حصريا

هل يحتاج العالم الاسلامي إلى (سيداو) – أ.شافية بوسكين -الجزائر-

0 6

هل يحتاج العالم الاسلامي إلى (سيداو)

 

و أنا أهم بالكتابة في موضوع سيداو تذكرت قصة الشاعر الفرزدق مع ابنة عمه النوار، فرغم أنه تزوج بنساء كثيرات و قال فيهن شعرا، فإن اسمه لم يقترن باسم امرأة مثلما اقترن بالنوار، لأنها المرأة الوحيدة التي عاندته و وقفت بوجهه و فضحته بين العرب،  فأذاقته مرارة مكرها مقابل غدره حتى خاطبها بقوله: (ما ألذك حرامـا و ما أقبحك حلالا!) فاشتهرت مقولته تلك و صارت تضرب مثلا، بعد سجال بينهما بين الغدر و الانتقام و الحرية، و ذاك سجال لم ينتهي بعد بين النساء و الرجال باسم حقوق الانسان تارة و باسم المساواة بين الرجل و المرأة تارة أخرى.

و يشهد العالم كله أن المرأة قد شهدت فتحا مبينا غداة البعثة فبمجيء الاسلام        اعترف العالم بإنسانيتها و أقر لها حقوقا على الرجال لم تعرفها في العالم الغربي إلى يومنا هذا، بل فرض لها  من الامتيازات و المزايا بما يليق بتبجيل أنوثتها و إجلالها، و إعلاء مكانتها الاجتماعية المميزة كأم و بنت و زوجة و أخت، بما أعطاها الله من أفضلية في كثير من الأحكام الشرعية التي تغنيها عن الكدح و التعب و تهيؤها لدورها الانساني في بناء الأسرة و تنشئة الأبناء، من خلال نظام القوامة: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم) فلا شك أن لا امرأة تزعم أنها ضد أفضلية الانفاق عليها و تدبير أمورها و حمايتها و هي مسؤولية ملقاة على عاتق الرجل يحاسب عليها شرعا و عرفا و قانونا ، و لا تسقط عنه إلا إذا ثبت نشوز الزوجة.

فهل ترى بعضنا يقف اليوم منتشيا بهذه الاتفاقية و لسان حاله يقول لبنودها: (ما ألذك في سيداو و ما أقبحك في الاسلام) فيترك المعين الصافي، إلى كدرة الغرب و فخاخه و فجاجة ذوقه و تشوه فطرته من الانسانية إلى الحيوانية، و الواقع ان من ينظر إلى العناوين الكبرى في اتفاقية سيداو يجد أن الاسلام سبقها بألف عام و قد وضع أسس احترام الانسان و المساواة في الحقوق و الواجبات فقال تعالى: (المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض) و المساواة في الفرائض و العبادات و في طلب العلم و السعي لطلب الرزق و استقلالية الذمة المالية، و حقها في المشاركة في الحياة العامة السياسية و الثقافية و الاقتصادية و هي التي شاركت في البيعة و التعليم و التطبيب و التجارة و الجهاد..

إلا أن الاسلام لا تغره شعارات المساواة البراقة أمام أسس العدالة و لهذا يرفض كل ما يهين المرأة و يزدري أنوثتها فيفرض عليها أعباء الانفاق و يجبرها على التساوي في الواجبات و المسؤوليات مع الرجل،   تحمل اتفاقية سيداو شعارا براقا مهدبا في مخاطبة النساء باسم: (القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) و لهذا يطرح الاسلام السؤال البديهي: هل تعاني المرأة فعلا من التمييز في الشريعة الاسلامية؟ و هل تحتاج المرأة فعلا إلى المساواة مع الرجل؟ أم أن الأمر يتمحور حول قيم الكرامة و العدالة في مراعاة الخصائص الانسانية النفسية و الفيزيولوجيا و العاطفية لكل منهما، و كذا مراعاة الاستعدادات الفطرية بتوفير الظروف الملائمة لكل من الرجل و المرأة.

و من هنا تأتي الفروق الجوهرية لرفص عدد من المواد في هذه الاتفاقية لما تمثله من هدم للثوابت الشرعية غير القابلة للتعديل و النقاش، على غرار القوامة الزوجية التي تعد في جوهرها تكليفا للرجل تجاه المرأة إنفاقا و حماية و رعاية، يقابله واجب الطاعة في غير طغيان أو ظلم تحت إطار قوله تعالى: ( و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف و للرجال عليهن درجة) و هي درجة القوامة و الولاية  و النفقة و الميراث و الطلاق و غيرها من أحكام الأسرة التي تدور كلها حول حماية المرأة و هويتها ككيان مميز عن الرجل، و حفظ كرامتها من كل أشكال الاستغلال و العنف و الاذلال التي نراها في الغرب ، أين امتهنت المرأة باسم الحرية و الموضة و الاغراء حتى  تحولت إلى سلعة استهلاكية و اشهارية بين الناس، في تجسيد  للمدينة الفاضلة الأفلاطونية التي لا تتحقق فضائلها إلا بجعل المرأة مشاعا بين الجند و لا يخفى أنها  كلمة مهذبة تعني عامة الناس، و مشاعا بين الطبقة الحاكمة و لعل ما نعيشه هذه الأيام من تسريبات قضية إبستين في الولايات المتحدة الامريكية أجلى و أقذر مثال عن الفساد الذي استشرى في الغرب عموما و في يد الحكام و أرباب المال، و كيف تغول أهل النفوذ و استعبد المال النفوس فنزل بها إلى أسفل دركات التوحش و الانحلال باستغلال النساء و القصر و الأطفال بأبشع الطرق و أرذل الصور، تساوى في ذلك الحاكم و المحكوم ممن يتشدقون بحقوق الانسان و الحيوان في العلن، و ما اتفاقية سيداو إلا واحدة من ذرائعهم في الضغط على الدول الاسلامية  لهدم أسسها و ما شعارات المساواة و الحرية المرفوعة إلا برمجة  لحرية الوصول إلى المرأة و استغلالها، بل و تغيير طبيعتها و هويتها لكسر جدار الأسرة الحصين في المجتمعات المسلمة، و الوصول إلى الخواء النفسي و الاجتماعي الذي يعيشه الغرب اليوم طولا و عرضا.

إن محاولة استيراد القيم من غير منابعنا الاسلامية و الاجتماعية لفرضها على المجتمع لهو العبث بعينه، فقد حكى لنا ابن المقفع في كتابه (كليلة و دمنة) كيف أعجب الغراب بمشية الحمامة فأراد تقليدها فإذا به يفشل في محاكاتها بل و ينسى مشيته الطبيعية! و هذا أسوأ ما قد يحل بمجتمعاتنا من تفكك قيمي و اجتماعي نحن في غنى عنه ، فما أحوجنا إلى تعزيز قيمنا و بث الفخر بها في نفوس الناشئة كوننا كمسلمين سباقين إليها و اعتزازنا بهويتنا هو مصدر قوتنا في عالم اشتبه فيه الحق و الباطل و المنكر و المعروف.

شــافية بوسـكين

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page