حصريا

اتفاقية (سيداو) في تحقيق أهداف الرأسمالية، وخدمة قيم الليبرالية – د.يوسف خبزاوي -الجزائر-

0 28

اتفاقية (سيداو) في تحقيق أهداف الرأسمالية، وخدمة قيم الليبرالية

الحمد لله القائل في كتابه الحكيم: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾، والصلاة والسلام على نبيّه الأمين المبعوث رحمة للعالمين القائل: «إِنَّ النِّسَاءَ ‌شَقَائِقُ الرِّجَالِ».

أمّا بعد، فإنّ الأمّة الإسلامية تعيش في هذه العقود الأخيرة تحدٍّ كبير بعد صعود الإمبريالية الغربية الجديدة التي تستخدم المؤسسات الاقتصادية الدولية في فرض الاستعمار الجديد وتقنينه، وتستخدم منظمة الأمم المتّحدة في فرض القيم الغربية وتقنينها، قناعة منها أنّه لا يمكن بسط النموذج الاقتصادي على أمّة من الأمم، أو شعبٍ من الشعوب إلا من خلال تغيير قِيَمِهِ. ولعلّ من أخطر أدوات هذا المشروع الغربي الإمبريالي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).

ولا شكّ أنّ المستهدف الأوّل هي الأمّة الإسلامية عمومًا والأمّة العربية خصوصًا، إيمانًا منهم أنّ سيطرة الحضارة أو التقدّم الغربي مرهون بإسقاط أو إضعاف الحضارة الإسلامية، منطلقين في ذلك من الفكرة السائدة في أدبيات المجتمع الغربي، وهي فكرة “صراع الحضارات”.

وانطلاقًا من شعور المسلم بمخاطر هذه الاتفاقية، وأداءً لواجب النصح لعموم المسلمين، جاءت هذه الورقة البحثية لتسليط الضوء على هذه الاتفاقية وكيف سعت في تحقيق أهداف الرأسمالية المتوحّشة، وساهمت في خدمة قيم الليبرالية.

سيداو (SEDAW): اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي معاهدة دولية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، وصُدّقت في 3 سبتمبر من عام 1981. وقّعت عليها كلّ الدول الأعضاء في مجلس الأمم المتحدة ما عدا ستّ دول لم تنضمّ لهذه الاتفاقية، وهم: إيران، والصومال، والسودان، وتونغا، وبالاو، والولايات المتحدة. هاتان الأخيرتان وقّعتا عليها لكن لم تفعّلاها، أي لم تصادقا عليها.

وضعت موادها الثلاثون وفق معيار قائم على الفكر الغربي الحداثي. لم تشارك الدول الإسلامية في صياغتها، ولكن مطلوب منها الموافقة عليها. ويُقضى الأمر حين تغيب تَيْم … ولا يُستأذنون وهو شهود.

وهذا يدعونا إلى مناقشة كونها اتفاقية، والحال عدم مراعاة الفروق الحضارية وعدم مراعاة أوضاع المرأة ومشكلاتها وأنّها تختلف من بيئة إلى بيئة ومن نظام إلى نظام ومن دولة إلى دولة. وهذه إحدى إشكالاتها، بالإضافة إلى كونها ألغت كلّ تمييز وظيفي دون اعتبار التميّز الخلقي الفطري، وهذا من أعظم الظلم.

يقول محمد الغزالي: «إنّ الذين ينادون بالمساواة التامة على أساس علماني هم أنفسهم يطالبون بعدم المساواة في بعض الأمور بسبب وضع المرأة الطبيعي الخاص فيعفونها من العمل في المناطق النائية والأوقات المتأخّرة ومن الأعمال العنيفة في فترة الحمل». (قضايا المرأة المسلمة).

ومن إشكالات اتّفاقية (سيداو) أنّها قدّمت حقوقًا للمرأة دون أن تلزمها بواجبات. والبديهي أنّه لا يمكن تصوّر حقوق دون واجبات، والفلاسفة الأوروبيون -وإن اختلفوا في أسبقية أحدهما على الآخر- لم يختلفوا في التلازم الموجود بينهما.

وعند فحص بنود هذه الاتفاقية يدرك الباحث بسهولة ويُسر أنّها وضعت لفرض النمط الغربي على دول العالم عمومًا، والدول العربية والإسلامية خصوصًا، وتجريدها من خصائصها الدينية والحضارية في جميع مجالات الحياة. والذي يعنينا في هذه الورقة البحثية الجانب الاقتصادي الذي هيمن عليه النظام الرأسمالي، والجانب الاجتماعي الذي هيمن عليه الفكر الليبرالي؛ وكيف ساهمت (سيداو) في تحقيق أهداف الرأسمالية، وخدمة قيم الليبرالية بعد أن أدركت الرأسمالية والليبرالية أنّ العائق أمامهما هي قوانين وأعراف الدوّل.

المطلب الأوّل: مساهمة (سيداو) في تحقيق أهداف الرأسمالية.

  1. الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على الملكية الفردية، واقتصاد السوق، والتجارة الحرّة، وقد يُضاف لها المقاولات. هذه المنظومة أفرزت شركات ومؤسسات كبرى متعدّدة الجنسيات تحدّد مسار العالم، وتتحكّم في سياسات الدول. وهنا تأتي اتّفاقية (سيداو) كأداة قانونية تستطيع من خلالها الرأسمالية بسط نفوذها وفرض منطقها على الدول، وذلك من خلال المادة (02) التي تنصّ صراحة في الفقرة (و) باتّخاذ جميع التدابير المناسبة بما في ذلك التشريع لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكّل تمييزًا ضدّ المرأة. مع أنّ هذه المادة تتناقض وتصادم ميثاق الأمم المتحدة الذي نصّ في المادة (02) من الفقرة 01 على «مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول».
  2. اشتهر مالتوس بنظريته المعروفة بـ”المالتوسية” نسبة إليه (1766-1834)، والتي حاولت تفسير ظاهرة تنامي الفقرومشكلاته في العالم بتزايد أعداد السكان ونموها بمعدلات تفوق معدلات نمو المحاصيل الزراعية، مما سيؤدي الى اختلال التوازن.

ومن بين القيود الأخلاقية التي يرى مالتوس أنها قد تعين على الحدّ من الولادات، الاستعفاف قبل الزواج وتأخير سنه بالإضافة إلى اقتراحه حلولا أخرى. كما يرى أن من مسؤولية كل أسرة ألا يتجاوز نصيبها من الأطفال القدر الذي ترى يقينا أن باستطاعتها أن تعوله.

وبعدما أجمعت المدارس الاقتصادية على سقوط هذه النظرية إلا أنّ النظام الدولي يريد إعادة بعثها وإنتاجها، ولن يجد أفضل من (سيداو) لتحقيق القيود الأخلاقية المعينة على الحدّ من الولادات. جاء في المادة (15-ف1): «(هـ) نفس الحقوق في أن تقرّر بحرية وبشعور من المسؤولية عدد أطفالها والفترة بين إنجاب طفل وآخر…وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية بما فيها التشريع لتحديد سنّ أدنى للزواج».

  1. يهدف النظام الاقتصادي إلى زيادة الأرباح قدر الإمكان، والذي لا يمكن تحقيقه إلا بزيادة الإنتاج وزيادة الاستهلاك، وزيادة الإنتاج لا تكون إلا بالزيادة في اليد العاملة، هذه الأخيرة تستوجب تشجيع المرأة على العمل، ولو كان شاقًّا عليها لا يناسب طبيعتها واستعداداتها البدنية والنفسية والفطرية. وهذا ما نصّت عليه (سيداو) في المادة (10-ف1): «تتخذ الدول الأطراف جميع ما يقتضي الحال اتخاذه من تدابير للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها على أساس تساوي الرجل والمرأة نفس الحقوق، لا سيما:

(أ) الحق في العمل بوصفه حقًّا غير قابل للتصرف لكل البشر،

(ب) الحق بالتمتع بنفس فرص التوظيف بما في ذلك تطبيق معايير الاختيار نفسها في شؤون التوظيف،

(ج) الحق في حرية اختيار المهنة والعمل…».

  1. في إطار الثورة الصناعية في بدايتها، ومع قلّة الإطارات المؤهّلة وضعت الرأسمالية وصمّمت شكل المدرسة الأكاديمية بأطوارها الثلاثة، ثمّ الجامعة والدراسات العليا، وحدّدت ساعات الدراسة التي تتطابق مع ساعات العمل في المصنع، مع التركيز على المواد التقنية واستبعاد منظومة القيم والأخلاق؛ لأنّ الرأسمالية غير معنية بالأخلاق. كلّ هذا لإنتاج مواطن صالح قادرٍ على المساهمة في تحقيق أهداف الرأسمالية. وهذا ما نجده في المادة (10-أ): «نفس الظروف للتوجيه الوظيفي والمهني، وللوصول إلى الدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية من جميع الفئات في المناطق الريفية والحضرية على السواء، وتكون هذه المساواة مكفولة في المرحلة السابقة للالتحاق بالمدرسة وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم التقني العالي، وكذلك في جميع أنواع التدريب المهني». وفي الفقرة (ج) من نفس المادة: «القضاء على أيّ مفهوم نمطي عن دور الرجل ودور المرأة على جميع مستويات التعليم وفي جميع أشكاله عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولا سيما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية وتكييف أساليب التعليم».

وأنت تقرأ هاذين الاقتباسين لا تخطأ عينك حجم حرص (سيداو) على أن يكون الهدف والغاية من التعليم هو التأهيل الوظيفي والمهني، يستوي في ذلك الرّجل والمرأة، مع حرصها على إفراغ المنظومة التعليمية من كلّ القيم والأخلاق، عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية وتكييف أساليب التعليم.

وإن تعجب فاعجب من تنصيص (سيداو) على أن يكون التعليم مختلطًا. وهل في تدريس الإناث بعيدًا عن الذكور أثرٌ على مستوى التحصيل؟؟!! بل العكس هو الصحيح، وهو ما تتجّه إليه بعض المدارس الغربية في بريطانيا وغيرها، ولكن القوم يريدون إفساد المجتمع لا تعليمه.

  1. إخراج المرأة إلى سوق العمل بهذا الشكل المتفلّت، وجعل عمل المرأة خارج البيت هو الأصل، ومكثها في بيتها عارضٌ، لا ينجح في نظر الرأسمالية إلا بإزالة الحواجز، وتخفّف المرأة من مسؤوليتها الأسرية والتزاماتها العائلية، بل ربّما بانسحابها الكامل من الحياة الأسرية. هذا التخفّف أو الانسحاب عملت لأجله (سيداو) من خلال:

أ/ تأخيره فكرة الزواج، جاء في المادة (15-ف1): «(هـ) وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية بما فيها التشريع لتحديد سنّ أدنى للزواج».

ب/ تحديد النسل وتنظيمه، أو منعه، جاء في نفس المادة: «نفس الحقوق في أن تقرّر بحرية وبشعور من المسؤولية عدد أطفالها والفترة بين إنجاب طفل وآخر».

يقول المؤرّخ الأمريكي جون ديمليو: «تبدّل أيضًا مفهوم العلاقات الغيريّة، ففي (نيو إنجلاند) إبّان الاستعمار، كان معدّل المواليد يتجاوز سبعة أطفال لكلّ امرأة في سنّ الإنجاب، يحتاج الرجال والنساء إلى الأطفال للعمل، فكان إنجاب الأطفال ضروريًا لاستمرار الحياة بقدرِ أهميّة إنتاج الحبوب، وكان الجنْس مُسخّرًا للتَنَاسُل، لم يَحْتَفِ البيوريتانيون بالغيريّة الجنسيّة بل بالزواج، فقد أدانوا كل تصرفٍ جنسي يقع خارج إطار الزواج، ولم يفرقوا كثيرًا بين اللِّواط والزنا.    أمّا في السبعينيّات، فقد هبط معدل المواليد إلى أقل من اثنين، باستثناء طفرة المواليد التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واستمر الانخفاض على مدارِ قرنين بالتزامن مع انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية، والذي حدث على الرغم من التقييد المُمَنْهَجِ دون الوصول إلى وسائل منع الحمل والإجهاض، وقد شمل جميع شرائح المجتمع، من الأسر الحضرية والقروية، والسود والبيض، والبروتستانتيين الأنجلو-ساكسونيين البِيض (WASPS) والمجموعات الإثنية الأخرى، والطبقة الوسطى والطبقة العاملة. وبما أن انتشر العمل لقاء الأجر وأصبح الإنتاجُ اجتماعيَّ الطابع، أمْكَن إعفاءُ الجنس من إلزاميّة التناسل، وغَدَا التعبير عن الجنس الغيريّ من الناحية الإيديولوجية وسيلةً لتوطيد الألفة، وتحصيل السعادة، والشعور بالمتعة. خلقت الرأسماليّةُ بسلب الأسرة استقلالها الاقتصادي ورعاية فصل الجنس عن الإنجاب الظروفَ التي هيّئت لبعض الرجال والنساء تنظيمَ حياةٍ شخصيّة تدور حول ميولِهم الجنسيّة والعاطفية تجاه ذات الجنس، كما مكّنت من تشكيل مجتمعاتٍ حضرية من المثليين والمثليّات، بالإضافة إلى سياسةٍ تقوم على الهويّة الجنسيّة في الآونة الأخيرة».

ج/ جعل الأمومة وظيفة اجتماعية، فلا تختصّ المرأة بتربية أبنائها ورعايتهم، بل للمجتمع أن ينوب عنها في ذلك، وللأب أن يشاركها في رعاية الأبناء حتى تتفرّغ للعمل خارج البيت. وفي سبيل تحقيق ذلك، دعت (سيداو) في المادة(5-ب): «كفالة أن تتضمّن التربية الأسرية تفهّمًا سليمًا للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة لكلٍّ من الرِّجال والنساء في تنشئة أطفالهم وتطوّرهم».

د/ وهنا تنتكس اتّفاقية (سيداو) وتتناقض مع نفسها، فبعد أن ألغت كلّ الفروق الخَلقية والفطرية بين المرأة والرّجل كمحدّد لحقوق المرأة -وهو صلب موضوع (سيداو)- عادت لتأكّد على أنّ للمرأة خصوصيات ليست عند الرّجل يجب أخذها بعين الاعتبار، وهو ما أشارت إليه في المادة (11-ف2): «توخيًّا لمنع التمييز ضدّ المرأة بسبب الزواج أو الأمومة، ولضمان حقّها الفعلي في العمل، تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة:

(أ) لحظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية، مع فرض جزاءات على المخالفين، (ب) إدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر، أو التمتّع بمزايا اجتماعية مماثلة دون أن تفقد المرأة الوظيفة التي تشغلها أو أقدميتها، أو العلاوات الاجتماعية…، (د) لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي يثبت أنّها مؤدية لها.

هـ/ اعتبار المرأة الماكثة في بيتها امرأةً عاطلة عن العمل؛ لأنّ الرأسمالية لا تؤمن بعمل لا يُدِرُّ عليها من أموال الضرائب، فهي لا تشجّع المرأة العاملة في بيتها، وتعتبر ذلك نمط اجتماعي رجعي ومتخلّف. جاء في المادة (5-أ): «تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيّزات والعادات العرفية وكلّ الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوّق أحد الجنسين، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة».

يقول المؤرّخ الأمريكي (جون ديمليو): «أسّس المستعمِر الأبيض في (نيو إنجلاند) في القرن السابع عشر قرىً مَبنيةً على الاقتصاد المنزلي، تتركب من وحدات أسرية تتمتع أساسًا بالاكتفاء الذاتي والاستقلال، وتتبع نظامًا أبويًا، حيث يعمل الرجال والنساء والأبناء في أرضٍ يملكها رئيس المنزلِ الذَّكَر، وعلى الرغم من تقسيم العمل بين الرجال والنساء، كانت الأسرة وحدة إنتاجٍ تكافُلية، فبقاء كلّ عضوٍ يعتمد على تعاون الجميع. كان المنزل مَقرًّا للعمل حيث تقوم النساء بمعالجة المحاصيل الزراعية النيئة، وتحويلها إلى طعامٍ للاستهلاك اليومي، ويَحِكْن الملابس، ويصنعن الصابون والشموع، وحيث يعملُ الأزواج والزوجات والأولاد معًا لصناعة المنتجات التي يستهلكونها. ومع القرن التاسع عشر، بدأ نظام الإنتاج المنزلي هذا يتقلّص. استثمر أصحابُ رؤوس الأموال من التجّار في الجزء الشمال الشرقي أموالَ تجارتهم في إنتاج المنتجات، وشاع العملُ مقابل الأجر، جُذِبَ الرجالُ والنساء من اقتصادٍ منزلي مكتفٍ بذاته إلى حدٍ بعيد نحوَ نظامٍ رأسماليّ يعتمد على العمالة الحرة، قلّما تستمر نساء القرن التاسع عشر في العمل المأجور بعد الزواج، والذي قد استحال وضعًا دائمًا للرجال».

وقال (ديمليو) أيضًا: «أدّى توسّع رأس المال وانتشار العمل لقاء الأجور إلى تحولٍ عميقٍ في بِنْية الأسرة النواة ووظيفتها، وإيديولوجيا الحياة الأسرية، ومعنى العلاقات الغيريّة».

ويقول عبد الوهاب المسيري: «ولكن الحضارة الغربية دخلت عليها تطوّرات غيّرت من توجّهها وبِنيتها، إذ تصاعدت معدّلات الترشيد المادي للمجتمع، أي إعادة صياغته وصياغة الإنسان ذاته في ضوء معايير المنفعة المادية والجدوى الاقتصادية…الأمر الذي أدّى إلى تزايد القيم البرانية المادية مثل الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة. الاهتمام بدور المرأة العاملة مع إهمال دور المرأة الأم. الاهتمام بالإنتاجية على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية الأساسية مثل تماسك الأسرة وضرورة توفير الطمأنينة للأطفال…وقد بلغ الترشيد في الإطار المادي درجة عالية من الشمول وتغلغل في كلّ جوانب الحياة العامة والخاصة حت أصبح العمل الإنساني هو العمل الذي يقوم به المرء نظير أجر نقدي محسوب خاضع لقوانين العرض والطلب…وهذا التعريف يستبعد بطبيعة الحال الأمومة وتنشئة الأطفال وغيرها من الأعمال المنزلية».

المطلب الثاني: مساهمة (سيداو) في خدمة أفكار الليبرالية.

يقول الأستاذ الطيّب بوعزة في كتابه نقد الليبرالية: «الليبرالية هي الأساس الفكري للرأسمالية، أو هي فلسفة رأسمالية».

من خلال هذا الاقتباس، وممّا سبق بيانه في كيفية مساهمة (سيداو) في تحقيق أهداف الرأسمالية، لا يحتاج الباحث إلى كثير أدلة لتجلية مدى خدمة (سيداو) لأفكار الليبرالية، بل يكفي في هذا المقام بيان وتوضيح العلاقة الوطيدة بين الليبرالية والرأسمالية فقط، فالليبرالية بوصفها مذهبًا يطلق الفردانية من أيّ ضابط قيمي غير ضابط المنفعة المحدّدة كميًّا. وهذا ما تحتاجه الرأسمالية.

وفي رصد للتطور التاريخي لمفهوم الحرية في المجتمع الغربي يخلص الأستاذ الطيب بوعزة إلى أنّ الليبرالية دعوةٌ إلى حرية الفرد بوصفه مالكًا اقتصاديًا لأدوات الإنتاج، وبالتالي فالليبرالية تنتهي إلى التأسيس لاستبداد رأس المال، وينتهي الأمر مع النيوليبرالية إلى النظر إلى الفرد ليس بوصفه مالكًا يبيع ويشتري، بل بوصفه شيئًا مُباعًا.

انتهى (جيريمي بنتام) إلى أنّ المبدأ الأخلاقي الوحيد لليبرالية هو مبدأ المنفعة، وأكّد على دور الدولة في ضمان النفع لأكبر عدد من الأفراد. ووفق هذا المنظور ذهب (بنتام) إلى التأسيس (لعلم حساب اللذة والآلام) كمعيار لقياس السلوك الأخلاقي والعملي قياسًا كميًّا، وقسّم اللذة إلى قسمين: متجانسة وغير متجانسة، وجعل قياس الأولى كميًّا وفق سبع محدّدات:

  1. المدّة: اللذة المستمرة أو الممتدة زمنيًا أفضل من اللذة العابرة.
  2. الشدّة: اللذة القويّة أفضل من الضعيفة.
  3. التيقّن من الإنجاز: اللذة المؤكّد حصولها أفضل من المشكوك في تحصيلها.
  4. القرب: اللذة العاجلة أفضل من الآجلة.
  5. الخصب: تقديم اللذة التي تثمر لذّات أخرى.
  6. الصفاء: اللذة الخالصة أفضل من المشوبة بألم.
  7. الامتداد: قياس مدى تعدّي اللذة من الفرد إلى أفراد آخرين.

يقول في مقال له منشور «يمكن أن يؤدي زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة إلى إضافة مئات المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد العالمي، وتريليونات الدولارات إلى أسواق الأسهم. في الولايات المتحدة، يمكن أن تؤدي الزيادة المتواضعة في عدد النساء في القوى العاملة إلى إضافة 511 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات العشر المقبلة. ومن الممكن تحقيق زيادات مماثلة في معظم الاقتصادات المتقدمة.

ويمكن أن يترجم النمو الإضافي المتوقع من زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة إلى تريليونات الدولارات من القيمة الإضافية لسوق الأسهم. على سبيل المثال، يمكن أن تساهم الولايات المتحدة بمبلغ إضافي قدره 4.5 تريليون دولار في القيمة السوقية على مدى العقد المقبل….».

الخاتمة: وفي خاتمة هذه الورقة نخلص إلى ما يلي:

  1. الرأسمالية نظام اقتصادي يسعى إلى زيادة الأرباح من خلال زيادة الإنتاج. هذا الأخير لا يكون إلا بمضاعفة اليد العاملة، هذه المضاعفة لا يمكن تحقيقها مع بقاء المرأة في بيتها، ولا سبيل إلى إخراج المرأة من بيتها إلا بتفكيك الأسرة. يقول علي غزت بيقوفيتش: «الأسرة والرأسمالية كيانان متنافران».

فالرأسمالية -إذًا- تريد أن تقلب الأسرة إلى وحدات اجتماعية تخدم أهدافها وتوفّر لها الأيادي العاملة لاستمرار عجلتها، لكنها -وبصورة موازية- لا تصنع ذلك بالقهر المادي دون اعتمادها على القهر المعنوي من خلال تبديل الرؤى والتصورات حول العمل المادي، وتحويله إلى قيمةٍ في حدِّ ذاته، وهدفٍ محوريٍّ من وجود الإنسان مهما تأخرت راحة المرء النفسية وتأثرت أدواره الاجتماعية والأسرية. ولا يمكن وصول الرأسمالية إلى هذا الذي تصبو إليه إلا بأداتين:

  1. الأولى: منظومة فكرية يتمّ من خلالها اختراق المجتمعات قصد زعزعة، وربّما تحييد القيم الأخلاقية من جميع مجالات الحياة. هذه المنظومة هي الفكر الليبرالي الذي رسّخ مبدأً أخلاقيا واحدًا هو مبدأ المنفعة الذي يعتبر وقود الرأسمالية، والتي دعت إلى حرية واحدة هي حرية الفرد بوصفه مالكًا اقتصاديًا لأدوات الإنتاج.
  2. الثانية: منظومة قانونية تُفرض على الدول تخترق الدساتير والقوانين فتغيّر فيها ما يخدم الأفكار الليبرالية، هذه الأخيرة تخدم بدورها أهداف الرأسمالية. هذه المنظومة القانونية هب اتّفاقية (سيداو).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page