الحيوية، بل ارتقت المطالبة إلى نفي التميز الجنسي بين الذكورة والأنوثة، وغدى واقع اختيار الجنس حقا طبيعيا، يسعى إليه الساعون، وقد تحقق السعي بتشريع لأفراد متحولين ولأسر للمتحولين، تقوم على خدمتهم عيادات طبية استهلاكية. فإلى أين يسير المجتمع البشري عبر التشريع العلماني الموقوف على العقلانية الغربية؟

هكذا فرض التحرر كمقتضى أولي في بنية الحداثة، متغيرات متتالية ومتسارعة، طرأت على المجتمع الغربي، وأحدثت فيه تغيرات هائلة. وتجدر الإشارة، إلى أن هذا الأنموذج أضحى أنموذجا عالميا، دك حصون التقليد في كل مناحي الدنيا، في مدار هذا التحول خضعت المرأة  في العالم إلى مبدئي الرشد والحرية، بوصفهما مترادفان ثم العقلنة، التي تعني تغيير العلاقات الإنسانية بين المرأة والرجل في الأسرة، من احترام العقد الكنسي، إلى اعتبار العقد المدني، هو أصل العلاقة التي تنبني عليها الأسرة.

لا ريب أن هذا الانقلاب المنتقل من طاعة الإله إلى طاعة الواجب، يعد بالنسبة للمرأة المسلمة غير شرعي خاصة أن » الأيديولوجيا تستدعي مصالح الدنيا وخلاص الأمة في هذا العالم، حيث الدولة هي الحكم والضامن«[35]،وإذن كان فوت الواجب الديني، داعيا إلى واجب عقلاني يجعل، التزام أفراد الأسرة بالواجب بوصفه وجه الصلة اللازمة بين أفرادها، مع احترام المبادئ الكلية للمجتمع وهما: الفردانية والحرية كمكتسبات ذاتية مكن منها عصر التنوير.

والحق أن صيرورة التحديث المتتالي، الذي تؤديه الدولة الوطنية الحديثة، في مناطق العالمين العربي والإسلامي، ثم الانتشار الإعلامي غير المسبوق، قد عميم صورة المرأة الغربية وجعلها بيانا أنموذجيا، لكل امرأة في العالم، ينزع عنها صورتها الثقافية، ويفكك الرؤية الأنطولوجية التي تتجذر في بنية هذه الثقافة، مدمرا للفطرة الإنسانية السليمة، ويتبين هذا المسار عبر النتائج الخطيرة، التي حصلها المجتمع المسلم، من تفكك لأواصر علاقاته، وتبني الأسرة عادات الفردانية وتحول في شكلها، واقتضاب أفقها الأخلاقي.

 وإذا كان جون ستيوارت مل قد صرح بأن الوضع الذي تعيشه المرأة، وضع غير طبيعي بالنسبة للحقوق الإنسانية، فإنه حل المسألة حلا ليبراليا، مفاده المساواة بين الجنسين، وتبقى عملية المساواة وكيفيتها تحوم حولها الرؤية الضبابية للأيديولوجيا الليبرالية، بوصفها تحرير للإنسان من المواثيق سوى مواثيق ذاته.

تنطلق النسوية من نداء الحرية المعمم، مع فقدان كلي للتصور التكاملي بين الذكر والأنثى، و وجود عالم من القيم الضبابية غير المبين للضوابط، التي يجب أن تكون بين المرأة والرجل. إن النقاش الذي يجب إجراؤه حول النسوية يكمن في البحث عن طبيعة الحرية والمساواة، التي صرح بها جون ستيوارت مل. فهل تعد صداما وصراعا، بين المرأة والرجل؟ ذلك أن ما يأخذ المرأة، في عراكها ضد قيد جنسها، أنها تريد أن تكون ذكرا وليس إنسانا، له مميزاته الخاصة وبعده التكاملي الأخلاقي.

الخاتمة –اتفاقية سيداو وإدامة هيمنة المركزية الغربية: كان لشطب ثقافات العالم، لصالح هيمنة المركزية الغربية مفاسد جمى، لعل أبرزها هو استعباد هذا العالم لأجل امتداد الأيادي الخفية سعيا لسرقته، فكانت من مآلات ذلك هو استعباد النساء ليس من قبل السلطة الأبوية، لكن من قبل مركزية غربية حلت مكان السلطة الأبوية الاجتماعية، التي غالبا ما تصبو إلى حماية المرأة، لذلك تشكل اتفاقية سيداو أمرا غربيا فوقيا، يستعبد النساء في العالم لصالح النظام الاستهلاكي، ويجعل النساء في خدمة المنظومة العالمية للنظام النيوليبرالي.

تدعو المآلات التي حصلتها المجتمعات البشرية، من جراء هيمنة المركزية الغربية على العالم، إلى اختبار أسس  العقلانية الغربية، التي سافرت إلى العالم عبر المواثيق الدولية، ففي نهاية المطاف تبدو المراقبة التي أفردتها الأمم المتحدة -بوصفها منظمة غربية منحازة إلى المركزية الغربية- لمسألة المرأة مثار للسؤال والمتابعة، كما تدعو إلى النظر في العلاقة بين الرأسمالية ومنطق حقوق المرأة، الذي يجري انطلاقا من الشعور الدوني للأنثى اتجاه الذكر، ثم أن إصرار لوائح حقوق المرأة على تعريتها من وجودها المختلف والمتميز، يدفع إلى وجوب تحليل المنظور الأركيولوجي لبنية هذه اللوائح. هل حقيقة أمدت الاتفاقيات الأممية حول تحرير المرأة قيمة لهذه المرأة كينونة لها خصوصية ترتقي بها في سلم الإنسانية والأخلاقية؟ ماذا يعني تدخل الأمم المتحدة في شؤون المجتمعات البشرية صياغة لبنيتها المجتمعية؟ ألا يؤول ذلك إلى المنطق الامبريالي الغربي الموصول بالمركزية الغربية، الذي يصبو إلى إنتاج مجتمع فوردي يخدم الفكرة الرأسمالية؟

تصر الدولة العالمية الممثلة في الأمم المتحدة على صيغة استعمارية، مؤسسة على التدخل الناعم في شؤون المجتمعات البشرية، فهي تؤدي وظيفة محددة، صياغة هذه المجتمعات، صياغة واحدة تخدم النظام الرأسمالي، ومن ثم إنتاج أنثى تابعة للمؤسسات وليس للنظام الأخلاقي، وتعريتها من هذا النظام ومن ثم جعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة صراع وتفكك. من الجلي أن الأمم المتحدة قد أدت أغراضها فيما يخص الشأن الأسري، فقد قضت على كل أشكال الأسر المؤسسة على اللحمة الأخلاقية بين أعضائها، وحرمت المرأة خاصة في العالم الإسلامي من كثير من الامتيازات التي حظيت بها قديما أخصها الحماية.

جلي أن الأمم المتحدة لا يهمها انتهاك كرامة المرأة، داخل المنظومة الرأسمالية التي تعد مكينة لاستنزاف الطاقات البشرية ذكورة أو أنوثة، لا يهمها انتهاك حقوق النساء في مجتمعات الهامش المُسّْتَعْمَرة حيث تموت حرية الإنسان ذكرا وأنثى كبيرا وصغيرا، لا تهمها حقوق النساء في المجتمعات المغتصبة كوضع النساء في فلسطين وقبله في البوسنة والهرسك، لا يهمها أمر النساء المستعبدات في الهند عندما تنتهك حقوقهن، بكراء أرحمهن بأبخس الأثما؛ن لا يثير حفيظة النظام العالمي لحقوق الإنسان عندما تغدو النساء في العالم الثالث -حسب الاصطلاح الغربي للعالم المستعمر- حقلا لتجارب الأدوية تقوم بها لشركات المتعددة الجنسيات، فتنتهي حياتها لأنها فقيرة من جراء القسمة غير العادلة بين الشمال والجنوب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*  أستاذة الأخلاق وفلسفة القيم بجامعة قسنطينة 2 الجزائر

[1]-Miche Blay(Sous la Direction) : Grand Dictionnaire de la Philosophie, Larousse, CNRS, Editions ,2005, Montréal ,CANADA, P.306.

[2] – يكفي لفهم ما جرى ويجري حقيقة في التاريخ الإنساني الحديث والمعاصر، قراءة الفعل الاستعماري في الجزائر، فمتى كان أمر الإنسان الجزائري يهم فرنسا؟ كما يكفي أن ننظر إلى الكيل بمكيالين، فيما يخص تطبيق بنود ميثاق حقوق الإنسان، لندرك ما حدث في غزة بعد طوفان الأقصى. فما يجري في فلسطين يقوض كل المزاعم الغربية عن حقوق الإنسان؛ فقد تَبَيَّن أن المنطق الأخلاقي للأمم المتحدة، يحدث خلخلةً وشكًا في القيم التي تدافع عنها باسم الإنسانية، بل يكون –يقينا- مجرد تعبير عن أيديولوجيا للسيطرة ونهج آخر للاستعمار، سيكون من السذاجة بعد7 /10/ 2023،  المرافعة من أجل ميثاق حقوق الإنسان والاعتقاد في مصداقيته.

[3] – ديزيره سقال  :خطاب ما بعد الحداث- نهاية الإنسان والحضارة الحضارة – قراءة ونقد-دون دار ،د ط، 2023 ،ص. 4 .

[4] -وائل حلاق : ماهي الشريعة، ترجمة طاهرة عامر وطارق عثمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت لبنان، ط1، 2016 ، ص. 53.

[5] – Pierre Manent : La loi naturelle et les droits de l’homme , PUF , 2020 , P.05.

 

[6]  – كانط :ما هو التنوير ؟ترجمة يوسف الصديق، منشور ضمن المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 38 ــ 39،السنة 21 2004 ـ 2005 ،ص.6.

 

[7] – Alain Sériaux : Loi naturelle, droit naturel, droit positif, Dans Raisons politiques 2001/4 ;Éditions Presses de Sciences Po, P.152 .

[8] – طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق-مساهمة في نقد الحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، الدار البيضاء المغرب، ط1  2000 ، ص ص 14 -15.

[9] -Voltaire : Traité sur la Tolérance, Paris , Gallimard 1975, P .13.

[10]– Marcel Gauchet:la révolution des droits de l’homme, Paris , Gallimard, 1989. p. 11.

[11] -جون جاك روسو: العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت لبنان، د ط، دت ،ص. 70.

[12] -جوسلين ماكلور وشارلز تايلور: العلمانية وحرية الضمير، ترجمة محمد الرحموني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت لبنان ،ط1، 2019 ، ص. 33.

[13] -J .J Burlamaqui :Principes Du Droit Naturel . Genève chez Barrillot & Fils .M.DCC.XIII , Paragraphe IV

[14] -Hobbes :Léviathan , Paris : Gallimard, 2000.P.290.

[15] Encyclopédie de la philosophie ,La pochothèque ,1995 ,P. 423.

[16] -Hobbes . De La Nature Humaine, Casablanca : Ennajah Al Jadida. p.43.

[17] -زيغمونت باومان: الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت لبنان، ط1 ،2016،         ص. 25.

[18] -بدى اختلال الدعوة المبينة في اتفاقية سيداو، موقوفا على اعتبار مرجعية الحرية والتساوي في الحقوق، هو متخيل أنطولوجي يعتبر أن الذكورة هي المستند الأساسي للتشريع، لم تؤخذ البتة خصوصية المرأة وانفصالها كذات لها كينونة خاصة، بل تم الالحاق المتتالي للأنوثة صوب الذكورة، وكأنها كما تؤكد مدرسة التحليل النفسي ذكر منقوص، ولذلك خلى مقعد المرأة في البيت، وتولت وظيفة الرجولة، وهنا مكمن الانهيار الذي أصاب الأسرة في مقتل، يتبين ذلك في بنود اتفاقية سيداو كما أوردتها الأمم المتحدة في دفاعها عن حقوق المرأة  » وإذ تأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات الدولية المعقودة برعاية الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، التي تشجع مساواة الرجل والمرأة في الحقوق، وإذ تلحظ أيضا القرارات والإعلانات والتوصيات التي اعتمدتها الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، للنهوض بمساواة الرجل والمرأة في الحقوق، وإذ يساورها القلق، مع ذلك، لأنه لا يزال هناك، على الرغم من تلك الصكوك المختلفة، تمييز واسع النطاق ضد المرأة، وإذ تشير إلى أن التمييز ضد المرأة يشكل انتهاكا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، ويعد عقبة أمام مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعوق نمو رخاء المجتمع والأسرة، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية «  ليس حتما أن تكون هذه المشاركة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، فليس الذكر كالأنثى وهو ما يمكن تحقيق مناطه في مجتمعات غربية فقدت وسم الأسرة وأصبحت العلاقة بين المرأة والرجل، مجرد شحناء تنتهي حتما إلى الانفصال، حال بدأ يزحف بنسب مخيفة على المجتمعات الإسلامية.

 

[19] -فرنسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين وأخرون، مركز الإنماء القومي، بيروت لبنان، د ط 1993، ص. 277 .

[20]Hans Jonas: Principe De Responsabilité Une éthique Pour La Civilisation Technologique. trad. Jean Greisch. Paris : Flammarion, 1995

[21]-تتنوع العلاقات الأسرية في التشريعات الكندية حسب طبيعة العلاقة، هناك الزواج وهو عبارة عن عقد رسمي، بغض النظر عن الجنس، علاقة القانون العام / المساكنة يمكن  العيش معا لمدة 12 شهر دون زواج رسمي، والشريك الزوجي، عبارة علاقة بين شخصين مهما كان جنسهما، الاتحادات المدنية أو الشراكات المنزلية وهي علاقات تعادل الزواج بما فيها المثليين.

 

[22] – Susan Sherwin « Les approches féministes en bioéthique », « Théologiques Les trente ans de la bioéthique» Volume 7, numéro 1, printemps 1999,P.12.

[23] -Le Mondehttps://www.le monde.fr/archives/article/1999/01/21/feminismes-americains-et-biotechnologies _3533089_1819218.html

[24]  -تعد بيتي فريدان(Betty  Friedan ) أحد المحطات الأكثر تأثيرا، في صيرورة الحركة النسوية الغربية والعالمية بوجه عام، وهي شخصية محورية في النضال النسوي الأمريكي، وعند الحفر في التأسيس المرجعي للفكرة التي بسطتها في كتابها اللغز الأنثوي، تنكشف  مرجعيتها، فاللغز الأنثوي مقرون بعدمية موصولة برؤية إلى العالم صاغها الإلحاد، فهي يهودية المنبت لكنها تخلت عن ديانتها وأصبحت ملحدة وناضلت في سياق ليبرالي، يوسع حقوق النساء منها اختيار مكان العيش.

عادت بيتي فريدان بعد حين إلى ديانتها لتنخرط في الحركة الصهيونية، لذلك دافعت عن التوافق بين الصهيونية والحركة النسوية، لكنها واجهت رفضا من قبل النسوية الراديكالية، كما رفضت رفضا قاطعا دعم تحرير فلسطين، منخرطة بشكل كبير في الحياة اليهودية فألقت محاضرات وحضرت الصلوات في الكنيس، مما أدى إلى تعزير هويتها اليهودية، ودعمها الشديد لإسرائيل مؤكدة على أن النضال النسوي، لا يتعارض مع الكفاح من أجل وجود إسرائيل ككيان قومي يجمع اليهود، ومن ثم المحافظة على أمنها؛ هذا ما يؤكد على العلاقة بين الحركة النسوية والاستعمار.

انتقدت بيتي فريدان معاداة السامية والصهيونية في مؤتمرات دولية، وهو ما يبين طبيعة المطالب التي تدعو إليها النسوية، تفكيك الوصال بين المرأة والفطرة، يعقبه تفكيك للأسرة، لكن بالمقابل ضمان تحرير المرأة إلى حد تفكيك الأسرة، باختصار لقد دافعت بيتي فريدان عن ضرورة التعايش بين الحركة النسوية والصهيونية، بل انخرطت سياسيا وعلنا من أجل دعم إسرائيل. فكيف نفسر هذا التناقض بين إهدار حق شعب بأكمله والدفاع عن حق المرأة !!!؟؟؟

 

 

[25] -فردريك أنجلز: أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة، ترجمة أديب يوسف شيش، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق سوريا، ط1، 2011،ص. 13.

[26] -جون ستيوارت ميل: استعباد النساء، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة مصر،ط1 ،1998 ،ص. 141.

[27] – لا يوجد في فرنسا أو غيرها قانون جديد يحدد طبيعة حقوق المتحولين جنسيا البالغين، إلا  المادة 11 ، توجد تطورات تشريعية حديثة كما هو الحال في سويسرا وتوصيات من منظمات مثل مكتب الدافع عن الحقوق والهيئة العليا للصحة، تؤدي دور تسهّيل عملية تغيير الجنس في الوثائق الرسمية، وتقدم الرعاية الطبية للبالغين الذين غيروا جنسهم، استنادا إلى حق تقرير المصير  كحق طبيعي وإنساني تشرعه الدولة المدنية، حيث يشترط إلغاء شرط الخضوع لعلاج طبي مسبق لإجراء كل التغييرات الإدارية. وتؤكد النصوص الحديثة (قرارات مكتب المدافع عن الحقوق في عام 2025، وتوصيات الهيئة العليا للصحة في عام 2025) على الاعتراف بالهوية الجنسية، والاستماع غير المُتحيز، والرعاية الطبية الشاملة التي يُنسقها الطبيب العام، مُبتعدةً عن النهج المُشخّص، هناك نقاط أساسية يجب تذكرها بشأن تغيير الجنس للبالغين منها على الأخص:

-تبسيط الإجراءات الإدارية، فقد أصبح تغيير الجنس مسجلا في وثائق الأحوال المدنية، حيث يتم هذا الاجراء  في الغالب بمجرد تقديم إقرار إلى مسجل الأحوال المدنية أو إلى القنصلية للمواطنين الفرنسيين المقيمين في الخارج، دون الحاجة إلى فحوصات طبية أو جراحية أو هرمونية مسبقة. كما يعترف القانون بحق تقرير المصير  حيث يُعلن الفرد عن هويته الجنسية بنفسه، يسمح بتغيير الجنس أيضًا بتغيير الاسم الأول.

تؤكد التوصيات الطبية للهيئة العليا للصحة 2025 ، على أن الهوية الجنسية ليست مرضا، واحترامها  يعد إجراء تتكفل بحمايته الحقوق المدنية في الدولة، ضرورة احترامها في مكان العمل، مع استخدام مصطلحي “الأشخاص المتحولين جنسيًا” و”الهوية الجنسية” بدلًا من “التحول الجنسي”. باختصار، لا توجد مادة تحدد قانونًا معينا، بل مجموعة من النصوص والتوصيات التي تسهل رحلة البالغين المتحولين جنسيًا، لا سيما فيما يتعلق بالاعتراف بهويتهم والحصول على الرعاية الصحية، هو اجراء مفروض في الاتحاد الأوروبي.

[28]  -سيمون دي بوفوار: الجنس الآخر، ترجمة ندى حداد، الأهلية للنشر والتوزيع عمان الأردن، د ط، دت، ص .10.

[29] – بيتي فريادان: اللغز الأنثوي، ترجمة عبد الله بديع، الرحبة للنشر والتوزيع، دمشق سوريا، ط 1 ،2014 ،ص. 26.

[30]-Conseil de l’Europe :   Le féminisme et les mouvements de femmes :https://www.coe.int/fr/web/gender-matters/ feminism-and-women-s-rights-movements

[31]  -تصفح كتاب، بيتي فريدان: اللغز الأنثوي.

[32] – فرانسواز فيرجيس( Françoise Vergès) فرنسية ولدت في 23 جانفي 1952، في باريس مختصة في العلوم السياسية ومناضلة في الحركة النسوية، لها العديد من المؤلفات منها:

– A Feminist Theory of Violence: A Decolonial Perspective

– Le féminisme décolonial

-The Wombs of Women: Race, Capital, Feminism

– Le Ventre des femmes: Capitalisme racialisation féminisme

[33]Yann Lagarde « Le féminisme décolonial selon Françoise Vergès » Publié le jeudi 21 mars 2019 à 10h 45, France culture.

[34]– Gilles Lipovetsky : La troisième , femme  Folio essais, Gallimard, 1997, P.241.

 

[35] -مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية، ترجمة شفيق محسن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان،ط1 ،2007 ،ص.51.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page