يثير موضوع تعدد الزوجات وجهات نظر كثيرة تتجه في أغلبها نحو المعالجة الفقهية؛ فتركز على ما استقرت عليه آراء الفقهاء والمفسرين من شروط وضوابط وسياقات ومناسبات؛ متجاوزة نقطة أراها رئيسة وأساسية في المعالجة، وأعني بها البعد العقدي المفعم بالتعلق بالله تعالى والمليء بقيم الحب والرحمة والإنسانية.
والمراد بالبعد العقدي هو أن نتخذ من التوحيد ناظما معرفيا وأخلاقيا؛ننظر به إلى الأشياء والعالم ونفسر في ضوئه النص القرآني ونقرأ به سيرة وسنن النبي صلى الله عليه وسلم. وبعبارة أخرى إخضاع عملية فهم وتفسير النصوص التشريعية للعقيدة وربطها ربطا محكما بالأهداف والغايات الموصلة إلى الله تعالى ورضاه، وعدم الفصل بين العقيدة والشريعة أثناء المعالجة والفهم؛ فالأحكام والتشريعات، خاصة منها ما تعلق بالمعاملات والأحوال الشخصية، عندما تتخذ الطابع القانوني الصارم والصرف فإنها لا تجد في النفس البشرية قبولا أو استجابة كافية، ولذلك هي تحتاج إلى الحوافز التي توفرها العقيدة.
إن الدور الذي تشكله العقيدة في الاستجابة الطوعية للأحكام والتشريعات؛هو السر في تركيز النبي صلى الله عليه وسلم دعوته على التربية العقدية؛ التي سهلت على المسلمين الأوائل الالتزام بالتشريعات؛” فالأمور لا تستقيم ولا تصلح بالتشريعات والتنظيمات[…] ما لم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات والتنظيمات والتقوى لا تصنعها إلا عقيدة قوية وصلبة.”[1] ولذلك من الضروري أن ننبه إلى ما يمكن تسميته بالتأطير العقدي للأحكام والتشريعات في الإسلام، وهو جملة من العناصر التحويلية التي ينبغي أن نفهم مسألة التعدد في ضوئها، ومنها:
1/مفهوم الإسلام في العقيدة الإسلامية:
والذي يدخل تحت مسمى الإسلام الشرعي، ومعناه الاستسلام والانقياد لأوامر الله تعالى الشرعية؛ فهو طاعة لله وانقياد لأمره بلا اعتراض وإخلاص العبادة له سبحانه وتصديق خبره والإيمان به. وهو مفهوم يستبطن فكرة التسليم وعدم الاعتراض لما فيه من مخالفة تأتي على المفهوم وتضربه في العمق؛ ومؤدى الكلام أن المعارضة بأي شكل من الأشكال هي منافية لأصل التسليم.
والتسليم لله تعالى وقبول شرائعه وأحكامه؛ يعني قبول الجهة التي صدرت عنها تلك التشريعات والأحكام وتعظيمها، وهي جهة متعالية وهو ما جعل أحكامها فوق الزمان، وهو الله عز وجل. يقول سيد قطب في مقدمة تفسير سورة النساء المبدوءة بقوله تعالى:” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً.” [النساء/01]” إنها ترد هذا كله(يقصد التشريعات الواردة في السورة وهي رعاية الأيتام والميراث والتعدد) إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح، مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها، أو في خواتيمها، توثيقاً للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات، وبين الأصل الذي تنبثق منه، وهو الربوبية التي لها حق التشريع والتنظيم، هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم. “[2]
لقد سلم العقل المسلم أموره وحياته ومماته لله رب العالمين، وقَبِل به ربا مشرعا وإلها معبودا، وكشف المنطق الذي يحكم أحكامه وتشريعاته ومقاصده. ثم طفق، بعد أن ضعفت عقيدته وتراجعت قيمه وساءت أخلاقه، يبحث عن مبررات لرفض بعض الأحكام والتشريعات بعيدا عن مكانة العقيدة في قلبه، وعن دورها في التغيير الإيجابي للسلوكات والأفكار الخاطئة، وليبرئ نفسه ويحمل المسؤولية لجهات وأسباب هو من صنعها أو شارك في صنعها إما بالسكوت أو اللامبالاة أو الخوف أو غيرها…
2/ مراعاة عنصر الفطرة في التشريع:
العقيدة الإسلامية تركز على أحد أسرار التشريع الإسلامي، ونعني به فطرية التشريعات؛ إذ لا يمكن أن نعثر في التشريع الإسلامي على تشريعات تناقض الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ومن اعتقد شيئا من ذلك واقعٌ فقد اعتقد العبث في حقه سبحانه، والعبث عليه محال؛ فهو الحكيم سبحانه؛ ذلك أن ملازمة أحكام الإسلام لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه، أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية. ، ومقاصد الشريعة الإسلامية تقوم على أساس الفطرة، والفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق. [3] فهل يعقل، والحال هذه، أن يخلق الله تعالى المرأة بطبيعة تأبى التعدد ثم يشرعه في كتابه؟ وهل من الإيمان أن نعتقد في حق الله تعالى مثل ذلك؟
نعم إن من التشريعات الإسلامية، سواء في العبادات كما الأحوال الشخصية أو في أي مجال من مجالات الحياة الأخرى، ما يحتاج إلى درجات من الإيمان أكبر وإلى درجات مضاعفة من بذل الجهد والصبر. وهذا مفهوم. لكن ذلك لا يعني أنها مناقضة لفطرة الإنسان كما تتحجج به العديد من الأقلام النسائية خاصة!! وحينئذ يصير الأمر إلى ضرورة التوجه نحو تغليب منطق الإيمان والصبر والثقة واليقين، وسائر العناصر الإيمانية التحويلية الثاوية في العقيدة الإسلامية لا إلى الكف عن إتيانه بحجة أنه يفوق طاقة الإنسان أو أن نفسه تأباه.
3/ مراعاة البعد الإنساني والأخلاقي:
العقيدة الإسلامية تركز على ضرورة اعتبار البعد الإنساني والأخلاقي للتشريع الإسلامي؛ حتى يستيقن المؤمن بأن تشريعات الإسلام كلها تراعي العنصر المرهف في الإنسان، ولذلك كانت السمة البارزة للتشريعات الإسلامية هي الرحمة والحب والخير والإخاء والعدل والإحسان وما إلى ذلك من القيم الإنسانية العالية.
والناظر إلى تشريع التعدد يجده من أكثر التشريعات التي تبرز فيها قيم الرحمة والحب والخير والعدل؛ فالعدل أن تفيء ظلال الاحترام والحب والسكن وتلبية غريزة الأمومة على كل النساء. والعدل أن تجد كل النساء مكانا وجوا أسريا لممارسة وظيفتها التقليدية التي تتماهى مع طبيعتها ومواهبها وإحساسها بالجمال. وإذا اتضحت أهمية ذلك فإنَّ أية دولة أو مجتمع أو فرد يحدد ويضيّق فرصتها في الحصول على هذه الحقوق لا يمكن أن يدعي العدل في جانب المرأة، ولا العمل لصالحها وسعادتها.
والرحمة تعني تجاوز الأنانية وهي الصفة التي خصها الله عز وجل بالانتساب إليه
، وقد ذكرت في القرآن الكريم بهذا الارتباط في قوله تعالى:” كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ .”[الأنعام/ 54] وقوله تعالى:” وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ.”[الكهف/58] و”… وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرحمة.”[الأنعام/133] كل ذلك يدل أنه مصدر الرحمة ، فكل ما لدينا مما لا يمكن حصره هي شذرات من رحمته. ومخرجات الرحمة في واقع المسلمين أن يشعر المجتمع رجاله ونساؤه بأفراح وآمال وآلام وحاجات بعضهم البعض، وأن يسعى الفرد فيه إلى أن ينال غيره من السعادة والاستقرار والسكن مثل ما ينال هو؛ فليس من الرحمة في شيء أن يقف الفرد في سبيل سعادة غيره أو أن يختلق أسبابا ومبررات لمنعها عنه؛ فالإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق الله سبحانه. وهكذا تكون مزاولة الرحمة بين العباد سبيل إلى تذوق رحمة الله تعالى بعباده.
ولذلك ينبغي أن تتوجه الجهود الذاتية إلى العقيدة من أجل استعادة قيم الحب والعدل والرحمة وتفعيلها على المستوى الشخصي؛ حتى تتذلل الطريق لقبول تعدد الزوجات، سواء أقدمنا على تطبيقه أم لا، ففي الإنسان من طبائع الشر ما يمنعه من القبول وفي العقيدة ما يعينه على محاصرة تلك الطبائع والتضييق عليها؛ فاليؤوس عالجته بالصبر فقال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود/ 9 – 11].والمستصغِر نعمة الله عليه عالجته بتذكيره بنعم الله التي لا تُعَدُّ ولا تحصى: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]. والمتكبر الذي يخاصم ربه لسوء تقديره لمقام الله، يجيء القرآن الكريم ليرده إلى حقيقة خلقه الْهَيِّن: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل/ 4]. وقد يطمح الإنسان إلى تحقيق رغبة عنده، قد يكون فيها شر له، فيأتي القرآن لِيُذَكِّره بأن اختياره ليس الأنسب له: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء/ 11]. ولربما نسي الإنسان ربه في فترات الرخاء، ولكنَّ القرآن يشعره بحاجته إلى الله وحده في أوقات الشدة: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 67]. والإنسان الْمُتَّسِم بالتقتير والشح يجد القرآن يأخذ بيده ليعالجه من هذا الداء بتذكيره أن ما عند الله لا ينفد: ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء/ 100]. هكذا يتزود المؤمن بجملة من قيم التحدي للضغوط النفسية والمجتمعية والمادية التي توفرها العقيدة، ولا يمكن أن نعثر على مصدر أو قانون أو فلسفة أخرى تمتلك هذه القدرة على تحويل ما نحسبه صعبا أو مستحيلا؛ لأن المسألة في ضعف الإنسان وليست في صعوبة التشريع.
إن استصحاب البعد العقدي في معالجة مسألة التعدد؛ يعني، أيضا،أننقرأ النص بآلياته ومناهجه الخاصة بعيدا عن الصيغ التبريرية التي تتغيأ مغازلة النموذج الغربي، والتي فرضها وضع الأمة المتسم بالتراجع الحضاري والإحساس بالدونية تجاهه. وهي الصيغ التي بدأت مع أول احتكاك للمسلمين مع الحضارة الغربية ممثلة في حملة نابليون على مصر؛ حيث انكب رجال النهضة ودعاتها من العلماء والمصلحين على صيغ التوفيق بين الشريعة وأحكامها؛ بقصد التماهي مع متطلبات الحداثة والاستجابة لشروطها كما هي عند الغرب، ولذلك وجدنا أن قصارى الهم في تلك الفترة تسويغ أو إبراز أحكام الإسلام؛التي لا يتقبلها الضمير الحديث أو تلك التي تشكل له حساسية ما؛ فيبذلونالوسع من أجل جعل أحكام الدين قريبة منها أو موافقة لها.
وقد دشن الشيخ محمد عبده في موقفه من وضع المرأة هذا الأسلوب؛ فاعتبر أنه “ليس في ديننا شيء ينافي المدنية المتفق على نفعها عند الأمم المرتقية. وأن الإسلام أبعد من أن يكون حجر عثرة في سبيل تطور المرأة، وأنه على العكس من ذلك يميل إلى رد حقوقها. و أن كثيرا من العادات والتقاليد الموروثة من عصور التخلف وقرون التخلف التي ألبست لباس الدين هي التي كانت ولا تزال تتحكم في وضع المرأة وتوجه حياتها.” [4]
وقد ظل الشيخ محمد عبده، بخصوص مسألة التعدد، ومن بعده سائر التيار الإصلاحي إلى اليوم وفيا للتفسيرات و التخريجات الفقهية الموروثة، والمبثوثة في المدونات الفقهية والتفسيرية والحديثية القديمة؛ ممزوجة في معظمها بتفسيرات حديثة مستندة إلى معطيات علمية واجتماعية ونفسية واقتصادية تتجه نحو التبرير والتوفيق؛ فيسجل الشيخ في تفسيره موقفه من المسألة، ويبنيه على قوله تعالى: ” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”[ البقرة/ 228] ويعتبرها قاعدة يبطل بها تعدد الزوجات عندما يؤكد استحالة تحقق العدل في حال التعدد.
ومع التسليم بوقع صدمة الحداثة على علماء ومفكري النهضة، ودورها في تدشين خط التوفيق في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وهي الصدمة التي تطلبت نوعا من المجاراة من أجل الاقتراب بالإسلام والتشريع الإسلامي من مسلمات الحضارة الأوروبية؛ خاصة في قضية المرأة وشؤونها، إلا أن ذلك المعطى لا يصلح لعلاج قضايا المسلمين في كل الظروف والأحوال، ومن غير المقبول أن يبقى سندا أو مبررا لمواصلة القراءات التبريرية للنص القرآني سواء ما تعلق بموضوع المرأة أو غيرها من الموضوعات.
إن استصحاب البعد العقدي المفعم بقيم الإنسانية؛يفضي حتما إلى اعتبار صنف النساء اللاتي تأخرن في الزواج أو من يطلق عليهن تسمية العوانس؛ فمعظم المدونات التفسيرية؛ التي تتناول تفسير الآية 3 من سورة النساء، وهي قوله تعالى:” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَأَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا.” لا نجدها تحصر إباحة أو استحباب التعدد بالأرامل والمطلقات، كما تلح على ذلك الدكتورة علياء في مقال لها حمل عنوان ” تعدد الزوجات… وجهة نظر.” مستدلة على ذلك بتطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم، وما ورد في سيرته عليه الصلاة والسلام؛ حيث كانت معظم زيجاته بالأرامل والمطلقات، بل نجدها تقدم تفسير الآية في ضوء مناسبة النزول الذي تذكره السيدة عائشة رضي الله عنها، وهو توجيه الرجل الذي يتولى يتيمة ذات مال أو جمال إلى ما طاب؛ أي ما أحل الله تعالى من النساء في حدود الأربع؛ مخافة تعريض اليتيمة لظلم يلحقها منه ينضاف إلى قهر اليتم وفقد الوالدين، وقد كان ذلك شائعا وغير مستبعد في المجتمع الإسلامي الأول.
إن الاستدلال بتطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم؛ كونها اقتصرت على المطلقات والأرامل يفهم منه أن فعله عليه الصلاة والسلام لم يشمل العوانس، وهو استنتاج لا يصمد معرفيا؛ فربما لم تكن الظاهرة (أقصد ظاهرة تأخر الزواج أو العنوسة) واسعة الانتشار؛لأن تزويج الفتاة كان من أولى أولويات الولي ووظائفه الاجتماعية والدينية؛ التي جعلت الظاهرة تختفي ولا تشكل تحديا، على عكس ظاهرة المطلقات والأرامل التي كانت تنتشر بكثرة بسبب إسلام النساء، وبقاء الأزواج على الشرك، وبسبب الحروب والمواجهات التي كان يخوضها المسلمون من أجل نشر الدعوة الإسلامية؛ ما يرفع من نسبة الوفيات في صفوف الرجال وبقاء الزوجات بلا معيل.
كما أنه لا يصمد أخلاقيا؛ لأن الباحث اليوم لا يكاد يجد فرقا بين المرأة التي تقدم بها السن ولم تتزوج، وبين الأرملة والمطلقة من حيث وضعها في المجتمع ونظرته إليها في التحليل الموضوعي. فالعنوسة ليست خيارا شخصيا في الغالب؛ فقد تُعَنَّس المرأة، كما جاء في القواميس اللغوية، أي يحبسها أهلها عن الزواج طمعا في مالها، وهذا يقع كثيرا اليوم، وقد تُعَنس بسبب عوامل فرضتها قيم المجتمعات الإسلامية(الحديثة)؛الباحثة عن كل ما هو حسي ومادي بفعل التغيرات العميقة التي طالت بنيتها القيمية؛ فجرَّتها إلى تغيير كبير في النظرة إلى معايير اختيار الزوجة وأهداف الزواج، وهو تغيير تضررت منه فئة كبيرة من النساء اللاتي لا يمتلكن مؤهلات الزواج؛التي وضعها المجتمع من جمال ومال ووضع اجتماعي ومالي وغير ذلك… ما يعني أن العنوسة ظاهرة قد تضر المجتمع وتهدد القيم والمعايير؛ التي تضمن توازنه واستقراره وتماهيه مع القيم التي جاء بها الإسلام؛ تماما كما هو الحال بالنسبة لفئة الأرامل والمطلقات وربما أكثر؛ فهي تصنف في الدراسات السوسيولوجية ضمن ما يسمى اللاطبيعيواللاسوي الذي يهدد قيم المجتمع ومعاييره حتى في المجتمعات الغربية.
إن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو عن دور النخبة النسائية ذات الخلفية الإسلامية في بيان وتوضيح هذه المسألة؛ فهي اليوم معنية، أكثر من أي وقت مضى، باستعادة الرؤية العقدية وتوظيفها؛ فهي العنصر الأساسي والوحيد الذي يضمن التحليل الموضوعي، ويجنب التبرير ويوفر النظرة الشاملة ويحاصر الأنانية والذاتية؛ ذلك أن المعالجات الفقهية الصارمة للموضوع أثبتت محدوديتها في غياب العقيدة. والتربية العقدية وما تستبطنه من مقومات روحية كفيلة بمعالجة العناوين التشريعية الكبيرة، سواء تعلق الأمر بمسألة تعدد الزوجات أو غيرها، للحد مما يظهر أنه صعب أو مستحيل؛ فإن الأمة، وعبر تاريخها وواقعها، لم تتردد في بذل الدم والمال والجهد والنفس ولم تستصعب ذلك؛ لأن الدافع العقدي والمحفز الروحي أكبر؛ فكيف تستصعب المجتمعات الإسلامية اليوم موضوع التعدد وتحوله إلى مشكل ؟
إن هذه النخبة معنية بالاحتكام الحقيقي لشرع الله تعالى والامتثال إلى قوله تعالى:” ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم.” [الأحزاب/36] ومعنية بفتح أبوابا لمصارحة جدية وصادقة مع التشريعات والأحكام الإسلامية بعيدا عن المنطق التبريري والأنانية المفرطة والتعالي الغير مبرر. وهي مطالبة بعدم التركيزعلى السلبيات المصاحبة لممارسات وتطبيقات التعدد في الواقع أو تعميمها، وأن تقرأها في سياقها ومحيطها؛ فمن لا يحسن التعدد سواء كان رجلا أو امرأة هو، بالتأكيد، مفتقر إلى عقيدة يُحسن بها الصلاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وتوقير الكبير والرحمة بالصغير وغيرها…فالمسألة ليست لصيقة بالتعدد فقط، ومطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية بوصفها تمثل نخبة معنية بالبحث في الحلول لا الهروب ومعنية بالبحث من أجل تكوين موقف ورؤية لا بالاستكانة إلى اعتقادات وأفكار الشرائح النسائية الأخرى والاحتماء بها.
إن هذه المسؤولية يفرضها دورها الحضاري بوصفها طرفا مهما وأساسيا؛ يعول عليه في البحث والإبداع فيه بعيدا عن الأجوبة الجاهزة والمكرورة؛ التي باتت ميزة الفكر الإسلامي المعاصر في مواجهة القضايا الملحة في واقعه اليوم؛ حيث يظهر أن هذه النخب لا تريد أن تكلف نفسها عناء البحث في الموضوع، بعد أن بَتَّت فيه أقلام وعقول العلماء والمنظرين السابقين والمعاصرين، فليس لها أن تقول بعد أقوالهم شيئا.
إن مسألة تعدد الزوجات بالنسبة للنخبة الإسلامية في الوقت الراهن امتحان؛ تَمتحِن فيه المرأة إيمانها وقوة عقيدتها وقدرتها على قبول شرع الله تعالى والتمسك به والدفاع عنه. وتَمتحِن حسها الإنساني والأخلاقي وقدرتها على تجاوز منطق الأنانية والتعالي نحو الانفتاح والحب والعدل، وقدرتها على العطاء في مقابل الاستئثار والبخل لتتوقف عن التعامل مع الزوجة الثانية على أنها بضاعة تالفة أو كاسدة لا تصلح إلا أن تكون ثانية.
وهو امتحان تمتحن فيه تميزها الاجتماعي والعلمي وأحقيتها للشهادة وللدرجة العلمية، وتمتحن فيه مسؤوليتها وقدرتها على مواجهة الإشكالات، والحد من الهروب تحت عناوين تتوزع في الواقع على حال الأمة الإسلامية كلها لتبرر وضعها المتخلف في كل الميادين وجميع المجالات، وليس موضوع تعدد الزوجات وما يصاحبه إلا عينة أو حالة تعجز فيه الأمة على المواجهة فتلجأ إلى التبرير.
[1]/ سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم، مقدمة سورة النساء،ط 32، 2003، ص563.
[2]/ سيد قطب، المرجع السابق.
[3]/ أنظر: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص93 و: عمار طالبي، مقاصد الشريعة في المجتمع الإسلامي، مجلة ثقافتنا، ع09.
[4]/ محمد عبده، مجلة المنار، ج12، ص 239.
دائما رائعة أستاذتي حفظكِ الله
مقال جميل وماتع حقيقة
وفيه التنبيه على نقاط مركزية ومحورية في علاج مشكلة التقزز والتمنمر من التعدد او من كل حكم شرعي يخالف القيم الحداثية الغربية
حقيقة النقاط التي تتطرقت إليها الباحثة جزاها الله خيرا نقاط ممتازة
لكن عندي ملاحظة أراها تعديلية تصويبية
وهي ما يتعلق بالنقطة أظن الثالثة وهي قضية ان الشريعة تراعي البعد الإنساني من حب وعدل ووو
فكان الأنسب أن يعدل عن هذا اللفظ ( الإنساني) ويستبدل ب
نقطة العدل في احكام الله واوامره ونواهيه أقوله تعالى ” وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ” أي صدقا في الاخبار وعدلا في الاحكام
وهذه لفظة شرعية أحسن من لفظة ومصطلح محدث ( الانساني .الانسانية ) فعند اطلاقه ربما يوحي إلى المعنى الدارج والشائع في هذا العصر وهو القيم الانسانوية التي تجعل المركزية هو الانسان لا الله عز وجل
وأيضا النبي صلى الله عليه و سلم قال ” لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنما يعتمون بحلاب الإبل ”
مع ان اسم العشاء والعتمة هو اسم لظرف زمني واحد إلا أن المغيارة الى اللفظ الشرعي هو أبلغ معنى واعمق دلالة وأظهر ولاء وانتماءا للشرع واعتزاز به .
والله أعلم
وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
وجعل ما كتبتموه ذخرا لكم يوم لقياه
الأستاذة الفاضلة زبيدة الطيب ، أشكرك من كل قلبي على هذا التحليل العلمي المنهجي الموفق، والذي طرحتي فيه موضوعاً أسيء فهمه وتعرض لتشوهات كثيرة ، على رأسها رداءة التطبيق العملي من قبل العديد من الأفراد والكثير من الأسر التي عانت من حالات ظلم مجتمعية كبيرة نتيجة التعدد وغياب العدل والتراحم بين أفرادها، فأثر هذا سلبا على فهم النّاس لمقاصد المشرع الكريم من التعدد، سيما وأنّ فيه حلولاً كثيرة لمشكلة العنوسة والفساد الأخلاقي.
أضاف على هذا تقصد وسائل الإعلام العربية تشويه صورة التعدد، واعتبارها حالة شهوانية تخص الرجل وتلحق الظلم بالمرأة ، فخرج الأمر بصورة مستقبحة منفرة .
ثمّ تناولت جانب الأنانية والذاتية العالي الذي تسبب في كراهية الخير للأخريات،
وحتى نصل إلى الفهم العميق والصحيح لهذا الموضوع ، يتطلب الأمر رجوع المسلمين إلى التفقه بأحكام دينهم ومقاصده. وفهم كيفية التطبيق الصحيح لذلك. خاصة مع الفكر الحداثي والنسوي المناهض لهذا الموضوع والذي يسعى إلى تشويه مقاصده وحقيقته.
بورك قلمك وحفظك المولى