حصريا

الأسرة الممتدة وأثرها على القيم-أ. أسماء الإدريسي-المغرب-

0 3٬136

تأثرت مؤسسة الأسرة والعائلة في الواقع المعاصر، تأثرا سلبيا بالقيم الحداثية الجديدة، الشيء الذي أفضى إلى بداية انهيارها في الغرب بانهيار القيم الحضارية أولا، ثم بانهيار القيم الأسرية التقليدية الفطرية القائمة على التكافل والتراحم والتعاطف، المؤثرة في بناء منظومة أسرية متينة تساهم في حفظ النوع الإنساني وأصالة الحياة البشرية.

ونتيجة لذلك الانهيار، تفككت مؤسسة الأسرة وتصدع بنيانها، فانتشرت مراكز الرعاية الاجتماعية للأطفال المتخلى عنهم، ومراكز إيواء ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين وغيرهم من الفئات الهشة كنتيجة طبيعية لإهمال هذه الفئات. وانتهاك القيم الأسرية السامية القائمة على المبادئ السابقة الذكر، بعد إقصاء الدين من الحياة العامة والخاصة بفعل علمانية شاملة وهيمنة قيم السوق والاستهلاك على حساب القيم الإنسانية.

ويواجه المجتمع الإسلامي ومنذ النصف الأخير من القرن الماضي تحديات كبيرة، مع بداية تسرب تلك القيم الدخيلة عليه، لكن “العولمة” التي لا تتحمل ولا تقبل القيم التقليدية المحافظة، زادت الوضع سوءا لأنها تقوم على تمجيد الفردانية، والذاتية التي زادتها التطورات التكنولوجية وسيولة المعلومات توحشا بعد انهيار أو تصدع حائط الصد؛ حائط القيم في المجتمعات العربية الإسلامية، كما جاء في تقرير البحث الوطني حول القيم)(ENV2004 والذي أكد أن الواقع القيمي ليس متماسكا، بل يعكس صراعا بين القيم التقليدية والقيم الحديثة”[1]

وباتت المجتمعات الإسلامية اليوم، والأسرة خاصة تعيش تسربا واضحا لقيم لا علاقة لها بمرجعتينا الدينية والحضارية، بعدما كانت منبعا للقيم في حد ذاتها، حسب تصور الدكتور فتحي حسن ملكاوي للأسرة باعتبارها قيمة في حد ذاتها متضمنة لأرفع القيم وأزكاها، لأن هذه الأخيرة واحدة من المحاضن الرئيسية للقيم، وربما تكون الأكثر قدرة على تكريس وتثبيت قيم البر والإحسان، والتكافل، والعفة وغيرها من القيم.

وقد أسس القرآن الكريم العلاقة الأسرية المتسامية، على قواعد وبناها على أسس تمكنها من القيام بأدوار حضارية كبرى، بدءا من شروط اختيار الزوج والزوجة والتأكيد على قيم الرجولة والأنوثة، وأن قيم الرجولة قائمة على العناية والرعاية، القوامة والمسؤولية، والقوة والمروءة، الكامنة في شخصية الرجل والتي لا تظهر إلا بلقاء المرأة في بيت الزوجية في رحم الكيان الأسري.

كما أن قيم الأنوثة مستودع القيم الجمالية والأخلاقية والاجتماعية، الفياضة بالحنان والرحمة، والقيم الاجتماعية الفياضة بالرعاية والحماية والتدبير. ولا تكتمل رجولة الرجل ولا أنوثة المرأة حتى يمر كل منهما بمراحل التكوين الأسري كلها، بنوة وأبوة وأمومة وخؤولة وعمومة، لأن كل عنصر في الأسرة يشكل مصدرا عظيم للقيم. وهذه الأخيرة بالتالي هي مكونات الأسرة في الهدي الإلهي والنبوي والفطري صلاحها صلاح للمجتمع وفي اختلالها اختلال لبناء المجتمع الإنساني [2].

وتعد الأسرة الممتدة [3] الأساس والحصن الكبير للأسرة التي باتت تعرف بالأسرة النووية أو الصغيرة في رعاية الأبناء، وركيزة أساسية في التربية على القيم، وقد كان لها دور كبير في غرس القيم في الأبناء وتوجيههم وإكسابهم المهارات التي يحتاجونها في حياتهم، سواء من الجوانب السلوكية والفكرية والعلمية، عن طريق مخالطة فئات اجتماعية وعمرية مختلفة داخل نفس الأسرة، الأمر الذي يرسخ فيهم تقبل الاختلاف واكتساب مهارة التعامل مع أنماط فكرية وشخصيات مختلفة والتعايش معها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”[4].

كما تكسب الأسرة الممتدة أفرادها، اكتشاف القيم التقليدية المحافظة الأصيلة، الهادفة التي كانت سائدة لدى الأجداد وذلك بالتشبع بالنافع منها، في الحياة اليومية . وقد شكلت هذه الأسرة ميدان التطبيق العملي لقيم التكافل بما تمنحه من رعاية مريحة للمسنين والضعفاء والفئات الهشة دون الاضطرار لجهات خارجية مساعدة، وقد يكون دور الأسرة مكملا لوظيفة الوالدين في حالة اليتم، كما في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي نشأ يتيما فاقدا للأم والأب ولكن رغم ذلك تلقى رعاية خاصة من طرف جده ثم بعده عمه أبي طالب عوضته حنانهما ودفأهما، وكانت بالتالي بديلة عن أسرته النواتية ، وكذلك الأمر في حالة عمل الوالدين، خصوصا منه عمل الأم الذي أصبح ضرورة ملحة في الواقع المعاصر في ظل تزايد انتشار ظاهرة إقبال المرأة على العمل وتزايد حاجة الأبناء للحضانة والرعاية والتربية، وإعلاء المشاعر الفطرية القائمة على التوادد والتراحم والتكافل.

وقد تغني أحيانا أيضا عن اللجوء إلى الحضانة في سن صغير في حالة عمل الأم-كما سبقت الإشارة- بسبب ما تقدمه هذه الأسرة من عطف وحنان خصوصا من طرف الأجداد والجدات، بالإضافة إلى ما للجدات من أثر على الأبناء من حيث كونهن يغدقن قلوبهم بمشاعر الحب والعطف والرحمة التي يبقى آثارهن حتى بعد وفاتهن بذكرياتهن الحانية وما غرسنه من القيم والأخلاق والفضائل العالية بين جنبات نفوس الأبناء، من صدق ورحمة ووفاء وغيرها.

كما تعد الأسرة الممتدة المحضن الكفيل بحفظ خصائص الأسرة العامة وقيمها من حيث الارتباط في الهوية والأصالة والثقافة والتعايش والتواد والتراحم بين الأجداد والأحفاد، بالإضافة إلى نقل الخبرات والتجارب والمعارف، والمحافظة على وظيفتها في التنمية والتنشئة والتربية والمحافظة على القيم المتوافقة مع البنية التربوية الإسلامية باعتبارهم الأصول والمنابع والقدوات الحسنة في هذه استلهام القيم وتمثلها، والتقليل من الفردانية والأنانية.

وفي هذا السياق أعتقد أن الإسلام لم يجعل التفاضل في الميراث بين الذكور والإناث إلا ترسيخا لهذا وتأكيدا عليه وإعمالا لهذه الأدوار والوظائف، لأن من مقتضيات القوامة جعل الأسرة بامتدادها هي المعنية برعاية ضعفائها في حالة اليتم أو كبر السن وغيرها من الظروف الطارئة، ولأن هذه المرأة التي ستأخذ نصف الرجل هي في الحقيقة تحت حماية ورعاية هذه الأسرة ماديا واجتماعيا ونفسيا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ألحقوا الفرائض بأصحابها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر” [5].

وقد اعتبر العلامة محمد الطاهر بن عاشور أن الله تعالى في آية المواريث ناط الميراث كله بالقرابة القريبة سواء منها ما كانت جبلية النسب، أو قريبة من الجبلية وهي عصمة الزوجية، لأن طلب الذكر للأنثى جبلي، وكونها المرأة المعينة يحصل بالألف، وهو ناشئ عن الجبلة [6]، بل أن الله سبحانه وتعالى لم يحصر التركة في دائرة الأسرة الصغيرة (النواة) بل وسع من دائرة الاستحقاق لتشمل الأسرة على امتدادها كالأجداد والجدات، والأعمام والعمات وغيرهم في حالات معينة.

ويشكل  هذا النمط من الأسر المكان الأنسب والملائم وربما المريح لرعاية الآباء كبار السن لأنها تشعرهم بالاستقرار والأمن النفسي والاجتماعي، والعيش في جو تغلب عليه الطبيعية التراحمية التكافلية التي تتكامل فيها الأدوار، ليساعد القوي فيها الضعيف كما جاء في قول أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي تعدد خصال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “كلا والله، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”[7]، فضلا عن أنها تورث بذلك للأبناء قيم  البر بالوالدين والكبار، والاعتراف بحقوقهم وعدم التنكر لهم وفاء واعترافا لهم لما بذلوه وبالتالي السهر على راحتهم وسعادتهم.

وفي هذا السياق رأى الإمام محمد الطاهر بن عاشور أن:”مقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين، أحدهما نفساني، وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها. والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العُرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسٍ بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن. ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من صلة الرحم.

وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة بعضهم بعضاً، وفي اتحاد بعضهم مع بعض، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}[الحجرات 13]. وزاده الإسلام توثيقاً بما في تضاعيف الشريعة من تأكيد شد أواصر القرابة أكثر مما حاوله كل دين سلف” [8].

ويظهر لنا مما سبق أهم إسهامات الأسرة الممتدة في توفير الأمان الأسري والأمن الاجتماعي، الحاجة الى الحفاظ عليه من خلال هذه المعاني، المشجعة على ترك البيوت مفتوحة للأهل والأحباب، والحرص على جعلها محضنا يفيض على من حولهم بالمعاني التي سبق ذكرها والقائمة على التواد والتحاب والإكرام والترحاب، دون أن تضيق بهم بوجود من حولهم.

لكن ثمة إشكالات وتساؤلات تطرح نفسها بقوة، تتعلق بطبيعة الإكراهات التي واجهتها وتواجهها ما تبقى من الأسرالممتدة على نذرتها ، لأن الغزو الفكري والإعلامي وما حملته الحداثة الصلبة والسائلة، وما بعد الحداثة أو الحداثة المتحورة، شكل معاول هدم للأسر الممتدة إن لم تكن إبادة لها، بشكل جعلها نادرة جدا حتى في البوادي، أما بالمدن فالوضع أسوأ، خاصة وأن خطر الحداثة المتحورة استهدف الأسرة ككيان بغض النظر عن أشكالها ، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي واجتياحها للمجتمع، بشكل يطرح أسئلة عديدة منها، هل مازالت هناك فرص بقاء للأسرة ذاتها ؟ وكيف يمكن المحافظة عليها وعلى خصائصها وأدوارها في الواقع المعاصر؟

[1] “المغرب الممكن”، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء 2006 م.

[2] “الأسرة منبع القيم”، فتحي حسن ملكاوي، مجلة اسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عدد 55، ص: 06.

[3] نمط من أنماط الأسر التي لا تقتصر على الزوجين والأولاد فحسب، بل يمتد اطارها ويتسع ليشمل سائر الأقارب من آباء وأجداد وإخوة وأعمام.

[4] أخرجه ابن ماجة (4032)، وأحمد (5022) باختلاف يسير، والطبراني في المعجم الأوسط (5953)، والبيهقي (20669) واللفظ لهما.

[5] أخرجه البخاري (6737)، ومسلم (1615) باختلاف يسير.

[6]بن عاشور، الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م.

[7] أخرجه الشيخان، اللفظ لمسلم.

[8] بن عاشور، الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، المرجع السابق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page