حصريا

دور الأسرة في البناء العمراني مقاربة مقاصدية – د.فضيلة تركي -الجزائر-

0 371

بسم الله الرحمن الرحيم

دور الأسرة في البناء العمراني مقاربة مقاصدية

أد.فضيلة تركي

انطلقت الحياة البشرية من علاقة فطرية تكاملية بين زوجين؛ رجل وامرأة، كونا أسرة، نواة الأمة المستخلفة، التي تتجدد فيها معجزة الخلق والميلاد، وفيها يتم بناء وإعداد النشء الذي يحقق مقاصد الخلق وغايات الوجود، لذا نجد الإسلام أعلى من شأن الأسرة وحصنها بتشريعات شاملة ودقيقة. القرآن وسنن فعالية الأسرة الحضارية يروي لنا القرآن أن قصة الأسرة بدأت مع بداية الخلق ”يا أيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً واتّقوا الله الذي تساءلون به و الاَرحام إن الله كان عليكم رقيبًا” (النساء/1)، وبين لنا أن الأسرة قامت وتقوم على الزوجية الإنسانية (ذكر/أنثى) التي أصلها النفس الواحدة، خلق العليم الحكيم الأنوثة والذكورة من نفس واحدة للدلالة على وحدة الأصل والمساواة بينهما فلا فضل بينهما إلا بالتقوى، و خلق الأنوثة لتسكن للذكورة و تكون زوجا لها في إطار من المودة والرحمة، ليبث منهما رجالا كثيرا و نساء، فلا فرق بينهما في الأصل و الفطرة، وإنما الاختلاف في الاستعداد و الوظيفة، ” وليس الذكر كالأنثى” [آل عمران/36]؛ لا يعني هذا الاختلاف اختلاف تمييز جنس على جنس، أو خطاب تحقير للأنثى و تفضيل للذكر كما فهمه بعض المتقدمين من مفسرين وفقهاء، وكما يفهمه دعاة تحرير المرأة ويحاولون من خلاله تحريض المرأة على هدم قيم ديننا الحنيف، وإنما يفيد الغيرية في أداء الوظائف التي تتكامل بينهما لتحقيق غايات الوجود الإنساني. تمتاز الرؤية القرآنية بتعزيز الفوارق بين الذكر و الأنثى، و تأكيد التنوع الفطري بينهما لأنه يصب في صالح الإنسانية من خلال تنوع الخصائص والأدوار، وتدعو كل جنس ألا يحاول التطلع وتمني ما عند الآخر ”ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما” [النساء/32] فهذه الآية تبين أن المنهج الإسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف، وتقسيم الأنظمة بين الرجال والنساء، والفطرة ابتداء جعلت الرجل رجلا والمرأة امرأة وأودعت كلا منهما خصائصه المميزة لتنوط بكل منهما وظائف معينة… لا لحسابه الخاص ولا لحساب جنس منهما بذاته. ولكن لحساب هذه الحياة الإنسانية التي تقوم وتنتظم وتسمو في خصائصها، وتحقق غاياتها-من الخلافة في الأرض وعبادة الله بهذه الخلافة- عن طريق التنوع بين الجنسين. وقد وضع الإسلام أحكاما وتشريعات دقيقة تحكم بناء الأسرة وتصوبها نحو تحقيق مقاصد الاستخلاف، لذا نجد القرآن بين أحكام الأسرة وفصل فيها أكثر من العبادات كالصلاة والصيام… لمحوريتها في قيام الحضارات والأمم، ولأهميتها في تحقيق الكليات الخمس والمحافظة عليها في الواقع. و بين القرآن طبيعة العلاقة التي تحكم شقي الإنسان(ذكر/أنثى) السكن والمودة و الرحمة “و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”(الروم30/31)، فبالإضافة إلى هذا الميل الفطري المركوز في الخلق الإنساني نحو الإتحاد و التكاثر، وضع الشارع الحكيم تشريعات بينت حقوق و واجبات كل من الزوجين، فشرع أحكاما توجد الأسرة، و جعل الزواج عهدا و ميثاقا غليظا، ووضع شروطا لصحته كالولي و الشهود و الإعلان… و جعل القوامة بيد الرجل و لا تعني القوامة التسلط أو التعالي أو ممارسة العنف الأسري، فإن هذا مخالف للقيم القرآنية الكلية و هادم للمقاصد الشرعية ، وشرع النفقة، وفي المقابل كلف المرأة بحسن التبعل و طاعة الزوج و احترامه… فكل هذه الأحكام و القيم تسهم في بناء أسري و اجتماعي متين. وكذلك شرع الإسلام للأسرة كل ما يحميها ويصونها من العلل والأمراض، فحرم كل ما يؤدي إلى هدمها أو نقضها، فحرم كل زواج لا يستوفي الشروط كزواج التحليل والمتعة …، وحرم الزواج بالمحرمات من النساء تحريما مؤقتا، وحرم التبني حتى لا تختلط الأنساب لأن في اختلاطها تفكيك للعلاقات الاجتماعية، وحرم الزنا والفاحشة التي تعد خروجا عن الفطرة…، وقد حرم الإسلام كل ما يؤدي لهدم الأسرة أو تعطيلها عن أداء وظائفها الرسالية، لأن تفكيك الأسرة هو تفكيك للعلاقات الإنسانية وبداية انهيار المجتمع. الأسرة وبناء الكليات الخمس: ولقد حرص الإسلام على الأسرة لكونها نواة الأمة ومصدر رفدها، ولأنها “هي المحل الذي يتعلق فيها الإنسان بغيره تعلق نسب ويتخلق فيها بحسب هذا التعلق ” ، فلا تَخلق ولا تدين ولا تزكية بدون أسرة، فهي المعقل الذي يراعي مصالح الإنسان، وهي المؤسسة الفطرية الأولى التي تضمن استمرار التدين، فلا توجد مؤسسة مؤهلة لبناء التدين في الفرد كالأسرة، لا المدرسة ولا الدولة…حتى المسجد فهو مؤسسة مكملة لما زرعته الأسرة. إن وظيفة الأسرة في الرؤية الإسلامية هي صنع الأجيال الربانية والإسهام في إحياء الأمة والحفاظ على كيانها بتزكية القلوب وبناء العقول المبدعة وإيقاد الهمم الخلاقة لتحرير الأمة من الاستكبار العالمي. إن مقاصد الشريعة المتمثلة في حفظ الدين والنفس و العقل تتشكل في المحضن الأول لتحقيق الاستخلاف، يبدأ تفعيلها و العمل على إرساء دعائمها و المحافظة عليها من الأسرة، فحفظ الدين الذي يعد رأس المقاصد و غاية الغايات لا يتحقق إلا بإقامة شرع الله في البيت، وبتعاون كل أفراد الأسرة على عبادة الله وتوحيده، وحفظ النفس لا يتحقق إلا بتنشئة أفراد الأسرة على أخلاق الإسلام و تعاليمه ومبادئه في الباطن، وببناء جسدي قوي سليم في الظاهر، وتحفظ عقول الناشئة بتقوية ملكاتهم و تحصينهم من الأفكار الهدامة و موجات التغريب و الانحلال، ولا تتحقق كلية النسل إلا بزوجين مخلصين طاهرين، فتحفظ أنساب الأمة من الاختلاط والرذائل، وتتحقق كلية المال على المستوى الأسري بنفقة الزوج و توفير العيش الكريم و باقتصاد المرأة و حسن تدبيرها، فالأسرة ” تبني الدين في مكوناتها بتوجيهه، و تزكي النفوس بتقويمه، وتحفظ العقول بترشيده، وتحفظ النسل بحكمته و أحكامه، و المال بتسديده، وباجتماع وسائل الحفظ كلها في الأسر يبني التشريع العزة للأمة، و بهذا الاجتماع تسترد شهودها الضائع” ، والمتتبع للقرآن يجده يركز على بناء الإنسان لأنه أساس كل بناء عمراني حضاري، ومن ثم جاء التركيز على الأسرة؛ إذ يعتبرها المأوى الإنساني الذي يحقق مقاصد الشريعة العامة ويعضد مقصد العمران الجامع للكليات الخمس. فالأسرة في الإسلام هي امتداد واتساع نحو أمة الرسالة والبلاغ والشهود. وعليه لم يكن غريبا أن جعل الإسلام لكل دائرة من دوائرها المبثوثة أحكاما وتشريعات دقيقة تحكم بناءها وتربطها بسابقاتها ونحو الدائرة الكبرى(الأمة) والرسالة الأسمى، وهي أمانة الاستخلاف وأعمار الأرض كدحا نحو الله تعالى وملاقاته. وبناء على ما سبق لابد من إحياء وظائف الأسرة الحضارية لأنها تعد “أحد الضمانات الأساسية لإعادة بعث القيم الإسلامية في البنية الأساسية المجتمعية، وعلى رأسها قيم الشورى والعدل فتماسك هذه البنية المجتمعية وإحياء فعاليتها هو الحصن الأخير في مواجهة الاختراق الخارجي والاستبداد الداخلي”. وعليه أصبح لزاما نخل فقه الأسرة من كل معاني الاستبداد والقهر والتراتبية والصراع، وتفعيل معاني الشورى والعدل النابعة من السكينة والمودة والرحمة بين شقي الإنسان (ذكر وأنثى) حتى يتحقق التكامل بين الزوجين بوصفهما مكلفين بأدوار اجتماعية مختلفة تصب في خدمة مقاصد العمران والاستخلاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page