حصريا

خطر الحرب على فطرة الزواج-د.إيمان سلاوي-المغرب-

0 852

خطر الحرب على فطرة الزواج

الدكتورة إيمان سلاوي

لا تسلم هواتفنا من خلا ل المواد الأكثر تداولا عبر الأنستغرام، أو الفيسبوك، أو الرسائل الخاصة من الأهل والأحباب والأصدقاء.. أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى –أقول لا تسلم- من قصف متواصل بسيل من الفيديوهات التي تروم المرح ظاهرا وتستبطن حربا حقيقية على فطرة الزواج، تصوير متواصل للحياة الأسرية والزوجية على أنها صدمة العمر حينما تواجه المرأة حقيقة الالتزامات التي تحاصرها لتلبية حاجات أسرتها، محاولة لا تتوقف للتأكيد على أن الحياة الوردية ومشاعر الود والحب ستتلاشى أمام الأعباء اليومية التي لا تنفك منها المرأة خاصة بعد إنجاب الأطفال، سعي حثيث لترسيخ فكرة أن السعادة كل السعادة في التحرر من الالتزامات الأسرية وتحقيق الذات بعيدا عن محاولة إسعاد الآخرين…قد يتبادل الناس هذه الفيديوهات في سياق التنفيس على أنفسهم من الضغوط، وقد يضحكنا حقا صدق الوصف للاستهلاك النفسي والجسدي للمرأة في إدارتها لشأن أسرتها، وقد يكون من الواقعي أن نقول أن الرومانسية والحياة الشاعرية بين الزوجين لا تدوم في كل حين، ولا يمكن أن تدوم في ظل ضغوط الحياة وإكراهاتها، ولكن الخطير أن نصور الحياة الأسرية وقد انعدم فيها كل ذلك، ولا مجال فيها إلا للتعب والنكد والكدر، والخطير أيضا أن ترسم هذه المواد المتداولة صورة سيئة عن الحياة الزوجية والأسرية تجعل بناتنا ينفرن منها، ويفضلن حياة العزوبة والتحلل من الالتزامات على مسؤوليات الارتباط والاقتران، لا سيما في ظل ضعف التسويق للسعادة الأسرية الموجودة في البيوت، إما لتواضع إمكانات المدافعين عن الزواج، أو لاعتقادنا أن الإقبال على الزواج تحصيل حاصل لا يحتاج إلى دعوة و تعزيز، أو لضعف المنتوج الفني والمؤثر الذي يعزز قيم الفطرة ويدعو إليها، أضف إلى كل ذلك سعار من الإغراء والترغيب في السفر وصنوه من المتع التي لا تتأتى للمكبل –حسب ما يفيده مفهوم المخالفة– بالهموم اليومية للأمهات وربات البيوت التي لا تنتهي.

  • الزواج فطرة:

لقد أكد الله تعالى في كتابه الكريم على هذه المسلمة قائلا  ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الروم: 21]، و الآية تأكيد على أن قانون الزوجية نعمة من الله تستجيب للطبيعة التي خلق الله الناس عليها، قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، والتأكد من هذه الحقيقة قد لا يتحقق والمرأة في مقتبل العمر تفيض طاقة وقدرة على خدمة نفسها وتلبية حاجياتها التي قد تغنيها عن الشعور بالحاجة إلى الشريك، هذه الحقيقة يجليها الزمن، الحاجة إلى الرفيق بعد أن نفقد الصحة والمال والجاه، وقد يكون رأسمالنا الحقيقي هو ذاك الصاحب الذي نسجنا معه تفاصيل لوحة الحياة بحلوها ومرها، وليسأل في ذلك الأرامل والمطلقات واللواتي لم يقدر الله لهن الزواج – رغم أن الكثير من هؤلاء لا تعني معاناتهن أن لا يمتلكن قوة المقاومة للفقد، ولكن أعني ذلك الشوق إلى النعمة الطبيعي والفطري الذي يختلف طعمه ولونه حينما يكون قسريا وحينما يكون اختيارا من غير وعي بمآلاته –.

  • الزوج لباس:

ليس بدعا أن يصف الله عز وجل العلاقة بين الزوجين بما يفيد حاجة كل طرف إلى الآخر، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]، فالحاجة إلى اللباس على مر التاريخ اعتبرت حاجة ضرورية إذ يقدر علماء الأنتروبولوجيا صلة الإنسان باللباس بمئات الآلاف من السنين حيث لبس الإنسان الملابس المصنوعة مما وجد حوله من المواد الطبيعية إلى أن تدرج وارتقى حتى أصبح اللباس مظهرا من مظاهر الترف الثقافي والتميز الحضاري، لذلك دل مفهوم اللباس عن الحاجات الضرورية للزواج باعتبار الزوج/ الزوجة كل منهما يستر صاحبه ويحميه ويحفظه، فإن بلغ مقام تزيين صاحبه و تجميله والارتقاء به إلى مقام النخب الذين يرفعهم لباسهم كان ذلك من التمام و الكمال المرجو، فإذا لم تبلغ العلاقة بين الزوجين الكمال في تحقيق غايات اللباس فإنها لا تعدم تحقيق الحد الأدنى الذي يؤكد حاجة كل طرف إلى الآخر.

  • الحياة الزوجية عالم من الفضل والمكارمة:

قد لا تكون الحياة الزوجية حياة متعة لا تنقضي، وقد يتكدر صفوها بالمشاق والتحديات والإكراهات والأقدار التي يختلف زمانها ومكانها وحجمها وأثرها، لكن استحضار قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237] يحيلنا على مبدإ مهم من مبادئ الحياة الكريمة بين الزوجين، المبدأ الذي يعطي للطرفين الطاقة لتحمل الآخر عندما لا يقو على تلبية حاجاته دائما، أو عندما لا يكون أحدهما موافقا لتطلعات الآخر وتوقعاته، إن الفضل في العلاقة الزوجية هو ذلك الإحسان الذي يوفق إليه أحد الطرفين، وهو ذلك السلوك الذي لا تخل منه علاقة إن كانت قد بنيت على تقوى من الله ونية حسنة، فإذا تعذر أن تكون كل الحياة فضلا ومكارمة، تم استحضار ما كان من رخاء في وقت الشدة، وما كان من إحسان في وقت الجفاء، وما كان من دعم ومساندة في لحظة من لحظات الحياة حينما لا يستطيع المرء ذلك.

ولا يفوتني وأنا أتحدث عن خطر العزوف عن الزواج أن أبين أن الابتعاد عن شرع الله وأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق ببناء الأسرة وتأسيسها، وفيما يتعلق بما يسود من أخلاق في العشرة الزوجية، كل ذلك يزيد من نجاعة وسرعة تأثير هذه الرسائل المشفرة المتعلقة بالتنفير من الحياة الزوجية والأسرية، إذ كلما ساد التعاون والتعبير عن الحب والتقدير المتبادل بين الزوجين كلما تحصنت فطرة أبنائنا وناشئتنا في نظرتها للزواج وموقفها منه. كما نحتاج أن نقرر أننا بحاجة إلى توثيق جمال اللحظات والمواقف المعززة لمكانة الأسرة وحاجتنا إليها، نحتاج إلى أعمال أدبية وفنية وإعلامية تملك أن تواجه هذه الموجة من التمييع والتسفيه للحياة الأسرية…

وختاما فالله تعالى وعد بحماية الفطرة الصحيحة، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖوَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]، وقال أيضا: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، ولكن دورنا كدعاة إلى الحق أن نعين الناس على الثبات على الحق حتى يسعدوا ويسعدوا فلا يضيعوا على أنفسهم خيرا أراده الله لهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page