بقلم الدكتور:يونس ريحان
مقدمة:
بسم الله الرحمان الرحيم ؛الحمد لله ..والصلاة والسلام على رسول الله ..وبعد فإن مما لايخفى على ذي بصيرة وعقل ماللأسرة من مكانة في الإسلام .ذلك أنه اعتبرها النواة الأولى الوجود الإنساني،والمتأمل فيما اولاه الإسلام الأسرة من اهتمام يدرك بادنى التفات حين يطلع على مدونات الفقه الإسلامي التي عملت على صيانة هذه الأسرة من خلال تشريع مايصلحها ويدرا عنها الفساد فنجد نظام الإرث والحضانة وفقه الطلاق .كل ذلك لأجل صيانة هذه المؤسسة لأنها لها في الإسلام مسؤولية عظيمة فقد جعلها الإسلام المحضن الاول لأبنائنا ، جعل صلاح المجتمع من صلاحها ولها هذه الهجمة على الأسرة تعكس أهميتها في نشر القيم والأخلاق ،ولذلك تشتد الحاجة اليوم لحماية هذه الأسرة التي تعاني من تحديات وجودية مرتبطة بقيمها الاخلاقية والاجتماعية ،ولعلي أحاول من خلال هذا المقال أن ابين شيئا من ملامح الإصلاح الأسري في الشريعة الإسلامية.
مفهوم الأسرة:
الأسرة في اللغة:
عشيرة الرجل ورهطه الأدنون ،لأنه بهم يتقوى
وهي من الأسرة:الدرع المتين
واصل الكلمة من الأسرة:وهو الإحكام والقوة¹
وأما في الإصطلاح :هي الوحدة الاولى المجتمع وأولى مؤسساته ،التي تكون العلاقات فيها في الغالب مباشرة ،ويتم داخلها تنشئة الفرد اجتماعيا²
ولها المعنى الإصطلاحي يتقوى بالمناسبة اللغوية لما يجب ان تكون عليه الأسرة من تماسك وقوة
¹لسان العرب :ج4 ص19 دار صادر-بيروت
²نظام الأسرة في الإسلام:عقلة محمد ج1 ص18 مكتبة الرسائل الحديثة
الإسلام و الأسرة:
منذ سطعت شمس الإسلام على دنيا الحياة وجهت التعاليم الإسلامية الأسرة لمافيه سعادتها دنيا وٱخرة وابتدأت بإصلاح حال المرأة فأعطتها حقوقها التي أهدرتها الجاهلية ،وبعض القبائل التي كانت تظلم المرأة إذ لم تكن للمرأة مكانة تذكر قبل الإسلام بل كانوا يعتبرون البنات مجلبة للذلة والعار فأبطل الإسلام هذه العادات وخاطبهم بنقيض مقصودهم فجعل ميلاد البنت بركة وبشارة على أهل البيت قال سبحانه و تعالى مبينا حالهم :
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء مابشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء مايحكمون)¹
ولقد جاء الإسلام فأعطى للمراة حقها في الحياة وجعل العدوان عليها عدوانا على نفس بغير حق ، فحرّم وأدها او قتلها ،كما حرم امتهان كرامتها وجعلها إنسانا فاعلا في المجتمع لها كرامتها ولها اهميتها ورسالتها في الحياة .
واعطى الإسلام المراة حقها في الحياة،وحقها في الميراث وفي المهر وفي النفقة وفي المسكن والإطعام واعطاها سائر الحقوق كحق التملك ،والبيع والشراء بضوابط شرعية تحفظ كرامتها وعفافها دون امتهان او شطط²
وقد فصّلت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام حقوق المراة وواجباتها حيث قال صلى الله عليه و سلم:( ألا إن لكم على نساءكم حقا ،ولنساءكم عليكم حقا ،فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون،ولا يأذنّ في ببوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم ان تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)³
¹ سورة النحل 58_59
²الأسرة في الإسلام: أحمد عمر هاشم ص08 09
³ رواه الترمذي وابن ماجه
لقد جاء الإسلام ليدفع الظلم عن الأسرة بكل انواعه لأنه لايمكن استقامة الحياة الاسرية باهدافها التي اسس الإسلام لها مع وجود هذا الخلل والإجحاف في التعامل مع مكوناتها وخاطب الرجال من منطلق إيمانهم الذي يوجب عليهم العدل والطاعة لله ورسوله ولو على حساب العادات الموروثة وكان مما نزل من القرٱن قوله تعالى:( وإذا طلقتم النساء فبلغن اجلهن فلا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)¹
فنهى الله تعالى عن ظلم المرأة والتسلط وأثبت لها حقها في الرضا ووجه وليها باحترام رأيها فيما يتصل بحياتها الزوجية وذكر في سبب نزول الٱية أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها ،فتركها حتى انقضت عدتها ،فخطبها فأبى معقل فنزلت فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرا عليه فترك الحمية واستقاد لأمر الله تعالى²
ولقد امتدت عناية الإسلام بالأسرة إلى ماقبل تأسيسها حيث جعل اساس الإختيار بين الزوجين يكون على أساس الدين فقال للزوجة 🙁 إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ،إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)³
وقال للزوج:( فاظفر بذات الدين تربت يداك)⁴
في إشارة لمكانة ذات الدين
وهذه التوجيهات في تكوين الأسرة لأجل أن يكون هذا الزواج ٱية من ٱيات الله الدالة على عظمته وكبريائه قال سبحانه:( ومن ٱياته ان خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها ،وجعل بينكم مودة ورحمة ،إن في ذلك لٱيات لقوم يتفكرون)⁵
هذا الإهتمام الذي امتد إلى الأطفال باعتبارهم من مكونات هذه الأسرة فكان هذا الاهتمام من منطلق المسؤولية والأمانة وهي فلسفة الإسلام التشريعية التي تجعل من العمل الإصلاحي عبادة ،فنجد الخطاب الإلهي:( ياأيها الذين ٱمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)⁶
¹سورة البقرة
رواه البخاري برقم 4529كتاب تفسير القرٱن وكتاب النكاح²
وقد كانت سنة النبي صلى الله عليه و سلم بمثابة التطبيق العملي لأوامر القرٱن بالإحسان للأبناء وتربيتهم تربية توازن بين مطالب الروح والجسد
التحديات الوجودية للأسرة:
لابد قبل الحديث عن التحديات التي تواجه الاسرة المسلمة ألا نغفل الفاعل الرئيسي في هذه المنظومة وهو :الإنسان
فالإنسان في فكره وسلوكه وهو الذي احدث هذا التغير الاسري فمع تعالي قيم العلمانية الغربية تأثر هذا الإنسان ببروز مايسمى بالفردية المطلقة ،بمعنى انه لاتوجد اي قوة خارج إرادة هذا الفرد تستطيع ان تملي عليه كيف يفكر وكيف يسلك الطريق ،وبالتالي لايستطيع الدين ان يملي على هذا الفرد كيف يعيش وكيف ينظم علاقاته وامام هذه الفردية تولد مايسمى تعظيم المنفعة الفردية المطلقة التي اصبحت القيمة المحركة لتفكير الإنسان ،وبدأت القيم الإجتماعية و الأخلاقية تختفي لتعوضها القيم الفردانية ولتعوض الاسرة بأشكال من العلاقات التي تجسد تحرر الفرد من سلطة الأديان مما ادى إلى ظهور أشكال أخرى من العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج واصبح لها قانون خاص ينظمها ويحميها ثم ظهرت العلاقات المثلية التي بدأت في العالم الغربي وبعض دول العالم الإسلامي وقد يتساءل البعض عن مدى قابلية العالم الإسلامي لهذه الدعوات والجواب ان العالم الإسلامي أصبح شبه مهيأ لمثل هذه الممارسات بسبب مايفرض عليه من ثقافة المستعمر والقوى الإقتصادية وكل ذلك يمرر باسم التنمية المستدامة ومحاربة الرجعية غير ان هذه التحديات تصطدم ببنية قوية اسسها الإسلام.
خصائص البنية الأسرية:
✓الميثاق الغليظ:وذلك من خلال استعمال القرٱن لهذا اللفظ الذي يجعل من الزواج الطريق الشرعي لبناء الاسرة وإنجاب الذرية وتحصين النفس ولايشكل الزواج عقدا اجتماعيا فحسب بل و تتحقق من خلاله المصالح العمرانية والمصالح الدينية و الدنيوية والروحية، فهو طريق إلى صيانة المجتمع وتطهيره من الرذائل .
لذلك وصفه القرٱن بالميثاق قال تعالى:(وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ،وأخذن منكم ميثاقا غليظا)¹
فكلمة ميثاق تدل على الرباط القائم والمؤكد والغليظ في اللسان العربي هو المشدد والمؤكد
قال مجاهد: الميثاق كلمة الله التي استحللتم بها فروجهن ²
وقال الزمخشري:
الميثاق الغليظ:حق المحبة والمضاجعة ووصفه بالغليظ لقوته وعظمته³
من انفسكم أزواجا:✓
امتنان الله على الإنسان ان خلق له من نفس جنسه من يكون معه أسرة وهو محض إنعام ليتحقق السكن لأن الإنسان لا يمكن ان يسكن إلا لمن كان من جنسه ثم جعل المودة والرحمة لتكون العشرة على وجه الدوام ،وحتى لايستوحش احدهما لعوارض البشرية من استعلاء وغضب وكره وهذه الزوجية تكون مقدمة لإيجاد الأنس والاستقرار مع نفس الجنس والنوع فلايحدث الجفاء.
النساء21 ¹
صحيح مسلم ج4 ص39² الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل :ج1 ص523³
العلاقة الوالدية:نبه القرٱن الكريم على حقوق الوالدين باعتبارهما أساس البنية الأسرية فجاء الأمر بالإحسان إليهما في كثير من الٱيات كما في سورة البقرة ،أعلمنا الله أنه اخذ العهد على بني إسرائيل لعبادته والإحسان إلى الوالدين قال تعالى:
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لاتعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا)¹ )
وقال سبحانه:
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئت وبالوالدين إحسانا)²)
لقد رسم لنا الدين الاسلامي منهج معاملة الوالدين بالقول اللين وخفض الجناح والترفع عما يؤذيهما، كما بين حدود الطاعة لهما حتى لو كانا غير مسلمين ،فيبقى لهما حق المصاحبة بالمعروف وهذا الاهتمام مبناه على المنهج الرباني الذي جاء ليحرر الإنسان من الفردانية التي يمكن ان تسيطر عليه ليرتقي لمرتبة الاستخلاف في الأرض.
البقرة¹
النساء²
الخاتمة:
إن اهم ماتحتاجه الأسرة اليوم أن نعيد لها وظيفتها المسلوبة وأن تكون الفاعل الرئيسي في توجيه ابنائنا وبناتنا ،هذه الوظيفة التي تفرض علينا مراجعة مايعوق هذه الأسرة عن تحقيق اهدافها كتعالي قيم الفردانية وجعل الأمومة وظيفة رجعية وهو ماانتشر نتيجة الاستيلاب الثقافي الذي تعاني منه الشعوب العربية والاسلامية واول ماينبغي هو الرجوع إلى الوحيين باعتبارهما رسما المنهج الذي لابد أن تسير عليه الأسرة