فكرة تحقيق الذات، فكرة غربية تناقلها الفكر الشرقي دون رؤية نقدية لها، وهي في الحقيقة تعبر عن تيه فكري، وتخبط داخلي بسبب ضبابية الرؤية وضياع بوصلة الإنسان، وفقدانه لهدف في الحياة،مصدرها تغول الأنا وطغيان رغباتها المادية الترابية على مطالب الروح والفكر والقلب.
حيث نشاهد ولع شبابنا ذكرانا وإناثا بفكرة تحقيق الذات، وجعلها شغلهم الشاغل، وفي بعض الأحيان التضحية بكل غال وثمين لأجلها، فنجد الشاب مثلا يهجر أهله ووالديه من أجل الفكرة، وأحيانا يهجر بلده ووطنه ويعرض حياته لكل الأخطار من أجل (تحقيق الذات)وهذا وهم وسراب.
وتجد المرأة تضحي ببيتها وأهلها، وأحيانا بأسرتها، زوجا وأولادا من أجل تحقيق ذاتها، وأحيانا تضحي بنفسها وشرفها لأجل ذلك، من أجل دراسة أو عمل أو مشروع-وكل هذا مشروع- ولكن هناك موازنات وتوازنات.
أي ذات تريد تحقيقها؟ أنت تكذب على نفسك، فأنت تلهث وراء مطلب مادي بالدرجة الأولى، هل هذا هو تحقيق الذات؟ تبحث عن رغد العيش والرفاهية؟ (وهذه ليست عيبا في حد ذاتها) ولكن، هل هذا هو تحقيق الذات؟ ما هي الذات؟ روح أم جسد؟ تحقيقها، رغبة أم نزوة أم هدف ومقصد؟
تحقيق الذات صار صنما يعبد، حيث لو سألت شابا كيف ترى تحقيق ذاتك؟ سيكون رده: بنيل شهادة، بتوفير عمل لائق، بالحصول على سكن محترم، بالحصول على سيارة فارهة، وبالزواج من فتاة أحلامه (وهذا مشروع ولكن الوقوف عنده انحراف عن المقاصد).
إذا حدثت إحداهن عن تحقيق الذات، تبرر يقولها: أريد إثبات وجودي، وهل في وجودك شك حتى تريدين إثباته؟ تثبتين وجودك لمن؟ إذا هي ترى مهمتها في الحياة عبارة عن صراع مع الآخر، أيا كان هذا الآخر، ومن ثمة فالمنطلق خاطئ، مهما كانت المبررات (مع أننا نقر أن المجتمعات العربية عموما مجتمعات ذكورية بامتياز).
على الفتاةأن تضبط حياتها ضبطا صحيحا بالاعتماد على الوحي أساسا، ولا تكن حياتها ومشاريعها عبارة عن مجموعة من ردات أفعال، وانفعالات، لأن ذلك يضرها قبل أن يضر غيرها.
إذا تحقيق الذات صار محتواه ماديا بحتا، لأنه منفصل عن الوحي ومقاصده ومنهاجه وضوابطه، الرؤية المقصدية غائبة تماما، تحقيق الذات عند الشباب، ليس رسالة يحيا بها ولها، بل هو ملأ فراغ ما بداخله، ترميم كسر داخلي، لملمة وإكمال نقص ما يشعر به. وهذا ما عبّر عنه عالم النفس فيكتور فرانكل (صاحب مدرسة العلاج بالمعنى):”إن فكرة تحقيق الذات والمبالغة فيها هو في الحقيقة مرض نفسي، يسمى بالإحباط، إحباط غياب هدف للحياة..”
تحقيق الذات لا ينطلق من فراغ، بل له أسس ومرجعية، وضوابط ومقاصد، وكل هذا قد فصله لنا الوحي كل التفصيل.
الوحي حدد الهدف بدقة ووضوح، حين قال الحق تبارك وتعالى:(وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ ).
وحين قال: (وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ).
وحين قال:ﱡ (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا)
وحين قال:(كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ ).
وحين قال:(وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ )
إذا القرآن حدد للإنسان مهمته واضحة في الحياة، وهي: عبادة الله تعالى، الاستخلاف في الأرض وعمارتها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القيام بمهمة الشهادة على الناس وذلك بإقامة الدين الحق على منهج الوسطية.
تبقى كل الأهداف الشخصية تصب في هذه الأهداف الكبرى. ومن ثمة الصورة واضحة وجلية، محكمة الخطة والأهداف لا يزيغ عنها إلا فاقد البوصلة.
وزاد الوحي على ذلك أن أعطانا المنهج، منهج تحقيق مهما تنا، وذلك حين قال:إِنَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ یَهۡدِی لِلَّتِی هِیَ أَقۡوَمُ / ﱠفالقرآن منهاج حياة ودليل واضح يبين للمسلم كيفية أداء ما هو منوط به في الحياة.
وحين قال:
فالرسول ﷺ هو القدوة التي ينبغي اتباعها في طريقنا إلى الله عز وجل.
وحين قال: وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ/. ﱠالعمل بكل جد واجتهاد مع استصحاب مراقبة الله عز وجل ووفق كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
وحين قال:قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ./ باكتشاف الأرض وسبر أغوارها والبحث والتنقيب وما ذلك إلا دليل على الأمر بالعلم والبحث العلمي.
بالبعد عن هذا المنهج يلهث أبناء هذا الجيل وراء وهم اسمه تحقيق الذات. التحقيق الصحيح للذات لا ينبغي أن يتم إلا في دائرة الفكر الجمعي، فأنت لما تسعى لتحقيق ذاتك، لا بد أن تكون ذاتك هذه جزء من أسرتك، وجزء من وطنك، وجزء من أمتك، في ظل الوحي ومقاصده، لا يصح أن تنفك عن هذه الدوائر الثلاث، وإلا كانت فكرتك نابعة من الأنانية، من تضخم الأنا لديك، أو العكس، تشعر بنقص داخلك وفراغ تريد ملأه،
تحقيق الذات لا بد أن يربط بقيم الإسلام وبقيم الآخرة لضمان عدم الانحراف في تصوره وتنفيذه.
احتاج هذا البحث ،،ممكن ترسله دكتورة..؟