حصريا

“مزايا خصك الله بها أماً”-أ.عابدة المؤيد العظم-سوريا-

0 532

 

“مزايا خصك الله بها أماً”

عابدة المؤيد العظم

من تكريم الإسلام للمرأة أن الله سبحانه وتعالى قرن في القرآن بين التوحيد وبين بر الوالدين، ثم جاءت أحاديث صحيحة لتخص الأم بالذكر، وتشهد لها بالتفاني والبذل، وتؤثرها لأجل ذلك بالنصيب الأكبر من البر، وتحث الأبناء على طاعتها والإحسان إليها تقرباً إلى الله، واعترافاً بفضلها، وتكريماً لجهودها، فتمتعت المرأة أماً بتوصية إضافية، واكتسبت -بذلك- وفي هذه الحياة الدنيا مكانة أرفع وأسمى من المكانة التي اكتسبها الأب، وكل ذلك لترتفع معنوياتها، وتقدر حجم دورها، فتقوم به على أكمل وجه، وتكتسب رضا الله بصلاح أولادها بالآخرة، وبرهم لها بالدنيا.

وها هي الفضائل التي اكتسبتها المرأة أماً:

1-جعل النبي صلى الله عليه وسلم البر والإكرام للأم:

ورفع منزلة المرأة أماً وجعلها أحق بالإكرام من الأب، وجعلها في الحديث الصحيح أحق بالصحبة: “من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من قال أبوك”[1]، “إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب”[2].

والسبب في تكريم الأم وتخصيصها بالبر هو المشقة التي تعانيها زيادة على الأب: “حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً” مما يتوجب للأم مزيد العناية، وأكيد الرعاية[3]، ويؤكد صاحب “التحرير والتنوير”: “رجحان الأم في هذا الباب عند التعارض” ونقل ابن عطية: إذ قد يقع التفريط في الوفاء بالواجب للأم من الابن اعتماداً على ما يلاقيه من اللين منها… (وفي كتاب الرعاية للمحاسبي): أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع[4]، ويعلل الدكتور البار ذلك: إن أعظم العباقرة يتصاغر أمام أبسط الأمهات… ولا يستطيع أعظم قادة الدنيا من الرجال أن يفعل ما تفعله أبسط النساء وأجهلهن… إنه لا يستطيع أن ينجب طفلاً ويحمله في بطنه ولا يمكنه إرضاعه وتربيته مهما كان له من العبقرية والنبوغ!! ووظيفة الأمومة تتصاغر أمامها كل الوظائف الأخرى[5]

2- قدم النبي صلى الله عليه وسلم بر الأم وطاعتها على الجهاد:

قال جاهمة: يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال: هل أمك حية؟ قلت: نعم. قال: الزم رجلها فثم الجنة[6]، ويعلق محمد علي البار: “لقد جعل الإسلام مكانة الأم لا يدانيها شيء فجعل الجنة تحت أقدامها وعلى الابن أن ينحني إلى ما تحت تلك الأقدام ليصل إلى الجنة إن أراد الوصول إليها”[7].

3- بر الأم كفارة لأي ذنب:

“أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال:لا. قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها”[8]، وإن الإنسان لا يخلو من ذنب صغير أو كبير، ولا بد له من توبة، فكان في هذا الحديث المغفرة للأبناء، والنفع الدنيوي للأمهات حين يتمتعن ويسعدن بإكرام وبر الأبناء.

4- المرأة أماً تحول -أحياناً- بين الرجل ابناً ودخوله الجنة

توعد الله من يفعل الموبقات بأشد العقاب، وفي الحديث: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (كررها ثلاثاً) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين…”[9] وخص الأم في حديث آخر، فانفردت بالوصاية لتأكيد حرمة عقوقها: “إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات…”[10]، لأن عقوقهن فيه مزيد في القبح[11]. فالطريق إلى الجنة مرهون برضى الوالدين وخاصة الأم.

5- دعوة الأم مجابة:

“دعوة الوالدة أسرع إجابة، قيل: يا رسول الله، ولم ذاك؟ قال: هي أرحم من الأب، ودعوة الرحم لاتسقط”، وفي قصة جريج العبرة حيث استجاب الله دعاء أمه عليه -وكان دعاؤها يبدو مستحيلاً لما يعرف من صلاحه- وانقلب أمره إلى ما دعت به عليه.

6- صلاح المجتمع بيد الأم:

يقول أ.نور الدين العتر: “الرجل لا يطيق تلك المعالي الجسام ما لم يكن وراءه امرأة تخلفه في بيته تثير حميته ورجولته، ويأتمنها على ولده، فلم يكسب الرجل تلك المكرمات إلا بفضل تلك المرأة الفضلى ذات الروح العائلية المتفانية، فاستحقت بذلك من الأجر عند الله ومن التكريم ما استحقه الرجل بعبادته وجهاده إذ رجع إليها الغرس”[12]، فالمرأة هي التي تربي الطفل في سنواته الأولى  وهي التي تبنيه وتعلمه المبادئ والأخلاق، ويصعب بعد ذلك تعديل سلوكه، وتغيير قناعاته وأفكاره كما أكد علماء النفس، وكما لاحظ المربون.

وإن صلاح المجتمع وفساده يتوقف على حسن توجيهات الأم، وفضل رعايتها، ولو لم تكن المرأة على مستوى المسؤولية ما أوكل إليها أمر التربية وتنشئة رجال المستقبل، وهذه -والله- فضيلة ومفخرة للمرأة أن يسند إلى الرجل أباً التعامل مع الأشياء الجامدة وقضاء الوقت في التكسب والعمل الشاق، وأن يوكل إليها رجال المستقبل لتشكلهم وتربيهم وتصنع عقولهم وتبني مبادءهم ومعتقداتهم وقيمهم، وهو دليل قوي وبرهان ساطع على ثقة عظيمة بقدرات المرأة وإمكاناتها.

ونقل البار: “ويقول تقرير هيئة الصحة العالمية الذي نشر في العام الماضي إن كل طفل مولود يحتاج إلى رعاية أمه المتواصلة لمدة ثلاث سنوات على الأقل. وإن فقدان هذه الرعاية يؤدي إلى اختلال الشخصية  لدى الطفل كما يؤدي إلى انتشار جرائم العنف”[13].

وإن العاطفة التي وضعها الله في المرأة وميزها بها عن الرجل دفعت بالأم إلى التفاني والتضحية بكل شيء لأجل أولادها، الأمر الذي يجعلها أقدر من الرجل في مجال التربية والتوجيه، وهي العلة في إسناد الحضانة لها فهي أقدر على تحمل السهر به والصبر عليه. وأحفظ له وأحمد عاقبة. ولذا فإن الشارع لا يعدل عنها في حضانة الصغير إلا لضرورة ملجئة…”[14]

وقد استطاعت كثيرات من النساء تربية أولادهن وحدهن دون مساعدة الرجل (بسبب موته أو غيابه)، ونجحن في التربية وفي إعالة الأسرة، في حين عجز الرجل عن القيام بالتربية وحده منفرداً ودون مساعدة امرأة له.

…وخلاصة القول أن للمرأة أماً امتيازاً ملحوظاً في ديننا، فمكانة الأم في الإسلام عالية رفيعة، لا يبلغها أب ولا زوج ولا ولد، ولا يستطيع أحد مهما فعل أن يعوض فضلها، أو يرد جميلها وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم حيث حمل رجل أمه على ظهره وأخذ يطوف بها بالبيت (وهي على ظهره) ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “هل قضيتها حقها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ولا برفسة واحدة”، وفي رواية ولا بزفرة واحدة”[15].

الهوامش

[1] متفق عليه.

[2] البخاري.

[3] محمد جمال القاسمي: محاسن التأويل ج15 ص15.

[4] الجامع لأحكام القرآن ج10 ص238.

[5] عمل المرأة في الميزان ص79.

[6] النسائي وابن ماجه.

[7] عمل المرأة في الميزان ص28.

[8] الترمذي.

[9] البخاري ومسلم.

[10] البخاري.

[11] إرشاد الساري إلى صحيح البخاري م9 ص6.

[12] ماذا عن المرأة؟ ص183.

[13] عمل المرأة في الميزان ص57.

[14] د. محمد سلام مدكور: الإسلام والأسرة والمجتمع ص155.

[15] البزار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page