حصريا

هاجر ..سيدة المعاني الكبيرة – د. سهام داوي – الجزائر-

1 784

 

مشهد لم يتكرّر، وعقيدة لم تتأثّر، حُرم الولد فصبر، وناله الفضلُ فشكر، وكان (إسماعيل) غيث أبيه إبراهيم من السريّة (هاجر) .. لقد حازت الفضل من أطرافه بعد أن كانت مجرّد جارية في قصر.. زوج نبي، وأمّ نبي، ومحضن نسل شريف بعبق النبوّة يتعطّر.. أُهديت، فأهدَت.. وأُبعدت بطفل فقرّبت قبيلة .. بما نالها من دعاء الزوج الطائع لربّه بقلب يتفطّر:

” رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”[1]

 

      هاجر المهاجرة.. أنسب ما يصدق في هذه السيدة الفاضلة من وصف، فقد هاجرت من مصر إلى أرض كنعان بمعية سارة زوجة إبراهيم عليه السلام في الظروف التي ذكرناها منذ حين، وتراجعت من حياة القصور إلى حياة عادية في بيت ليس فيه سوى زوجين مسنّين تجمعهما عشرة مديدة، وعبادة سديدة في حياة تختلف كلّ الاختلاف عن التي نشأت فيها، وروّضت عليها على ما تكون عليه أحوال الجواري من خدمة في كلّ الاتجاهات.. وعلى ما كانت العادة سارية برضا الزوجة ورغبتها، وهبت (سارة) جاريتها لزوجها الذي لم يسعفها الحال والسنّ إسعاده بولد، عساه يؤتاه من غيرها، وحدث التسرّي ، فنبت ما زُرع في رحمها، ووهبه الله تعالى منها ما يطيب به خاطر كلّ رجل بفطرته، وكلّ نبي بطبيعة مهمّته، فاستمرار الذرية مظنّة لاستمرار الرسالة.

    غالبت (سارة) غيرتها وأتاحت جاريتها لزوجها، وها هي تغالبها بصعوبة أشدّ وهي ثمرة اللقاء بعينها .. فالجارية فتية، وسرعان ما حملت وظهرت عليها معالم قرّة عين قادمة إبراهيم.. وحتما يكون قد صدر منها ما يصدر عن المرأة في مقامها من تودّد أو دلال زائد، أفسد على سارة نقاءها، وعكّر عليها زهدها، وشدّها إلى غيرة النساء، وكيد النساء، وتشاحن النساء، وليس في ذلك تعارض مع الاستقامة أو الوفاء، فما أقدمت عليه كان عين التضحية وقمّتها، ولكنها النفس تتألّم، وتأبى أحيانا أن تتأقلم، فعلاقات الضرائر لا تسلم من شيء ممّا يُتّقى ويُحاذر والرؤوس صنو بعضها، فما بالك برأس مملوك يُمنح ما يُحرمه الملوك.

   الفرحة كانت لإبراهيم، والزوجة لا تنشد لزوجها إلاّ الراحة، ولكنّ الوضع لم يعد يطاق بخروج (إسماعيل) إلى الدنيا، فنفسه في البيت يذكّرها بعجزها، وسعادة أمه به تحرقها، أمّا سعادة الوالد فهي تخشى أن تذهب به بعيدا ولو لم تجرّب عليه ظلما، فمجرّد الميل القلبي لواهبة الولد، وتخيّل الحال إن تكرّر الحمل وتعدّد يصيبها بالوحشة وسط أسرة مكتملة العدد، لا تعدو بعدها أن تكون “الزوجة الأولى” العاقر المنزوية العاجزة عن التحكّم في “أمّ الولد”.. فما أقسى ذلك يا (سارة) وما أشدّه..

    هواجس تراجع المكانة عند الزوج، وتلاشي السلطة على الجارية التي لم تعد الأوامر عليها سارية ظلّت تطارد التقية (سارة)، ويطاردها معها الخوف من الانشغال عن العبادة التي تختفي لذّتها مع شواغل الحال، فالضرّة مرّة، وولدها الباكي المناغي يجرّعها الألم مرّة بعد مرّة، ولا مخرج من ذلك سوى “الإبعاد” .. هذا ما ذكرته التفاسيير…  وينقلنا القران الكريم  إلى مشهد التنفيذ، والتضرّع إلى الله تعالى بالحفظ والرعاية إبعادا لوحشة المكان، فالعبرة بغرس البذرة، وها هي قد غرست قرب بيت الله الحرام، في شخص ولدٍ رضيع ضعيف، وأمّ لا حيلة لها، تتوالى عليهما الكرامات الربانية حتى يعمر المكان، وتُرفع قواعد البيت، ويصبح مثابة للناس وأمنا.

    قصارى القول أنها أبعدتها عن وجهها بنوازع الغيرة عند المرأة، ولم يستطع الزوج نكران مكانة السيدة (سارة)، فلم يردّ طلبها، رعاية لمشاعرها، وحفظا لعشرتها الطيبة، وكان عليه في المقابل ألاّ يظلم (هاجر) ولا يفرّط في الولد الذي جاءه على كبر، وظاهر ما فعل قد يوحي بشيء من ذلك، لكن المراد كان ربانيا وليس بشريا، لقد اختار الله تعالى لهذه الجارية التي أصبحت أم الولد، أن تؤسّس مجتمعا جديدا في أرض الحجاز ببركة النبي الذي في حجرها، فأوحى إلى إبراهيم عليه السلام بأخذها إلى ذلك المكان القفر.

      ها هي المهاجرة من القصر المصري إلى البيت الفلسطيني تهاجر مرّة أخرى إلى حياة الدون في مكة بالنظر إلى ظروفها، فتغادر البيت الآمن إلى خلاء موحش بزاد قليل.. في مشهد مؤلم قاسٍ، قد تحس فيه بالتفريط والجفاء، وقد تتساءل عما يحاك لها في الخفاء لو لم تكن على يقين في خُلق الزوج الذي ما كان ليظلمها ولا ليسلمها، ولكنه تصرّف يخفي حتما غاية، لذلك حاولت معه وهو يهمّ بالذهاب، تستفسر عن المصير، وتستدرّ العطف إن لم يكن شاعرا بالوحشة التي شعرت بها، على الأقل بخصوص الطفل الصغير الذي يُخشى عليه القفار وخوافيه، وألحّت في السؤال إلى أن أجابها بما أثلج صدرها: “لقد أمره الله تعالى بهذا.. فكان الجواب “إذا لا يضيّعنا”[2].. يا له من يقين في الله تعالى.. ويا له من صبر واحتساب في سبيل رعاية الولد، والتشبث بالحياة التي لا تلوح أمامها مقوماتها.

     لنا أن نتخيّل الموقف.. ونتصوّر الحيرة.. ونحسّ بالوجع، والزوج يوليها ظهره وينصرف كاتمًا ما في قلبه، على قطعتين منه تركهما في مكان لا أنس فيه لغاية لا يعلمها ولا يقدّرها حتى، فالغيب عالم فسيح، لو كشف لنا لذهلنا، وإنما هي أقدار مقدّرة، وحاجات مقضية، تتنزّل علينا بقدرها، ولا نموت حتى نستوفيها. ولم يزد على أن تضرّع قائلا:”رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”[3]

    إنها لحظة سُجّلت لِهاجرَ في التاريخ وبدت كأنَّها أُسطورةُ من نسج الخيال! فلا صنيع الزوج معلّل، ولا صمود المرأة متخيّل.. في مواجهة الوحشة والقفار بزاد سرعان ما نفد، ليتركها وصغيرها عرضة للجوع والعطش، وتكتم جوعها ولا يكتمه الصغير .. فيبكي ويبكي ويستفز أمومتها إلى درجة تجعلها تهرول بين جبلي الصفا والمروة ذهابا وإيابا على سبيل استشراف مورد قريب، أو مغيث يجيب متشبثة باليقينِ ( أنَّ اللهَ لن يُضيّعَنا ) ! إنها الوِحدة والوحشة .. وموتٌ يفتَرِسُ الطِّفلَ .. ولا إبراهيمُ يُؤنِس الطَّريق !

كانَ الوضع قاسيا عليها، بل وفوق تحمّل أيّ أنثى، فحظّ أمّ الولد الرعاية، وحق الولد كلّ الحبّ والحماية، ولا يُعقل لشيخ انتظر الذرية سنوات طويلة حتى جاءته على يأس أن يقطع الوصال بمهجة قلبه، وقرة عينه، ويبعده عن ناظريه إلى حيث لا يِؤمن عليه من الموت جوعا، أو بين أنياب الوحوش، ويسلّم مسئوليته لامرأة ضعيفة بزاد قليل سرعان ما انتهى، فانقطع به أنسها، وملأت الرهبة على ولدها جوانحها، فالصغير بدأ يجوع، وبكاؤه لم يعد يتوقف، ولم تُجد معه نفعا هدهدة أو تلطّف، لتجد نفسها مهرولة هنا وهناك استشرافا لبصيص أمل، وبحثا عن مدد مقبل، عساه (إبراهيم) يحنّ ويسعف ولده، ولكن لا (إبراهيم) ولا غيره .. فمن يرفع الأمر إلى ربّ السماء لا يطول به حزن على القضاء.

      لقد تركها إلى مصيرها ومضى، ولكنه موقف ضروري اكتمل به مشهد التضحية ليأتي الفرج من عمق الرّمال.. عينا متفجّرة من تحت رجل الطفل الباكي المضطرب.. هرولت إليها الأم الملهوفة غير مصدّقة ما ترى، فإذا بها حقيقة بل ومعجزة أجراها الله تعالى عليها وعلى الصبي العطشان، وعلى البشرية جمعاء إلى يوم الدين، ما حجّت وسعت ونهلت من ماء زمزم الذي جذب إلى الوحيدة المستوحشة قبيلة “جرهم”، فاستأنست بها، وانضمّت إليها، وشبّ الولد بينها برعاية أمّ مضحية، وتحت رقابة أب نبي يزورهما بين الحين والآخر اطمئنانا، وتجديدا للوفاء.

    وتجدّدت معاناة الأم المبتلاة في إيمانها مرّة أخرى مع حادثة رؤيا إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام.. ولم يكن من تحقيق الرؤيا النبوية مفر، ولا من عذاب الأبوة مهرب، ولكنها الطاعة لله تعالى تبقى مسيطرة على المسار، فما لا تظهر للبشر حكمته من أوامر الله تعالى لا يُستعجل في الفرار منه، أو الإعراض عنه، وهذا أقسى ما نزل على قلب (إبراهيم) الذي أخبر ابنه حتى لا يأخذه غيلة، ولكنه لم يستطع أن يفجع هاجر بالخبر، وجعل الأمر سرّا بينه وبين ولده المستجيب لأمر الله تعالى، بعيدا عن عينيها، ليحلّ الفرج، وينزل الفداء بعد البلاء، ويبشّر إبراهيم عليه السلام عند عودته إلى سارة بإسحاق على يأس.

     وتجدّد بعدها اللقاء بالأب العظيم المضحي بفلذة كبده استجابةً لأمر رب العالمين، وما أشرفه من لقاء كان على بناء البيت استجابة لأمر رباني جديد، على مرأى ومسمع من هاجر التي قد تكون ساعدت بطعام أعدّته للنبيين، أو طوب حملته مع الشريفين، أو حتى بدعم أنفاسها الطاهرة اللاّهجة بالدعاء لهما، وسؤال القبول مثلما سألاه، على النحو الذي بيّنه القرآن وجلّاه:” وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (البقرة 127)

    لقد رفعا القواعد من البيت، ورفع الله تعالى لهما به ذكرا، وحفظ البركة في نسل إسماعيل عليه السلام ليختم للعالمين بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم، صادقا أمينا مساهما في إعادة بناء الكعبة على نهج جدّيه، وناشرا نور الهدى للبشرية من قلب ذلك الوادي المبارك الذي دشنته خطوات هاجر، ووفد إليه العابر المهاجر، واستقرّ فيه خير البشر، بعدما أُخرج من بين ظهراني المشركين مؤسسا الدولة في يثرب، وعائدا بعد سنوات البناء والتشييد بالجحافل، فاتحين مباركين البقعة التي صارت مثابا وأمنا ومحجا للأجناس الميامين.

    أمّا السيدة هاجر فيكفيها أنّ ذكراها لا تغيب، حوالي زمزم، وعند الصفا والمروة، حيث يظهر طيفها ولا يغيب، وترتفع الدعوات لها فيكون لها أبدا في الفضل نصيب، وبدورنا نردد نداء العرفان والتكريم: ” هاجَرُ ” لكِ من اسمِك أوفر النَّصيب في هِجرَةٍ تَمَّت للهِ وَحدَهُ ..يا سَيِّدَةَ المَعاني الكبيرة .. “

 

 

 

[1]ــ سورة إبراهيم  الآية 37.

[2]ــ الروض الأُنف، 1/135.

[3]ــ سورة إبراهيم   الآية 37.

  1. عائشة الإدريسي (بشلاغم) يقول

    بوركتم وبورك عملكم وسدد الله خطاكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page