حصريا

إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه في الفقه الإسلامي – د. رشيد طوحة – المغرب-

0 2٬155

توطئة..

جاءت التشريعات المتعلقة بالأسرة جزءا لا يتجزأ من النظام العام في الإسلام، وقد حظيت بعناية كبيرة نظرا لما تحققه من المصالح وتدرؤه من المفاسد، ومن هنا باستطاعتنا أن ندرك الأثر الكبير الذي يترتب على عقد النكاح، خاصة وأن الميل الفطري بين الذكر والأنثى ميل عميق في التكوين الحيوي لا بد له من طريق مأمون لتلبيته بصورة بعيدة عن الشذوذ والإفراط، ليكون خطوة نحو مدارج الكمال وتحمل المسؤوليات، ومظهرا من مظاهر الرقي الإنساني، والراحة النفسية.
ولا شك أن أفضل أنواع الزواج ما تلاقت فيه الرغبات وتعارفت فيه الأرواح من خلال اتحاد العقيدة والأهداف في تناسق تتلاحق فيه المودة والرحمة، فتطيب الحياة وتسعد الأسرة ويلتم شمل الأمة، وهذا هو منطق القوانين الاجتماعية عبر التاريخ في ايجاد التناغم والتوازن والتلاحم بين مختلف المجالات. وقد أدرك أعداء هذه الأمة قوة ورصانة هذه اللبنة فخططوا لهدم هذا الصرح وإفساده من الداخل والخارج، مستفيدين من حالة الوهن والضعف التي يمر بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فعملوا على إفساد المرأة وإحلال القوانين الوضعية مكان القوانين السماوية ونشروا ذلك بمختلف وسائل الإعلام المتاحة.

فواجهت الأسرة المسلمة من المشاكل ما يبدو لفئة من الناس أنها شديدة التعقيد، بينما تبدو لغيرهم أنها سهلة وبسيطة، وترك مثل هذه القضايا بلا حل يزيد من استفحالها، واعتبارها من المشاكل المزمنة، التي يدور فيها المجتمع في حلقة مفرغة. ومن أشد هذه المشاكل تعقيدا وأكثرها خطرا على مجتمعنا، قضية من القضايا التي ربما يخطر في الذهن أول مرة عند ذكرها، أن حكم الشريعة فيها مستقر بالإجماع، تلك هي: ما الذي ينبني على إسلام أحد الزوجين الكافرين، من جهة ثبوت الفرقة بينهما، وذلك أنه مستقر في الأذهان ابتداء: أن الإسلام يمنع استمرار الحياة الزوجين بين مسلمة وكافر، أو مسلم وكافرة، إلا أن تكون كتابية لإباحة نكاح نساء أهل الكتاب، حتى وقع من طائفة كبيرة من أهل العلم أن ظنت هذه المسألة مما لا يحتمل فيها الكلام، لأنها في ظنهم أصبحت من جملة المسلمات التي لا تصح المراجعة فيها. لذلك سأحاول في هذا المبحث أن أستقصي آراء الفقهاء في المسألة، والمرتكزات التي بنوا عليها آراءهم، ثم القرار الذي اتخذه المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمنهج الذي اعتمده المجلس وهو يعالج هذه القضية.

إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه..

اختلف فقهاء المذاهب الأربعة بشكل كبير في هذه المسألة ، حتى أنه يمكننا القول بأنه لم يتفق منها مذهب ان على قول واحد،وكان التباين بين الحنفيةوالمذاهب الثلاثة الأخرى كبير جدا،ثم بين المالكيةمن جهة،والشافعيةوالحنابلةمن جهةأخرى،بل الأكثرمنذ لك فقداختلف أصحاب أحمد في ذلك لاختلاف الروايتين عنه.

رأي المذهب الحنفي:

يرى الحنفيةأن ا لمرأةإذاأسلمت وهاجرت من دار الكفر إلى دار الإسلام،فإن اختلاف الدارين يفرق بينها وبين زوجها،بمجرد صيرورتها إلى دارالإسلام،وعلة الفرقةهي اختلاف الدارين.

وتفسير اختلاف الدار ينفي رأيهم: أن يكون أحدالزوجينكافراحربيا،فهذامنأهلدارالحرب،والآخرمسلماأوذميا،فهذامنأهلدارالإسلام،فالمسلمإذاخرجإلىدارالحربلم يزلعنهبذلكوصفكونهمنأهلدارالإسلام[1]. إذ المعتبر في اختلاف الدارين، أنيكونالزوجانقدافترقتبهماالبلدحقيقةوحكما،فأماالحقيقةفبكونأحدهماصارمندارالكفرإلىدارالإسلامأوالعكس،وأماحكمافأنيكونتحولهإلىالدارالأخرىللإقامةوالاستقرار،لاكعابرسبيل، فلودخلكافرمحاربدارالإسلام مستأمنا،فهووإنانتقلحقيقةأيببدنه،لكنهلميصبحمنأهلتلكالدار حكما،حتىيكونمنأهلالعهدفيستقرفيها.

وتفرعلهمفيهذهالقضيةمنالمسائلمايلي :

المسألةالأولى:أنيكونالزوجانمنأهلدارالإسلامبالذمة،فإذاأسلمالزوجوزوجتهليستكتابية،عرضعليهاالإسلام،فإنأبتفرقبينهماالقاضي. وكذلكإذاأسلمتالزوجة،تعرضالإسلامعلىالزوج،فإنأسلموإلافرقبينهماالقاضي.

وبناءعلىذلكفإنهمالميفرقبينهماالقاضيفهي امرأته.[2]

المسألةالثانية:أنيكونالزوجانمنأهلدارالحرب،فإذاأسلمأحدهماولم يهاجر،فهي امرأتهحتىتحيضثلاثحيضإنكانتمنذواتالحيض،أوتمضيثلاثةأشهر،فإذامضتهذهالمدةولم يسلمالآخرمنهماوقعتالفرقةبينهما.

وعللواذلكبأنمجردالإسلاملايصحالتفريقبه،وفيدارالإسلاميفرق القاضي بعدما يعرضعليهالإسلام،لأناستمرارالحياة الزوجيةبينهماممتنعلمافيه من تمكينه من افتراشها،فلمافقدالوليالذييدعوهإلىالإسلامفيفرقإذاأبىفيدار الحرب،أقيممقامهشرطالبينونةفيالطلاقالرجعي،وهومضيثلاثحيض،وإقامةالشرطمقامالعلةعندتعذراعتبارالعلةجائز،فنزلانقضاءثلاثحيضمقامتفريق القاضي[3].

المسألةالثالثة:أنيكونالزوجانمنأهلدارالحرب،فيسلمأحدهماثميخرجإلىدارالإسلام،فهناتقعالفرقة،لاختلافالدار[4].وقداستدلوالذلكبعدةأدلةأذكرمنبينهاما يلي:

ـــــآيةالمهاجراتفيسورةالممتحنة: ” فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم واله عليم حكيم” سورة الممتحنة، الآية 10  .

ــــ حديثأبيسعيدالخذريأنرسولاللهصلىاللهعليهوسلم يومحنينبعثجيشاإلىأوطاس،فلقواعدوافقاتلوهم،فظهرواعليهم،وأصابوالهمسبايا،فكأنناسامنأصحابرسولاللهصلىاللهتحرجوامنغشيانهنمنأجلأزواجهنمنالمشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: }والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم { أي فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن[5].

 ووجهالدلالةمنهذاالحديث:أنالتحولمندارالحربإلىدارالإسلامأبطلعقدالنكاحبينهنوبينأزواجهنمنأهلالشرك[6].وما ورد في الأثر عن علي كرم الله وجهه أن قال: “هو أحق بها ما داما في دار الهجرة”[7].

قال الجصاص: “وهذا معناه عندنا إذا كانا في دار واحدة، ومتى اختلفت بهما الدار فصار أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام بانت”[8].

رأي المذهب المالكي:

ذهبالمالكيةإلىأنسببالفرقةبينالزوجينإذاأسلمأحدهماوبقيالآخرعلىدينههواختلافالدين،ولاأثرلاختلافالدارفيذلك[9].

ومنمذهبهمالتفريق بينسبقالمرأةأوسبقالرجلبالإسلام،وترتبعلىذلكمنالمسائلعندهممايلي:

المسألةالأولى:إذاسبقتالمرأةزوجهابالإسلام،سواءكانتفيدارالإسلام،أوهاجرتإليها،وكانتمدخولابها،ثمأسلمالزوجفيعدتهافهيامرأته،ويقومالإسلاممقامالرجعة،وإنأسلمبعدانقضاءالعدةفلاسبيللهعليها[10].

وأصلاستدلالهمهنامابينهالقاسمعندماسألهسحنونعنفتواهوقدقالسبحانهوتعالى:” ولا تمسكوا بعصم الكوافر “الممتحنة، الآية 12، قال: “جاءت الآثار أنه أملك بها ما دامت في عدتها إن هو أسلم، وقامت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس لما قامت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قياس ولانظر”[11]. يشير بهذا إلى قصة إسلام امرأتي عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية قبلهما، وما حكاه الزهري في شأن العدة[12].

المسألةالثانية:إذاكنتالزوجةغير مدخولبها،وقعتالفرقةبمجردإسلامها. لأنهالاعدةعليهابخلافالمدخولبها،فإنإسلامهفيعدتهابمنزلةالرجعة،وهومنتف فيفحق غيرالمدخولبها[13].

المسألةالثالثة:إذاسبقالرجلبالإسلاموالمرأةليستكتابية،فإنكانتحاضرةعرضعليهاالإسلامفيالحال،فإنأسلمتفهيامرأته،وإنلمتسلمفهوفسخ. وإنكانتغائبةفعقدالنكاحينفسخبمجردإسلامه،ولاينتظرفيذلكالعدة[14].

واستدلوا له بقوله تعالى: ” ولا تمسكوا بعصم الكوافر ” الممتحنة الآية 10، وأن الفرقة وقعت بين المسلم المهاجر الذي كانت له زوجة بمكة وبين زوجته تلك حين نزلت هذه الآية. وهذا الاستدلال يشمل عندهم كل وثنية في دار الإسلام أو خارجها[15].

وقداختلفأصحابمالكأيضافيمسألةمدةالمدةلعرضالإسلامعلىالطرف الكافر.

رأي المذهبين الشافعي والحنبلي:

وافق الشافعية والحنابلة المذهب المالكي في كون العلة في الفرقة هي اختلاف الدين، ولا أثر لاختلاف الدار.

قال الشافعي: “لا تصنع الدار في التحليل والتحريم شيئا، إنما يصنعه اختلاف الدينين”[16].

ومن دليل الشافعي غلى ذلك، قوله تعالى:”إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات” الممتحنة الآية 10 ، فقد اعتبرت الإيمان سببا في منع إرجاعهن إلى الكفار.

كما وافقوا المالكية في المسألتين التاليتين:

الأولى:إذا أسلمت المرأة المدخول بها، فالنكاح موقوف، فإن أسلم الزوج في عدتها فهي امرأته، وإن أسلم بعد انقضاء العدة فقد وقعت الفرقة، وتنكح بعده من شاءت[17].

الثانية:إذا كانت غير مدخول بها،  وقعت الفرقة بمجرد إسلامها، لأنها لا عدة عليها[18]. كما وافقوهم في اعتبار انقضاء عدتها فسخا وليس بطلاق، وأن عدتها عدة المطلقة، وتحتسب من وقت الإسلام[19].

واختلفتالمذاهبالثلاثةفيمسألتين:

المسألةالأولى:لميفرقالشافعية والحنابلةفيالانتظاربالعدةللمرأةتسبقبالإسلامأوالرجل يسبقبه،خلافاللمالكية. واستدلوالهبإسلامأبيسفيانبنحربوحكيمبنحزام،سبقازوجتيهمابالإسلام،وامرأةعكرمةبنأبيجهلوصفوانبنأمية،سبقتازوجيهمابالإسلام،وأقرالجميععلىالنكاح،ولميؤثرفيهسبقالمرأةأوسبقالرجل.

المسألةالثانية:عنأحمدبنحنبلروايةثانيةلميقلبهاالمالكيةولاالشافعية،وهيعدماعتبارالانتظاربالعدةللمدخولبها،وإنماتقعالفرقةساعةإسلامأحدهما. وهذهاختارهابعضالحنابلةكأبيبكرالخلال[20].

ويمكنأنتكونههنامسألةثالثة،هيروايةعنأحمدفيماقيل،وهي أنهاتردلزوجهاولوبعدالعدة،أخذابظاهرقصةزينبمعأبيالعاص[21].

ولقد استند الفقهاء في مذاهبهم على آية الممتحنة، إذ أنهم لا يختلفون أنها محكمة غير منسوخة، وأنهامؤثرةعلىوضعالنكاحبينالزوجين يسلمأحدهمادونالآخر،ولكناختلفوافيصفةذلكالتأثير،علىأنهاليستبقاطعةالدلالةبنفسهاعلىأيمنتلكالمذاهب،ولذاصارمنصارإلىاعتباردلالةالسنة،وهنااختلفوابحسبماانتهىإلىكلفريقمنالسننوقدرمالهامنالثبوت[22].

وقدذكرالإمامابن القيمالجوزيةتسعةأقوالفيهذهالمسألةلصحابةوأئمةوعلماءمعتبرين. وقدكاناختلافهمبسببفهمالنصالقرآن )آيةسورةالممتحنة(،وبسببثبوتالنصوصالحديثية،فماثبتعندفريقمنالأحاديثلم يثبتعندالفريقالآخروالعكس.

وتبعالاختلافالأقدمين، اختلفالمعاصرونفيهذهالمسألة،وأخذكلٌّبما يراهصحيحامنأقوالالأئمةالسابقين.

رأي الإمام ابن حزم الظاهري:

يرى ابن حزم رحمه الله أن المرأة إذا أسلمت ولم يسلم زوجها أو تأخر في إسلامه عنها ولو ساعة انفسخ عقد الزواج بينهما، وليس له أن يستأنف الحياة الزوجية معها بعد إسلامه إلا بعقد جديد ومهر جديد.

قال رحمه الله في المحلى[23]: “وأيما امرأة أسلمت ولها زوج كافر ذمي أو حربي فحين إسلامها انفسخ نكاحها منه، سواء أسلم بعدها بطرفة عين أو أكثر أو لم يسلم لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها وإلا فلا”. وقال عن اختياراته واجتهاداته: “وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهم، وبه يقول حماد بن زيد، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي وغيرهم”[24].

وقال في خاتمة هذه المسألة: “برهان صحة قولنا آية سورة الممتحنة، فهذا حكم الله الذي لا يحل لأحد أن يخرج عنه، فقد حرم الله تعالى رجوع المؤمنة إلى الكافر، ونص تعالى على أن نكاحها مباح لنا، فصح انقطاع العصمة بإسلامها، وصح أن الذي يسلم مأمور بأن لا يمسك عصمة كافرة، فصح أن ساعة يقع الإسلام أو الردة انقطعت عصمة المسلمة من الكافر، وعصمة الكافرة من المسلم”[25].

وخلاصة القول أن ابن حزم يرى أن إسلام أحد الزوجين يبطل النكاح الذي بينهما ويلغيه وتحرم معاشرة المرأة منذ إسلامها، فلا يحل له الاستمتاع بها، وإذا أسلم الزوج لا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد وإرادة بالموافقة منها.

رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم:

 يرى الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن قيم الجوزية أن إسلام أحد الزوجين يوقف الحياة الزوجية ويمنع العشرة بينهما منذ إسلام أحدهما ويبقى ذلك موقوفا حتى يسلم الآخر ولو طالت مدة إسلامه وتجاوزت العدة، وللزوجة المسلمة أن تتزوج غيره كما لها أن تنتظره حتى يسلم، فإن أسلم حل النكاح بينهما، وإن لم يسلم بقيت محرمة عليه منذ إسلامه.

ولنقرأ بتأمل كلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول في مجموع فتاويه: “إن الكافر إذا أسلمت امرأته: هل تتعجل الفرقة مطلقا أو يفرق بين المدخول بها وغيرها، أو الأمر موقوف ما لم تتزوج، فإذا أسلم فهي امرأته؟ والأحاديث إنما تدل على هذا القول”[26]. وقوله: “وإذا أسلمت حيل بينها وبين زوجها، فإن أسلم قبل أن يتعلق بها حق غيره فهو كما لو أسلم قبل أن يباع رقيقه فهو أحق بهم والدوام أقوى من الابتداء”[27].

وقال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد: “لا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير… ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح”[28].

واحتج ابن القيم رحمه الله على تخيير المسلمة بين انتظار زوجها حتى يسلم أو أن تتزوج غيره فذكر رواية مسندة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن نصرانيا أسلمت امرأته، فخيرها عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه[29]، ثم قال: “ومعلوم بالضرورة أنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن يسلم فتكون زوجته كما هي، أو تفارقه”[30].

واحتج كذلك رحمه الله بما صح عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت زوجته: “إما أن تسلم وإلا نزعتها منك”، فأبى فنزعها منه[31].

وخلاصة القول أن إسلام أحد الزوجين وبقاء الآخر كافرا تنقطع به الحياة الزوجية وتمتنع العشرة الزوجية بمجرد إسلام الأول، فيحرم بينهما الوطء، والاستمتاع وكل دواعيه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} وقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر}، وهذا أيضا ما اتفق عليه الفقهاء قاطبة ولا يوجد بينهم مخالف أبدا، وإنما اختلفوا فيما لو أسلم الآخر بعد إسلام الأول في وقت العودة، عودة الحياة الزوجية بينهما وحل الاستمتاع بينهما. والجمهور على أنه إذا أسلم الآخر أثناء العدة يعود النكاح بينهما، وإذا انقطعت العدة لا تعود الحياة الزوجية بينهما، ولها أن تتزوج غيره.

ولكلام ابن القيم وشيخه ابن تيمية وجه معقول في أن إسلام أحد الزوجين يمنع العشرة الزوجية بينهما وللمرأة أن تتزوج بعد استبراء رحمها ولها أن تنتظر إسلام زوجها فتعود الحياة الزوجية، فقد رد الرسول صلى الله عليه وسلم زينب إلى أبي العاص بعد مدة تجاوزت العدة لما جاء مسلما. وإسلام أحد الزوجين عندهما يوقف الزواج أي يصبح العقد موقوفا يمنع الحياة الزوجية ويوقفها تماما.

فالعقد الموقوف لا ينتج حكمه منذ انعقاده، بل إنه تكون آثاره الخاصة النوعية وسائر نتائجه الحقوقية موقوفة، أي معلقة محجوزة لا تتحقق ولا تسري لوجود مانع يمنع تحققها وسريانها شرعا، فعقد الزواج الموقوف لا يحل المتعة ولا يثبت الحقوق الزوجية حتى يزول ذلك المانع[32]، والمانع في عقد الزواج الموقوف هو كفر أحد الزوجين بعد إسلام الأول منهما.

رأي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:

انصبت أعمال الدورة الثامنة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمنعقدة بمدينة باريس بجمهورية فرنسافي الفترة من: 27 جمادى الآخرة – 2 رجب 1429هـ الموافق لـ 1-5 يوليو 2008م، على معالجة قضيةإسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه، تحقيقا لمداركها الشرعية، وتشخيصا لعناصرها الواقعية، وتكييفا فقهيا لأحداثها، واجتهادا في تنزيل الأحكام اللائقة بها عليها، بما يحقق مقاصد الشريعة، ولا يخل بظواهر الأمر والنهي الواردين في خصوصها، حتى تكون من كل ذلك درس شامل للموضوع، متقص لأركانه، مستوف لعناصره، جامعا بين أبعاده الشرعية والواقعية[33].

وفيما يلي قرار المجلس 3/8 في مسألة إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه:

بعد اطلاع المجلس على البحوث والدراسات المختلفة في توجهاتها والتي تناولتالموضوع بتعميق وتفصيل في دورات ثلاث متتالية واستعراض الآراء الفقهية وأدلتها مع ربطها بقواعد الفقه وأصوله ومقاصد الشرع، ومع مراعاة الظروف الخاصة التي تعيشها المسلمات الجديدات في الغرب حين بقاء أزواجهن على أديانهم، فإن المجلس يؤكد أنه يحرم على المسلمة أن تتزوج ابتداء من غير المسلم، وعلى هذا إجماع الأمة سلفاً وخلفاً، أما إذا كان الزواج قبل إسلامها فقد قرر المجلس في ذلك ما يلي:
أولاً: إذا أسلم الزوجان معا ولم تكن الزوجة ممن يحرم عليه الزواج بها ابتداء (كالمحرمة عليه حرمة مؤبدة بنسب أو رضاع) فهما على نكاحهما .
ثانياً: إذا اسلم الزوج وحده ، ولم يكن بينهما سبب من أسباب التحريم وكانت الزوجة من أهل الكتاب فهما على نكاحهما .
ثالثاً: إذا أسلمت الزوجة وبقى الزوج على دينه فيرى المجلس :
أ- إن كان إسلامها قبل الدخول بها فتجب الفرقة حالاً.
ب- إن كان إسلامها بعد الدخول وأسلم الزوج قبل انقضاء عدتها ،فهما على نكاحهما.

ج-إن كان إسلامها بعد الدخول، وانقضت العدة, فلها أن تنتظر إسلامه ولو طالت المدة ، فإن أسلم فهما على نكاحهما الأول دون حاجة إلى تجديد له.
د- إذا اختارت الزوجة نكاح غير زوجها بعد انقضاء العدة فيلزمها طلب فسخ النكاح عن طريق القضاء.
رابعا: لا يجوز للزوجة عند المذاهب الأربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها، أو تمكينه من نفسها. ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية إذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في إسلامه, وذلك لعدم تنفيرالنساء من الدخول في الإسلام إذا علمن أنهن سيفارقن أزواجهن ويتركن أسرهن, ويستندون في ذلك إلى قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تخيير المرأة في الحيرة التي أسلمت ولم يسلم زوجها: “إن شاءت فارقته وإن شاءت قرت عنده”, وهي رواية ثابتة عن يزيد بن عبد الله الخطمي[34]. كما يستندون إلى رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إذا أسلمت النصرانية امرأة اليهودي أو النصراني كان أحق ببضعها لأن له عهداً, وهي أيضاً رواية ثابتة[35]. وثبت مثل هذا القول عن إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان[36].

والمتأمل في موضوع”إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه”، يجد أنه موضوع قديم، وردت فيه نصوص واضحة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، واختلف حوله الصحابة الكرام ومن بعدهم من العلماء وأئمة المذاهب حتى غلب رأي الجمهور القائل بالتفريق بين المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، وبقي العمل على هذا الرأي حتى اليوم في جميع بلاد المسلمين، وأصبح هو الرأي السائد بين الناس. لكن مع انتشار الدعوة الإسلامية في العالم، بدأت تتزايد أعداد النساء اللواتي يدخلن في الإسلام، بينما يبقى أزواجهن على دينهم. ومع سيادة حقوق الإنسان ومنها حقه في اختيار الدين الذي يشاء، وحماية القوانين السائدة لهذا الحق، أصبح كثير من الأزواج يعتبر أن إسلام زوجته مسألة خاصة بها، ولا يحاول الضغط عليها لتغيير دينها فضلا عن إكراهها على ذلك، مما جعل كثيرا من المسلمات الجديدات تفضل البقاء مع زوجها ولو كان غير مسلم لاعتبارات كثيرة، منها المحافظة على أسرتها وأولادها، وقد تتوقف عن الإسلام عندما تعلم أنه سيفرقها عن زوجها وأولادها.

ولما واجهت هذه القضية المسلمين المقيمين في بلاد الغرب، استمروا لفترة طويلة يعملون برأي الجمهور السائد، لكن الانعكاسات السلبية زادت مما دفع العلماء لإعادة البحث، ولم يكن ذلك بهدف تغيير حكم شرعي ثابت بالنصوص ولا مجال للاجتهاد فيه، وإنما الدافع إليه هو تمحيص لواقع لمعرفة ما إذا كان الحكم الشرعي لا يزال يشمله، رغم الاختلاف الكبير بين طبيعة المجتمعات القديمة التي كان الإكراه فيها ظاهرة عامة سواء من الأنظمة ضد شعوبها، أو من الرجال ضد زوجاتهم، وطبيعة المجتمعات المعاصرة التي تسود فيها الحرية الشخصية بشكل كامل[37].

ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول المسألة، لذلك لم يستطع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن يحسم الأمر بفتوى محددة، فاكتفى بذكر رأي الجمهور السائد، مع الإشارة إلى الرأي الآخر. فجاء قرار المجلس متسما بنوع من التروي، بحيث لم يكن إصدار القرار إلا بعد البحث المتقصي، المزاوج بين المعطيات الشرعية، والمعطيات الواقعية، والشامل للآراء المختلفة، والاجتهادات المتباينة، لذلك نجد أن الأبحاث التي قدمت للمجلس قصد معالجة القضية تقصت أبعادها في شمولها ، واختلفت في وجهات نظرها، وفي نتائج اجتهاداتها، بين مانع لاستمرار الزوجية إذا أسلمت الزوجة وبقي زوجها على دينه، وبين مجيز لذلك بشروط. وبناء على تلك البحوث المتقصية، والآراء المتنوعة، انتهى المجلس إلى قرار الفتوى الذي ارتآه حقا.

 

 

[1] – الإمام أبو بكر الرازي الجصاص، أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ج 3 ص84

[2] – ينظرالحاويالكبيرللماوردي،ج: 9،ص: 258 . وشرحمعانالآثار،لأبيجعفرالطحاويالحنفي )ت 321 ه(،تحقيق: محمدزهرالدينالنجارومحمدجادالحق،عالمالكتب،بيروتلبنان،الطبعةالأولى: 1414 ه/ 1994 م،ج: 3،ص 259.

[3] – ينظر بدائع الصنائع ج:3، ص621. وحاشية رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، ج:4، ص363.

[4] – ينظرشرحمعانالآثارللطحاوي،ج: 3،ص: 259. أحكامالقرآنللجصاص،ج: 3 ص83.

[5] – أحكامالقرآنللجصاص،ج، 3 ص: 81.

[6] – ينظرأحكامالقرآنللجصاص،ج 3،ص84.

[7] – شرحمعانيالآثارللطحاوي،ج 3،ص:260.

[8] – أحكام القرآن للجصاص، مرجع سابق، ج3، ص 439.

[9] – ينظرالمدونةالكبرى،للإماممالكبروايةسحنون،دارالكتبالعلمية،بيروتلبنان،الطبعة: الأولى، 1415 / 1994 م،ج 2،ص: 216.والتمهيدلمافيالموطأمنالمعانيوالأسانيد،لابنعبدالبرألنمري،تحقيق: أحمدسعيدغراب، 1403 ه 1983/ م،ج 12 ،ص25.

[10] – ينظرالمدونة،ج 2،ص 213  ،والمعونةعلىمذهبعالمالمدينة،للقاضيعبدالوهاب )ت 422 هـ(،تحقيق: محمدحسنالشافعي،دارالكتبالعلمية،بيروتلبنان،الطبعةالأولى 1418 / 1998 م،ج 1،ص 540 .

[11] – المدونة،ج 2،ص 215.

[12] – ينظرالمدونة،ج 2،ص213 ،والمعونة،ج 1،ص 540.

[13] – ينظرالمدونة،ج 2،ص215،والمعونة،ج 1،ص 540.

[14] – المدونة،ج 2،ص214 ،والتمهيد،ج 12 ،ص 26 ،والمعونة،ج 1،ص 539 ،والمنتقى،لأبيالوليدالباجي)ت 494 هـ(،مطبعةالسعادة،الطبعةالأولى 1332 ه،ج 3،ص 344.

[15] – التمهيدلابنعبدالبر،ج 12 ،ص26.

[16] – الأم،للشافعي،ج 6،ص 39.

[17] – الأمللشافعيج 6،ص 394 ،الحاويالكبير،للماوردي،ج 9،ص 258.

[18] – الحاويالكبير،ج 9،ص. 258

[19] – المغني،لابنقدامةالمقدسي ) ت 620 هـ(،د. عبدالمحسنالتركود. عبدالفتاحمحمدلحلو،دارعالمالكتب،الرياضالسعودية،الطبعة:الثالثة 1417 هـ 1997 م،ج 10 ،ص 6.

[20]– المغنيلابنقدامة،ج10 ،ص 8.

[21]– الإنصاففيمعرفةالراجحمنالخلافعلىمذهبالإمامأحمد،لعليبنسليمانالمرداوي )ت 885 هـ(،تحقيق: محمدحامدالفقي،الطبعةالأولى 1374 هـ 1955 م،ج 8،ص 214.

[22] – ينظربحثالدكتورالجديعفيالمجلةالعلميةللمجلسالأوروبيللإفتاءوالبحوث،العددالثاني،يناير 2003 م،بعنوان: “إسلامالمرأةوبقاءزوجهاعلىدينه”،ص 152 . بتصرف.

[23] – المحلى، لابن حزم، ج 7، ص 500.

[24]– المحلى، مرجع سابق، ج7، ص 501.

[25] – المحلى، مرجع سابق، ج7، ص 508.

[26]– الفتاوى لابن تيمية، ج32، ص337.

[27]– الفتاوى لابن تيمية، مرجع سابق، ج32، ص 338.

[28] – زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ج5، ص137.

[29] – قال ابن حزم في المحلى، ج7، ً503: إسناده صحيح.

[30] – زاد المعاد لابن القيم، مرجع سابق، ج5، ص139.

[31] – زاد المعاد لابن القيم، مرجع سابق، ج5، ص140.

[32] – المدخل الفقهي العام، لمصطفى أحمد الزرقا، ج1، ص452-453.

[33] – هناك الكثير من الأبحاث التي ناقشت هذه القضية، والتي قدمت للمجلس في الدورة الثامنة:

الدكتور محمد عبد القدر أبو فارس، “أثر إسلام أحد الزوجين في النكاح”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، “إسلام المرأة دون زوجها هل يفرق بينهما؟”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، “إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

الشيخ نهات عبد القدوس، ” إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

الشيخ فيصل مولوي، ” إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

الدكتور عبد الله الزبير عبد الرحمن صالح، “حكم بقاء من أسلمت مع زوجها الذي لم يسلم، في ضوء الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والعلماء”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني.

[34] – أخرجها عبدالرزاق الصنعاني في “المصنف”، 6ج، ص84، بإسناد صحيح فيما قاله ابن حزم في “المحلى” ، 7ج، ص313، وابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” ج9، ص421.

[35]– أخرجها ابن أبي شيبة في “المصنف” ج5، ص91 وإسناده صحيح.

[36] – هو عند ابن أبي شيبة في “المصنف” ج5، ص92 عن النخعي والشعبي. وذكره ابن حزم في “المحلى” ج، 7ص313.

[37] – المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للافتاء والبحوث، العدد الثاني، ص10-11.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page