حصريا

مريم ابنة عمران.. البتول التي لا تغيب ذكراها ولا تزول-د.سهام داوي-الجزائر-

0 629

مريم ابنة عمران.. البتول التي لا تغيب ذكراها ولا تزول

سهام داوي

هي أم المسيح.. سليلة البيت الطيب، نذرتها أمها متمنية الذَكر، ولكنها جاءت أنثى، فتقبلها ربها بقبول حسن، وأكرمها، واصطفاها على نساء العالمين، بأن حملت آخر أنبياء بني إسرائيل، وجرت على رحمها معجزة الولادة بلا زوج، لتبقى آية للعالمين.. فكانت في طهرها آية، وفي حملها آية، وفي وضعها للصبي أعظم آية للعالمين.

“إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”(آل عمران:45)

**********

هي مريم العابدة الناسكة، سيدة نساء بني إسرائيل، تقية نقية شبّت على الطهر، فلم تُطمس الفطرة فيها، ولم تُصب بلوثة الفكر، كان لها مع اليُتم نصيب ومع التاريخ موعد، قذف الله تعالى حبّها في قلوب المحيطين فحرصوا على كفالتها، “إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ “(آل عمران:35 ــ 37). لم يكن والدها نبيا ولا صديقا، ولكنه كان صالحا تقيا، ورّثها السرّ الروحي الذي لا يضلّ صاحبه ولا يخيب، وكذا أمها الطاهرة “حنة بنت فاقوذ” لم يذكر عنها التاريخ إلا الاستقامة والطهر.

قذفت مريم في أحشاء (حنة) على يأس، فكانت لها تصديق اليقين، وحققت لها الأنس، وتمنتها ولدا لكي تقدّمه قربانا لله تعالى في محراب العبادة والرهبنة، حيث تضرعت وقالت “ربّ إني نذرتُ لك ما في بطني محرّرا“، ولكنها وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فهي عادة لا تستطيع الانقطاع عن الدنيا بدافع الأمومة والإشراف على شئون البيت.. ولكن الله تعالى قبلها، وأنبتها نباتا حسنا، وأكرمها بما يكرم به المصطفين من عباده، فكان الكفيل زكريا يرى من أحوالها العجب، وكانت بذلك تتهيّأ للمعجزة العظمى التي لم يكن من السهل عليها استيعابها، ولا استجماع الشجاعة لمواجهة قوم لن يصدّقوها.

لقد اعتادت (مريم) على استقبال العطايا الربانية في محرابها من شهي الفواكه في غير موسمها، ولكنها لم تتوقّع الحمل على غير ما جرت عليه العادة في الخليقة من زوجين، وجاءتها الملائكة تبشّرها “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ“(آل عمران:45 ــ 46) فكانت الدهشة والاستغراب معا، وردّت مستفهمة:“رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ”(القصص:47)، وهو سؤال وجيه عادي تعرف من خلاله الطريقة التي ستحمل بها، وإن كانت بشرى الولادة مقترنة بمسببات تجهلها، ليأتيها الحكم الرباني الفصل تقريرا للمعجزة التي اصطُفيت لها:”قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”(القصص:47) فاستسلمت على ما يكون العبد الخاضع بين يدي ربه، وما هي إلا أن شعرت بحركة الجنين في أحشائها، فشعرت بما ينتظرها من الفضيحة والعار اللذين لا ترضاهما لنفسها الطاهرة، ومن ذا الذي يقول عنها غير ذلك؟ فحتى وهم يستغربون ما رأوا وسمعوا من ولادتها لصبي ذكّروها بما يتوسّمون فيها وهي بنت الأكارم:” ”

لقد قال الله تعالى (كن) فكان بأمره، ولحكمة يعلمها هو، أمّا هي فانتبذت بحملها بعيدا عن الأعين، إلى أن جاءها المخاض الذي أبدع القرآن الكريم في تصويره، وفصّل فيه شعورها، وعناءها، وتتابع الكرامات عليها، حيث قال تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ، َأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا”(مريم:22 ــ 26)

كانت لحظات الوضع قاسية، وكانت النفسية منهارة لعلم الطاهرة أنها لن تُرحم من الرمي بالمعصية التي لم ترتكبها، فكان الموقف سيتعرض لسمعتها، وسمعة كلّ من خلفها من العابدين المنقطعين في محاريبهم، ولذلك تمنت لو لم تكن ولو لم يمرّ عليها هذا اليوم، ولكن الحال اختلف مع خروج النبي وطمأنتها بأنها قد حملت للبشرية أحد عظمائها المكرمين، مع إرشاد إلى ما تستقوي به من الرُطب على سبيل تعليم الناس اتّخاذ الأسباب، وأمر بالهدوء والسكينة، وتوجيه إلى السكوت عن إجابة القوم إذا ما سألوها، فثمة من سيجيب عنها، ويلجم الأفواه.

كان مشهدا تاريخيا، وكانت مواجهة حاسمة، تخرجها من الحرج، وتدعو قومها إلى طريق الله ببركة معجزته التالية بنطق الرضيع الذي جاء إلى الحياة بمعجزة:” فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا”[1]، لكن كلّ ذلك لم يليّن القلوب، ولم يشفع لها عندهم، بل رموها بالإثم، وادّعوا فيها بهتانا عظيما، فصبرت، واحتسبت، وتمسّكت بوليدها الذي جعله الله تعالى نبيا مباركا من الصالحين.

وفي الخبر أنها فرّت بابنها إلى مصر لكي تنجو به من الكيد والأذى، فأقامت سنوات هناك تغزل الكتان، وتلتقط السنابل في أثر الحصادين، حاملة رضيعها، وساعية لأجله، ولأجل البقاء شامخة ولو ذهبت روحها فداء للحقّ الذي بين يديها. فشبّ تحت رعايتها، وتعلّم بتوجيه منها، وبلغ مبلغ الشباب وهو يعينها، ويشقى معها، إلى أن جاءته الرسالة، فبدأ طريقا جديدا، وانتهى ذكر مريم التي كانت مع ابنها آية للعالمين.

كان ذلك أحد نماذج الفضليات المؤمنات المضحيات، سردها القرآن الكريم على ما يثير العبرة بلا حاجة للتعمق في التفصيلات، “فالتعبير القرآني أكثر إيحاء، وأبعد آمادا، وهو يستخدم الحادثة المفردة لتصوير الحقيقة المجرّدة، الباقية وراء الحادثة، ووراء الزمان والمكان”[2]

 

[1] ــ سورة مريم  27 ــ 33.

[2] ــ في ظلال القرآن، 6/2622.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page