حصريا

تأثير المثل القبائلي في تشكل شخصية المرأة في منطقة القبائل-ليلى جوادي-الجزائر-

0 1٬779

تأثير المثل القبائلي في تشكل شخصية المرأة في منطقة القبائل.

 

ليلى جوادي.

 

تعتبر الأمثال والحكم من الموروث الثقافي الموجود في كل الحضارات والدول بمختلف انتماءاتها، ولم يقتصر ذلك على البيئة العربية مثلا أو غيرها؛ فقد وجدت الأمثال والحكم عبر العصور والحضارات، وامتدت إلى يومنا هذا في مختلف الأقطار والبلاد، وتُعَرَّف الأمثال على أنها صورة موجزة لحادثة أو لوصف طويل له وقع على النفس عن طريق المجاز أو التشبيه، كما عُرِّفَت كذلك أنها حكایة صورة بكلمات معدودة ذات مفردات سھلة التفسیر یفھم معناها كل من یسمعھا؛ فجاءت الأمثال تارة شعرا وأخرى نثرا، وكان للعرب في الجاهلية الكثير منها، فلم يخل موقف ولا خطبة أو جلسة من مثل، وامتدت كذلك إلى فترة الإسلام حيث عرفت الحياة الإسلامية الكثير من الأمثال والحكم، ولازالت إلى يومنا هذا رغم أنها قلّت بظهور التكنولوجيا وموت الكبار وانشغال كل نفس بنفسها؛ إلا أنها لم تنعدم، بل تستمر معنا إلى يومنا هذا في تأدية دور مهم في المجتمع وهو دور المربي والرادع والمُذكِر والواعظ.

ولعل ما يُرَسِّخ ويعين على بقاء الأمثال حاضرة في حياتنا إلى اليوم العديد من الأسباب منها:

  • كون الأمثال من إرث الأجداد يجب المحافظة عليه.
  • الحكم والمواعظ التي تحويها هذه الأمثال والتي أثبتت التجارب أنها طريقة مثلى لتربية النشء.
  • ذكر الأمثال في القرآن والسنة؛ وربما ذلك من أجَّل الأسباب التي جعلت أجدادنا يحفظونها في السطور والصدور.

 

 

ومن أمثلة ذكر الأمثال في القرآن والسنة:

أولا: من القرآن.

قوله تعالى:

1- إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ” (26) (البقرة: 26).

2-“يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ” (73) (الحج: 73).

3-“وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ” (25) (إبراهيم: 25).

وغيرها من الآيات؛ فقد ضرب الله المثل بالمؤمنين والكفار، وبالرجال والنساء عموما وبالحيوانات، وغير ذلك.

ثانيا: من السنة.

1-عن النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: مَثَلُ الْقَائِمِ على حُدُودِ اللَّه، وَالْوَاقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سَفِينَةٍ، فَأصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إذا اسْتَقَوْا من الْمَاءِ مَرُّوا على من فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لو أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا، ولم نُؤْذِ من فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أَرَادُوا هَلَكُوا جميعاً، وَإِنْ أَخَذُوا على أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَ نجَوْا جميعاً.[1]

2-عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه انَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأنَبِيَاءِ من قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأحَسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ من زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ الناس يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ له، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنَةُ. قال فَأنَا اللَّبِنَةُ، وأنا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ.[2]

3-عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: أَرَأَيْتُمْ لو أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هل يَبْقَى من دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قالوا: لَا يَبْقَى من دَرَنِهِ شَيْءٌ. قال: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو الله بِهِنَّ الْخَطَايَا.[3]

وذكر الأمثال في الوحيين منحها مكانة مرموقة حتى أصبحت أسلوبا من أساليب التربية.

ومثلها مثل باقي البيئات والمناطق؛ كان لمنطقة القبائل حظ وفير من الأمثال، فقد لعبت  دورا مهما في تشكل شخصية الفرد القبائلي، حيث كان المثل طريقة من طرق التربية السليمة، وكان دوره دور الموعظة ودور الأستاذ والعصا في بعض الأحيان؛ كيف لا وقد وُجدت أمثال إذا قيلت لشخص كان وقعها على نفسه وقع السيف على الجسد، فكما يقول المثل القبائلي” ثييثي ووزال ولا دير أوال” أي ضربة بحديدة خير من كلمة سيئة، فكان استخدام الأمثال في تربية الصغار يبدأ منذ نعومة أظفارهم، فتنزل على قلوبهم بردا وسلاما ليطبقوا كل ما جاء فيها وهم على يقين أنَّ كل كلمة قيلت فيها ليست سوى لصالحهم، وكذلك الأهل استخدموا طريقة التربية بالأمثال لاطمئنانهم أنها تستمد معانيها وقيمها من الكتاب والسنة، ولم يخلُ باب من أبواب ما جاء في الإسلام إلا وقيلت فيه أمثال جمة؛ فوُجدت أمثال في الفرائض والأخلاق، وأمثال للترغيب وأخرى للترهيب، وأمثال خاصة بالمرأة.

كانت ولا تزال الأم في منطقة القبائل تربي ابنتها عن طريق الأمثال، فتضرب لها مثلا في كل شيء، حتى في جلوسها ووقوفها، وهذا يجعل الطفلة تكبر على ما تسمعه من أمها وتتعظ به، ليس فقط من أمها؛ بل من كل نساء عائلتها، بل حتى جاراتها لهن الحق في تربيتها عن طريق الأمثال، فإذا رأين فيها حسنا مدحنها، وإن رأين فيها سوءا ذممنها، فأصبحت المرأة أو الفتاة تميل للمدح مثلها مثل أي إنسان سويٍ، وتخاف من الذم خاصة بين قريناتها أو من أمهاتهن، وهذا يجعل الصغيرة تستقيم والكبيرة تستمر في كبرها على استقامتها وتزيد بمجرد سماعها للمثل الذي عليه تربت، كيف لا وأول الأمثال التي تربيها عليها والدتها المثل الذي يقول: “آرن ما ايسافاث اوغربان اولاش ذڨس افروخ، ثاقشيشت ثربا ايماس اولاش اني ذاثروح ما ذيليس اوقروييس ذيما أوليس ذامجروح” وبالعربية: “الدقيق اذا مرّ من الغربال لم يبق فيه درن، والطفلة التي ربتها أمها دائما مستقيمة تسمع الكلام، والتي تصرفها من رأسها يبقى قلبها دائما مجروحا” هذا المثل يجعل الفتاة القبائلية دائما تخاف على أمها؛ فلو فعلت أي شيء غير صالح سيُقال أن العيب في والدتها التي لم تحسن تربيتها وليس فيها.

بل أكثر من ذلك؛ فأغلب نساء منطقة القبائل يصبرن على أزواجهن بسبب تأثير المثل على تكوُّن شخصيتهن في صغرهن، فمن بين الأمثال التي تتربى عليها الفتاة القبائلية المثل القائل:

“أقتوازواين تاراݣنا” أي: ما يُنظَّف كل يوم السجاد الأصيل الجميل، ومعنى المثل: أن المرأة الجميلة الأصيلة هي التي يلومها أو يغار عليها زوجها وقد يضربها يوميا من غيرته، وهذا المثل يجعل المرأة تكبر وهي موافقة على تلك التصرفات لأنها في الأخير تصب في صالحها، وكان من فوائد المثل: صبر المرأة القبائلية على زوجها مهما كلَّف الأمر، وما يعضد المثل ويجعل الميزان يعتدل المثل الآخر: “شباحة أورڨاز تاروڨزا، الشباحة نتمطوث ذ الحيا” أي جمال الرجل في رجولته وجمال المرأة في حيائها، ثم يأتي مثل آخر ليجعل المرأة متزنة خائفة على بيتها وتحيطه من كل الجهات فيقول: “ثامطوث ذلساس، آرڨاز ذاجڨا ألماس”، أي: المرأة أساس البيت والرجل عموده، ويقال كذلك: “آرڨاز تيقيث ثامطوث تاباقيث”، أي: المرأة إناء والرجل قطرة الماء التي تتجمع فيه، ومعنى المثل أن المرأة أكثر صبرا وتحملا وكذلك الرجل يعمل ويجمع كل خير للبيت والمرأة تحافظ عليه، لكن ليست كل الأمثال تمدح المرأة؛ فهي إذا كان فيها اعوجاج أو كسل ضرب لها مثل: “أفوسيس ذالݣسلة ثاقموشتيس ذالحملة” أي يدها مكسورة من الكسل وفمها لا يسكت عن الكلام، وغيرها من الأمثال التي تتربى عليها الفتاة والمرأة القبائلية.

من المؤكد أن إحصاء الأمثال القبائلية أمر غير ممكن، خاصة في هذه الأسطر المحدودة؛ لكن الجدير بالذكر أن كل الأمثال سواءً التي قيلت في المدح والذم، أو الترغيب والترهيب؛ تنحى المنحى نفسه وهو تربية الفرد القبائلي تربية سليمة على قيم إسلامية موافقة للقرآن والسنة.

[1] -أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم الحديث 2493.

[2]صحيح البخاري، مصدر سبق ذكره، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 3535.

[3]صحيح البخاري، المصدر نفسه، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة، رقم الحديث: 528.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page