“أمي شخصية صعبة“
“أمي شخصية صعبة” عبارة سمعتها من أكثر من طالبة في سياق اللقاءات العلمية والتربوية، كما كنت قد سمعتها من بعض السيدات في الحياة، منهن من عبّرت عن صعوبة برّها، وعن شعورها بالذنب أو الحيرة، وسألت إن كان الله يغفر لها تجنب تلك الوالدة، ومنهن من سألت إن كان يجوز مقاطعتها، أو على الأقل اختصارها والابتعاد عنها، لأنها شخصية “سامة” (حسب تعبيرها)، وهي تريد أن تحيا بسلام (برأيها)، دون أن يتعكر صفو حياتها.
في أحد اللقاءات كان الحوار طويلاً وذا شجون، ولكنه خرج بنتائج غيرت في حياة الكثيرات -كما عبّرن- بفضل الله، مما جعل إحدى الزميلات تقترح عليّ كتابة الأمر ونشره، لذا سأحاول تلخيص الموضوع، بما يرتجى منه فائدة الطرفين بإذن الله، وسيكون الطرح هنا موجهاَ للأبناء بالدرجة الأولى، وهذا لا يعني أنه لا خطاب يوجّه للأمهات، ولكن له مقام آخر.
عندما تكون الأم شخصية صعبة: شكوى تتجاوز مجرد التذمر
تراوحت شكاوى الصبايا والسيدات من الأم الصعبة بين الشعور الدائم بالانتقاد وعدم الرضا، إلى التدخل المبالغ فيه في أدق تفاصيل الحياة، إلى التمييز المجحف بين الإخوة، وصولًا إلى الأمهات اللاتي يتسمن بالسيطرة الشديدة، أو كثرة الشكوى، أو كثرة الطلبات، أو السلبية المستمرة، أو الأمهات اللاتي تفتقر إلى المرونة، أو لا تتقبل وجهات النظر المختلفة، أو حتى اللاتي يعانين من سمات متعبة، بعضهم يسميها “نرجسية” أو “سيكوباتية” أو غيرها من مسميات الشخصيات الصعبة، (مع التحفظ على التصنيفات)، مما يجعل العلاقة معهن مرهقة نفسيًا، هذه الصفات مهما كانت نيات الأم طيبة، يمكن أن تخلق بيئة من التوتر والضغط على الأبناء، خاصة الفتيات اللاتي غالبًا ما يكنّ الأقرب إلى أمهاتهن.
ردود أفعال متفاوتة
في الواقع، تنوع ردود أفعال البنات تجاه أمهاتهن الصعبات. بعضهن قد يلجأن إلى المواجهة المباشرة، مما يؤدي إلى صراعات متكررة، أخريات يفضلن الانسحاب والابتعاد، مما يخلق مسافة عاطفية قد تؤثر على العلاقة، وفي الحالين فإن غالبًا ما يكون الأمر على حساب صحتهن النفسية وراحتهن الشخصية.
ولكن هناك من يحاولن التكيف والتأقلم، بحكمة وتفهم، بتقوى وتعقل، بصبر وقوة، ومع هذا الصنف ستكون لنا وقفات.
يا قاتل أمك:
(يا قاتل أمك) عبارة قالتها أم صعبة الشخصية لابنها البار، من باب الضغط العاطفي لتسيطر عليه وتحقق ما تريده، إنها حكاية صحابي تعرض لأشد انواع التعذيب من والدته .. ليس لتخريب حياته فقط وإنما لإفساد آخرته أيضا .. الصحابي سعد بن أبي وقاص .. قالت له أمه: “لن آكل الطعام، ولن أشرب الماء حتى ترجع عن دينك، وإذا مت سوف يعيرونك بوالدتك طول الدهر”.. كما قالت له: “سيقولون لك يا قاتل أمك”..
صحيح أن موقفه كان حاسماً في الثبات على الدين إذ قال لها بكل أدب واحترام .. “يا أمي كُلي أو لا تأكلي لو أن لك مئة نفس، فخرجت واحدة بعد الأخرى لن أكفر بهذا الدين؛ الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-” ولكنه بقي مصاحباً لها، رؤوفاً بها، وكانت قصته سبباً لنزول قوله تعالى: ﴿وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَ ٰلِدَیۡهِ حُسۡنࣰاۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۤۚ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٨].
توجيهات إلهية واقعية: إقرار بوجود الأبوين الصعبين
من رحمة الله بنا أنه لم يتجاوز هذه الحقيقة في توجيهاته الربانية، ففي الوقت الذي شدد فيه الإسلام على بر الوالدين والإحسان إليهما، لم ينكر وجود آباء أو أمهات قد يكون التعامل معهم صعبًا، يقول تعالى: ﴿وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان 15)، هذه الآية تقدم إرشادًا ربانيًا عظيمًا؛ فهي تُقر بأنه قد تكون هناك مواقف يدعو فيها الوالدان إلى ما لا يرضي الله، وفي هذه الحالة، يكون الامتثال لله مقدمًا، ولكن مع التأكيد على المصاحبة بالمعروف في الدنيا. هذا يعني أن الله لم يطلب منا طاعة عمياء تتجاوز الحق، بل أمرنا بالمصاحبة الحسنة والمعاملة الطيبة، حتى لو اختلفت المبادئ أو صعبت الطباع، حتى لو وصلت الصعوبة للمجاهدة، التي تعني المحاولات الضاغطة المؤلمة المستمرة لتنفيذ أوامر لا تفسد دنيانا فقط، وإنما الآخرة أيضاً.
وصاحبهما في الدنيا معروفاً – نحو شخصية سوي ، ونفسية سليمة، .. بعيدة عن العقوق
“وصاحبهما في الدنيا معروفاً” عبارة تشكل مفتاحاً سرياً لحل المشكلة، ترافقت مع عبارتين تشكلان ركيزتين لخطة العمل مع الأبوين الصعبين، العبارتان هما: ” وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ” و “ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”، وكأن المصاحبة بالمعروف لا تسهل إلى بالإنابة إلى الله، وبتذكر الجزاء يوم لقائه، وكأنها لا تتم إلا بمعرفة أن صعوبة الأم هي ابتلاء بقدر الله، السعيد من اجتازه بسلام.
وصاحبهما في الدنيا معروفاً.. تندرج تحتها نصائح علم النفس الإيجابي، وتعني:
- محاولة تفهم الأسباب الكامنة: أي معرفة ما وراء تصرفات تلك الأم، هل هي تجارب سابقة؟ مخاوف؟ قلق؟ تعب؟ وأن تستجر مشاعر الشفقة بدل النقمة، ومحاولات المساعدة بدل المواجهة أو الهروب.
- الرحمة والصبر: والتفكر أنها ربما كانت تسيء التصرف نتيجة جهل، أو تعب فوق احتمالها، أو ضغوط تطبق عليها، أو اضطراب في شخصيتها، وأنها قد تحتاج لمساعدة ومعالجة، وأنها مهما فعلت فهي أم لها حق المعونة والمساعدة والبر، وهنا نتذكر قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ (الإسراء 24)
- التركيز على الإيجابيات: محاولة نبش الإيجابيات في شخصية الأم وتذكرها دوماً، مهما كانت قليلة، مما يساعد على حسن الظن، وعلى حسن التواصل.
- البحث عن دعم: التحدث مع شخص موثوق به، سواء كان صديقًا أو فردًا من العائلة أو معالجًا نفسيًا، يمكن أن يوفر منظورًا مختلفًا ودعمًا عاطفيًا.
- عدم جلد الذات: بعض الأبناء يصعب عليهم تطبيق تلك النصائح، فيرزحون تحت الشعور بالذنب، وهنا يحسن تذكر قوله تعالى: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء 25)
- السعي لامتلاك الوعي الذاتي: الذي يوصل للثبات الانفعالي، والسلام الداخلي، مما يساعد في تطبيق المصاحبة بالمعروف.
- الصحبة ضمن حدود سليمة واضحة: فلا تتطرف إلى المقاطعة والتجاهل الموصل للعقوق، ولا تفرّط في التواصل الموصل للأذى والألم، يعني التواصل مع وجود سياج معنوي، لحماية الذات من التأثيرات السلبية، وتحديد أوقات نوعية للمحادثة، تتسم بالاستعداد النفسي لحسن الاحتواء، وتجاهل المنغصات، والتركيز الفكري المساعد في تحسين التواصل.
- التواصل السليم الفاعل: تواصل ترافقه الابتسامة الدائمة، ولغة الجسد السليمة، وينخفض فيها الصوت، وتستخدم فيه المفردات الطيبة، والتعابير الذكية، وتتجنب الاتهامات، وسوء الظنون.
- عدم أخذ الأمور على محمل شخصي: باعتبار أن تصرفات الأم قد لا تكون موجهة شخصيًا لابنتها، بل قد تكون ناتجة عن شخصيتها أو ظروفها الخاصة.
- تنفيذ ما يسعدها، وتجنب ما يؤلمها، دون قياس رغباتها وآلامها بميزان المنطق، وإنما بميزان الرحمة والتقبل، مع تكلف المحبة.
- بعض التضحية: يعني التخلي عن بعض الأمور المحببة إن كان في ذلك ما يسعدها، ولنا في أويس القرني خير مثال، إنه امتنع عن السفر للقيا نبي الأمة صلى الله عليه وسلم، من أجل ألا يحزن والدته بفراقه، فكانت النتيجة أن شهد له النبي صلوات الله عليه بالخيرية، وأرشد أبا بكر وعمر أن يطلبا منه أن يستغفر لهما إن التقيا به.
وأخيراً فإن التعامل مع الأم الصعبة ليس بالأمر الهين، ولكنه ليس مستحيلاً، إنه يتطلب مزيجًا من الإيمان واليقين، والحكمة، والصبر، والفهم، والحرص على تطبيق التوجيهات الإلهية والنفسية، لضمان شخصية سوية للذات، خالية من العقد والاضطرابات، ولتجنب الوقوع في العقوق، مع الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من بر وإحسان.