حصريا

الرحم في الإسلام “آلام من الواقع”-د. زبيدة الطيب-الجزائر-

0 1٬196

صلة الرحم: آلام من الواقع

 

مقدمة

صلة الرحم في الإسلام من أوكد الواجبات الدينية والاجتماعية، ويندر أن نجد من المسلمين من يجهل النصوص أو بعضها؛ الواردة في وجوب صلة الأرحام وعاقبة قاطع الرحم، سواء في الدنيا أو الآخرة. أو يجهل الأسباب التي تربض خلف قطع الرحم، والتي يجمع الكثير على أنها لا تخرج عن أمراض قلبية؛ تتمثل في الأحقاد والكراهية والحسد والغيرة وغيرها…

وعليه فإن المقال يتقصد معالجة هذه المسألة؛ بوصفها أحد أبرز أسباب قطع الرحم، من خلال محاولة فهم كيفية تشكلها وتطورها لتصير مرضا مسببا لقطع الرحم، ومن ثمة محاولة البحث فيما نعتبره علاجا؛ يعتمد، أساسا، على تفعيل العقيدة والمرافقة النفسية في آن؛ بغرض بيان الأدوار النفسية والاجتماعية لصلة الرحم، وفي الوقت نفسه إظهار صور وأشكال قطعها الشائعة في المجتمع، وانعكاس كل ذلك على الجوانب النفسية للأفراد والتماسك الاجتماعي والبنية القيمية للأسرة والمجتمع برمته.

أولا-أمراض القلوب وقطع الأرحام:

خلق الله عز وجل الإنسان على الفطرة النقية الصافية من كل شوائب الشر ولواحقه من الغيرة والحسد والكراهية والحقد والحسد وغيرها…قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ الروم/30] فالدين الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم باتباعه والالتزام به؛ هو الإسلام بعقيدته الصافية النقية وشريعته السمحة وقيمه الراقية. فقد شرع تعالى هذا الدين موافقا لخلقة الإنسان؛ فكان الدين الإسلامي وطبيعة الخلقة البشرية سيان من حيث التوافق والتجانس؛ فلا يوجد في الإسلام ما يتعارض أو يناقض أصل الخلقة التي خلق الله عز وجل عليها الإنسان. يقول سيد قطب في تفسير الآية:” أقم وجهك للدين حنيفا مائلاً عن كل ما عداه، مستقيماً على نهيه دون سواه: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}.. وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين؛ وكلاهما من صنع الله؛ وكلاهما موافق لناموس الوجود؛ وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهه. والله الذي خلق القلب البشري هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه ويطب له من المرض ويقومه من الانحراف. وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير. والفطرة ثابتة والدين ثابت: {لا تبديل لخلق الله}. فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة.”[1] وجاء في الحديث ما يعضد ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [ كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.]؛ فبين تأثير البيئة على إفساد وتحريف الفطرة النقية وإدخال ما ليس من أصل خلقتها فيها من انحرافات.

ثم إن الله عز وجل خلق في النفس الإنسانية إرادة الخير والإبقاء على الفطرة النقية وإرادة الشر الميالة إلى إفسادها. فقال تعالى:﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿8﴾ [ الشمس/ 7-8] فاتضح بأن الإنسان يكتسب الخير والشر اكتسابا؛ عن طريق ما يحدث من صراع سنني بين الخير والشر في الحياة الدنيا. يقول سيد قطب:” إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة ، مزدوج الاستعداد ، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه [ من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه ] مزود باستعدادات متساوية للخير والشر ، والهدى والضلال . فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه.” [2]

فالحب والخير والتعاون والصدق والاحترام والوفاء وغيرها، هي قيم يكتسبها الإنسان اكتسابا. والأمر نفسه يحدث مع صنوف الشر والكراهية والغل وغيرها؛ يتربى الإنسان على جمعها من أسرته ومحيطه ثم يألفها لتصير جزء من عندياته التي يتميز بها؛ فلنحظها في سلوكاته وعلاقاته ومواقفه، وتتراكم مع مرور الأيام والزمن لتصير مرضا نفسيا يصيب الروح في العمق ويفسد العلاقة مع الله تعالى ومع المحيط. فيستحيل الإنسان كتلة من الشر تحرق نفسها ومن حولها.

ليست الأحقاد والغيرة والحسد، إذن، عقابا أو مرضا مزمنا أو حالة متجذرة في الإنسان؛ بقدر ما هي أحد مستويات الصراع بين الإنسان والشيطان وبين الخير والفطرة السليمة ونوازع الشر؛ تعتري الإنسان في حالات الضعف والنسيان والجهل؛ بمعنى أن لا أحد يزعم أن شيئا من ذلك لا يصيبه، مهما علت درجة تدينه وتعلقه بالله تعالى، ولا أحد يصور نفسه أن الله عز وجل انتزع من صدره تلك العلقة السوداء التي انتزعها من صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يوم أن شق صدره ذات يوم. فقال تعالى:” ألم نشرح لك صدرك.” وروى عليه الصلاة والسلام فقال ما قاله له جبريل عليه السلام[ هذا حظ الشيطان منك.] لا أحد منا يزعم أنه الطاهر الذي يخلو قلبه من كل ذلك قل أو كثر. إنما من التواضع أن يكشف الإنسان لله تعالى ضعفه وحاجته وبشريته، وأن يفصح عما يعتصر قلبه وروحه من آلام وأوجاع تلك الأمراض وأعراضها؛ التي أحالت حياته ضيقا وضنكا وشرا يصيب نفسه ومن حوله. وأن يسارع إلى العلاج وعدم ترك الفرصة لكل ذلك أن يتمكن منه.

لم يترك الله عز وجل الإنسان هملا وعرضة لكل صنوف الشر تلك، بل زوده بكل الأسلحة وأنواع العلاج التي تسهل عليه تطويق الشر ومحاصرة أسبابه والتضييق عليه. ولعل أمضى سلاح يُقتدر به هو العقيدة الصحيحة؛ لأن السلامة لا تدرك إلا بعقيدة صحيحة ومستقيمة وفاعلة في القلب والذهن؛ تنعكس تلقائيا على السلوك والموقف والعلاقة مع المحيط والإنسان.

إن الحقد والحسد والكراهية والغيرة وغيرها مما يسمى أمراض القلوب وأصناف الشر؛ إنما تنشأ في النفس من أثر فراغ في القلب من الخير والحب والقناعة والحمد والشكر والرضى وغيرها من المصنوعات العقدية؛ يخلفه بالضرورة مد العينين إلى ما عند الغير من مال وبنين وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والسيارات الفارهة والمباني العالية، وغيرها من متاع الحياة الدنيا؛ إذ القلب الفارغ من الله تعالى يسكنه الشيطان.  قال تعالى:﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه/131] ثم تتكون ( أي تلك الصنوف من الشر) في غياب المصنوعات العقدية وبفعل مراقبة وتتبع وإحصاء ما عند الغير من ذلك المتاع، ثم تبدأ في التضخم لتغمر القلب وتتراكم وتشكل طبقات جليدية بعضها فوق بعض؛ تكبت على نفسه أول مرة ثم يبدأ في التعايش معها مع مرور الوقت، ثم توشك أن تصير علامته المميزة وطابعه الخاص، وقد يورثها، فتنسيه ما عنده وما يمتلك من خيرات ونعم؛ ويستصغر ما عنده في مقابل ما عند الغير؛ فيظهر له أنه لا يملك شيء وليس عنده مما يستحق الذكر والشكر لله تعالى.

كذلك يطبع الله عز وجل على قلب الحاقد الحسود الكاره الجاحد لنعم الله تعالى؛ فينسى الله عز وجل وينسى أنه تعالى صاحب العطاء وينسى أن منعه تعالى عطاء، وينسى أنه الغني سبحانه، وأنه إن شاء أعطى وإن شاء منع، وأنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي قال تعالى:﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء/35] يقول الطبري في تفسير الآية:” نَخْتَبِرُكُمْ ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر. وقيل بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف شكركم فيما تحبون وصبركم فيما تكرهون.” ولنا أن نتخيل أن تلك الطبقات؛ التي تكونت من الأحقاد والكراهية والحسد والغل ستغلف بغشاء نسيان الله تعالى ونسيان أفضاله ونعمه وآلائه. لنخلص إلى أن ذلك الغشاء لا تمزقه إلا عقيدة صحيحة قوية، وتلك الطبقات لا يذيبها إلا إيمان راسخ في القلب وفاعل على مستوى السلوك.

إن تفعيل العقيدة في النفس يحتاج إلى نوع من التوجيه المنهجي؛ بمعنى أن نأخذ من العقيدة ككلية شاملة وكاملة، ومصدر أساسي ما نحتاج إليه، بحسب المرض والحاجة التي بين أيدينا؛ فإذا تبدت أمامنا أمراض الحسد والحقد والكراهية؛ فلنفعل أسماء الله الحسنى. ومنها اسم “العدل” ولننظر ونتساءل: هل يمكن للعدل سبحانه وتعالى أن يظلم في عطائه ومَنِّه؟ هل يعطي العدل عز وجل ويمنع محاباة؛ بحسب تفاوت في العرق أو الجنس أو اللون أو ما شابه؟؟ هل يمكن تصور ذلك وغيره مما يخل بعدل الله تعالى حتى يصدر منك أو عنك ما يوحي بأن المسألة مسألة (زهر) أو ضربة حظ أوتي فيها فلان ولم يؤت الآخر؟ ألا ساء ما تحكمون؟؟؟ ولنفعل اسم ” الغني” ولننظر هل يعوز الغني تعالى أن يعطي لكل من في السموات والأرض وللجن والإنس ولأولنا وآخرنا مسألته ولا ينقص ذلك من ملكه شيء إلا كما ينقص كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، حتى يصدر عن البعض ما يشي بأن شيئا لم يبق له وأن الآخر أخذ المال والصحة والعلم والولد وأنه منع من كل ذلك. ألا ساء ما يزرون.

إن المراد بتفعيل العقيدة في هذه النقطة؛ هي أن نسأل أنفسنا: إذا كان مرد كل تلك الأحقاد التي تقطع الأرحام؛ هو الطمع فيما عند هذا وذاك من نعم وخيرات، بل وتمني زوالها عنه وكرهه والحقد عليه؟ فإن الرجوع إلى الله تعالى وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلا وإعادة قراءتها وذكرها تارة أخرى وتأملها والمداومة على فعل ذلك فيه من أصناف العلاج ما لا يقدر على وصفه أمهر الأطباء. فو الذي نفسي بيده؛ سنخلص مرة أخرى إلى أنه لا يوجد دواء يحوز على نجاعة فعالة غير العقيدة، ولا يوجد ما يقدر على أن يصنع في نفوسنا الرضى والقناعة والحمد والشكر والحب غير الإيمان.

ثمة وسيلة أخرى؛ لا تلقى عند الكثير من المسلمين استحسانا، وغالبيتهم يربطونها بالجنون فينفروا منها ويصدوا عنها. وهي عظيمة الفائدة، ولها في موروثنا الفكري أصول ونصوص جليلة وتجارب ناجحة؛ ونعني بها المرافقة النفسية. والمراد بها جلسات طبية مع مختصين نفسانيين؛ تتقصد المعالجة النفسية عن طريق كشف أسباب تلك الأمراض والعمل على زحزحتها وملء ما ينجر عن زحزحتها من فراغ بتوجيهات وعناصر إيجابية من الكتاب والسنة ومن تجارب الصالحين في فكرنا القديم والمعاصر وحتى من الخبرات الإنسانية الناجحة، وربما الذهاب إلى تعاطي أدوية كيميائية تسهم في تقليص تأثيرها ( أي الأمراض) على العلاقات مع الأرحام والمحيط عموما.

إننا نقول هذا الكلام، ونحن نشهد ونعايش أفاضل وفضليات من خيرة المجتمع، يعادون ويقطعون الإخوة والأخوات والآباء والأمهات والأولاد فضلا عن الأعمام والأخوال والعمات والخالات، ولا نستطيع أن نجد تفسيرا لحالاتهم؛ إلا شيئا من الغيرة والحسد وقع في نفس أحدهم تجاه الآخر وتمكن منه في لحظة ضعف، واستخف الأمر، وربما اعتراه بعض العناد والكبر ولم يبادر إلى ما يرضي الله ورسوله وربما رفض الإقرار بما يعانيه واستصعب العلاج النفسي.

قد نصادف من يرفض العلاج النفسي بدعوى كفاية الجانب الشرعي، وهذا قد يكون صحيحا من منطلق أن الإسلام يشكل منظومة قيمية تستبطن قدرة علاجية وتحويلية هائلة؛ تستمد قوتها وقدرتها من قوة وقدرة الله عز وجل ومن كلامه سبحانه الثاوي في القرآن الكريم، كما سبق بيانه، لكن في غياب هذه المنظومة أو تغييبها على مستوى الفعل والواقع وعلى مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وفي ظل هيمنة منظومة مادية عارية عن القيم الروحية وكافرة بالأبعاد والمضامين الأخلاقية والقيمية الإنسانية، لا يبدو أن التعويل على عامل التمسك بالعقيدة وتوطيد الصلة بالله تعالى متيسرا ومجديا لكل الطبقات والشرائح المجتمعية. ولذلك فإن الذهاب إلى هذا النوع من العلاج، على علاته، يبقى ضروريا وملحا على الأقل في مراحل أولية.

إن المنظومة القيمية، محل الاستشهاد، هي ما كان يحمي الأفراد والمجتمع من الأحقاد والغيرة والحسد والكراهية، ويقلل من انتشارها وتأثيرها في العلاقات بين الأرحام في وقت سابق أو في أزمنة ماضية؛ فقد ظلت تحكم الفرد وتوجه المجتمع وهو في أوج التراجع والتخلف. وقد كان في تلك المجتمعات الغني وسط الفقراء والعالم وسط جموع الأميين، وصاحب الولد وسط من لا ولد ولا نسل له، وفيهم الأرملة والمطلقة ومن تأخرت في زواجها وسط المتزوجات السعيدات بأزواجهن وأولادهن، وفيهم من يملك المسكن الواسع والمركب المريح وسط من لا مأوى ولا مركب له؛ وربما سبب ذلك بعض الضنك والضيق لأحدهم، لكن يندر أن يكون مصدر غيرة وحسد أو باعث على الحقد والكراهية وقطع الأرحام؛ فالغالبية، على بساطة علمها ودرجة تدينها، تؤمن بأن ذلك كله عطاء الله الذي لا دخل للإنسان فيه، وأن حسبه السعي والمجاهدة، وهذا هو لب العقيدة الإسلامية التي تعد الأساس في تشكيل المنظومة القيمية الإسلامية التي نتحدث عنها.

لقد تحول قطع الأرحام على مستوى الممارسين من حالات فردية معزولة في أزمنة سابقة إلى ظاهرة لا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات الإسلامية، ولا عائلة من العائلات في المجتمع الواحد؛ كما تحول على مستوى الممارسة إلى سلوكات وممارسات إجرامية تستهدف الأرحام وأقرب الأقربين، وقد باتت تهدد أمن الأسر والمجتمع وتعمل على تفكيك وتمزيق الأواصر؛ أي أنه لم يعد مقتصرا على المقاطعة وعدم التزاور أو تبادل الحديث فقط. وربما هذا هو السر في أن الله عز وجل يسوي بين قطع الرحم والإفساد في الأرض في سورتين منفصلتين. وهو ما سنعرض له في النقطة التالية.

قطع الأرحام والإفساد في الأرض:

قطع الأرحام هو كل فعل أو قول أو سلوك أو موقف؛ يصدر عن أحدهم تجاه أحد أرحامه، ويؤذيه في نفسه أو بدنه أو ماله أو عرضه أو أهله. وبالمقابل فإن كل فعل أو قول أو سلوك يوقف هذا الأذى، ويعمل على وأده وعلاجه والقضاء عليه؛ هو صلة للرحم وقطع لدابر التفرق والخلاف.  وهو بذلك يعد أحد أهم وسائل الحفاظ على التماسك الأسري والمجتمعي، وأوثقها ضد أي تهديد يطال أمنها ويزعزع بنيتها ويؤدي إلى فسادها من الداخل؛ أي من جهة الأرحام فيما بينهم.

ولعل القارئ لقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد/ 22_23] وقوله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ﴾ [الرعد:25] سيقف على ذلك الربط المقصود بين الإفساد في الأرض وقطع الرحم. وربما تساءل عن السر في التسوية بين سلوكين مؤذيين؛ أحدهما يطال العلاقات بين الناس؛ فيفسدها. فيما يستهدف الثاني الأرض والطبيعة، وكل ما هو خارج عن معنى الإنسان من حجر وشجر وماء وحيوان وجماد؛ فيفسدها أيضا. وسواء كان المتأذي بشرا أو غيره فما وقع هو إفساد وتخريب وتدمير؛ فقد سماه الله عز وجل كذلك. وهذا المعنى تسعفه اللغة؛ فالعرب تقول: تفاسد القوم: قطعوا أرحامهم؛ كذا في لسان العرب لابن منظور؛ فقطع الأرحام هو إفساد.

وبناء عليه؛ رتب المفسرون أنواع الفساد والإفساد؛ فقالوا: هو ضربان: ضرب مادي يراد به تخريب الأرض وتدمير ما فوقها وما تحتها من شجر وحجر ونبات وحيوان وبشر. وضرب معنوي يقصد به قطع الأرحام. وهذا ما تفصح عنه اللغة، كما ذكرنا، وتصدقه المضامين المشتركة بين الرحم والأرض؛ إذ إن ما تستبطنه الأرض من معاني وقيم العطاء والجمال والخير والأمان هي ثاوية بشكل أو بآخر في الرحم. والعرب تقول: لا أرض لك كما يقال لا أم لك؛ والأم رمز للرحم؛ فمن لا أرض له كمن لا أم ولا رحم له. فكان إفساد الرحم وتخريب العلاقة مع الأم وباقي الأرحام بقسوة القلب ووقاحة الوجه وسلاطة اللسان، بل وبسفك الدماء وهتك الأعراض وسرقة الأموال والتآمر مع الأغراب؛ هو بمنزلة الإفساد في الأرض. ومن ثمة كان قطع الرحم والتخريب الواقع بين أفراد الأسرة الواحدة والعائلة الواحدة والحرمان من لحظات الهدوء والسكينة والأمان؛ التي يعد الرحم مهدها الأول ومحضنها الطبيعي؛ هو بنفس منزلة التخريب الواقع على الأرض وحرمان البشر من خيراتها وجمالها وهدوئها ومتعتها وهوائها ومائها.

إن الرحم هو الملاذ في لحظات الضيق والشدة، وهو الأمان في لحظة الخوف وهو منبع السعادة والفرح عند الحزن، وهو العون حين تشتد النوائب؛ فتجد الحب والحضن عند الأب والأم والابن والبنت والأخ والأخت والخالة والعمة والخال والعم وغيرهم… من الأقارب والأهل؛ إنه الكلمة الطيبة والابتسامة الجميلة والجلسة المريحة والنظرة الحنونة، فضلا عن اليد الطولى في المساعدة المادية للفقير منهم والمحتاج.

وحين يتحول هؤلاء بعضهم لبعض عدو؛ فلا تجد منهم إلا الأحقاد والغيرة والحسد والكراهية والتآمر؛ فلا يجتمعون على حب ولا تعاون ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولا تناصح في مرضاة الله تعالى؛ فذلك إيذان بخراب الأرض ومعها النفوس، وتدمير للبنية القيمية للأسرة والمجتمع. وأين هو طعم الحياة في أجواء الكراهية والعداوة والأحقاد بين الأرحام، وكيف سيلقى المؤمنون ربهم عز وجل يوم القيامة ؟؟؟

وهنا يطرح السؤال عن جدوى ما نراه من ممارسات تطغى على المجتمع والأفراد وتكثر في المناسبات والأعياد، ويسميها بعضنا صلة الرحم، ويستبشر بها جزء من الخطاب الإسلامي ويتوهم الكثير أن ما يراه؛ هو صلة رحم؟

يركز جزء من الخطاب الإسلامي، ونعني به هنا على وجه الخصوص الخطاب المسجدي، في المناسبات والأعياد على صلة الأرحام، وهذا أمر جيد ونثمنه من حيث المبدإ. وفي سبيل ذلك نجده يركز على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، التي يظهر فيها ثواب صلة الرحم وعقاب قطعها، ثم إنه يعرج على الأسباب المؤدية إلى القطع، ويحاول أن يقدم حلولا لها، وهي في هذا الخطاب لا تخرج عن:

الأول: الجهل بإثم القطيعة، والثاني: الانشغال بأمور الدنيا، فيقطع صلة رحمه لأجلها، وهذا خطأ، وليس بعذر وعلى كل من وقع في هذا الأمر أن يراجع نفسه، ويعطي كل ذي حق حقه، فإن صلة الرحم واجبة، وقطيعتها من الكبائر والثالث: التكلف الزائد في الضيافة، فبعض الأقارب لا يستطيع أن يجاري غيره في ذلك التكلف، لقلة ذات يده، فيقع في القطيعة، فنقول للمتكلف، إن الكرم كل الكرم في استقبال الضيوف بالبشاشة والبشر، وبإكرامهم إكراما لا يكون فيه تكلف أو إسراف وتبذير. والرابع: البخل بالمال والجاه، فبعض الناس إذا تولى منصبا أو رزقه الله مالا، تجده يقطع رحمه؛ إما بعدم نفعه لمن يحتاج منهم، أو بعدم صلتهم كليّا، كي لا يطلبوا منه شفاعة حسنة أو إسهاما بمال لأسرة محتاجة منهم، والواجب على من حاله كذلك أن يتخلق بأخلاق الكرام.[3]

إن هذا الخطاب يذهل، في الواقع، عن السبب الحقيقي، وهو أن كثيرا مما يذكر قد تحول إلى أمراض، وأنه لا مجال لعلاجها بعناق أو سلام أو تزاور في مناسبة أو عيد؛ لأنه تمكن وتجذر ولم يعد من الممكن استئصاله إلا بعلاج حقيقي سبقت الإشارة إليه. أما الاكتفاء بسلام أو اجتماع فإنه في كثير من الأحيان يكون مسكنا أو مهدئا سرعان ما يعود الأمر بصاحبه إلى حالته السابقة، وربما في صورة أبشع مما مضى. وفي أحيان كثيرة فإن ذلك السلام والتزاور والعناق لا يرد حبا ضاع ولا يشيع طمأنينة ولا يعطي راحة بال ولا يجبر خاطرا؛ وربما زاد في تأزيم العلاقة أكثر؛ لأن من يستقبله أو من يقدمه لا يقوى على ذلك مهما حاول؛ فهو ببساطة مريض يحتاج إلى علاج وليس إلى مهدئ لا يداوي المرض؛ بقدر ما يزيد في صناعة وهم اجتماعي وصناعة أمراض أخرى. إنها ببساطة ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِه﴾ِ[ الرعد/14]

إننا لا نهون من جدوى هذا الخطاب عند من كانت تلك الأسباب فيهم عارضة، لأنها قد تزول بالتذكير بالآية والحديث وبالعاقبة في الدنيا والآخرة. لكن الأمر ليس كذلك في هذا المقام؛ عند من كان فيه ذلك مرضا يفتك به وبمن حوله من أرحامه؛ بدء بأقربهم إليه؛ فهو مستعد لذبحه وقتله وتعنيفه وحبسه وتعذيبه والتآمر عليه وسرقة ماله وهتك عرضه، ومستعد أن ينال من كبرياء رحمه وكرامته بالمن وإظهار التفوق المادي. ومن منا لا تطالعه هذه الأخبار يوميا في وسائل الإعلام ليختصرها المعلق أو المحقق بالقول: أن االفاعل كان يعاني من اضطرابات نفسية. أو من منا لم يعايش هذه السلوكات التي نسميها صلة رحم ظلما وعدوانا، وهي في الواقع تزيد في تعميق الجراح وتعفينها وتقطع ما تبقى من أواصر.

خاتمة

نخلص في نهاية هذا المقال المقتضب إلى مجموعة من النتائج نجملها فيما يلي:

1/ إن فينا جميعا من نوازع الشر ما يمكن أن يؤدي بنا إلى قطع الأرحام. وفي الوقت نفسه نملك الكثير مما يمنع ذلك ويغلبنا على تلك النوازع ويصلنا بأرحامنا بأحسن الصور والأشكال.

2/ إن فينا من يغفل عن تلك النوازع، بل ويرفض أن فيه شيئا منها كبرا وعنادا وجهلا؛ فتكبر وتتضخم لتصير مرضا؛ يصنع في ظله مبررات ودوافع قطع الأرحام والذهاب بعيدا في قطعها.

3/ إن المسارعة إلى تفعيل العقيدة في النفس لمن ألقى السمع وهو شهيد، وفي مراحل معينة، كفيل بمداواة تلك النوازع وقطع الطريق عليها، وعدم تمكينها من التأثير على الأرحام والمحيط.

4/ لا مناص من العلاج النفسي إذا استفحل الأمر؛ لأن العواقب خطيرة على الفرد وعلى محيطه ورحمه.

5/ إن العناق والسلام والزيارة والمحادثة والاتصالات الهاتفية، وتقديم مبلغ مالي في المناسبات والأعياد مع بقاء الأحقاد وتنامي الكراهية وارتفاع منسوب الحسد والغيرة في النفوس لا يشكل صلة رحم، كما يصر عليه جزء كبير من الخطاب الإسلامي.

6/ إن صلة الرحم هي من أكثر الأخلاق الإسلامية؛ التي توشك المجتمعات الإسلامية أن تخسرها، وقطعها مؤذن بخراب النفوس والأسر والمجتمعات.

7/ وعليه: فإن المطلوب اليوم هو أن نتوجه إلى حملة الخطاب الشرعي؛ بضرورة صياغة خطاب يأخذ بعين الاعتبار مسألة قطع الرحم، ويتعامل معها لا على أساس كونها خلقا يخالف الشريعة الإسلامية ويرفضه المزاج الإسلامي فحسب، بل بالنظر إليه كما هو حادث في الواقع؛ أي ظاهرة اجتماعية خطيرة؛ تتظافر أسباب كثيرة في صناعتها. ومن ثمة هي تحتاج إلى مستويات متعددة من العلاج؛ تجمع بين تفعيل العقيدة الإسلامية في النفوس وبين المرافقة النفسية للحيلولة دون تطور الأمر إلى أمراض يصعب التحكم في تأثيرها على الأرحام.

وصلى الله على سيدنا محمد

 

 

[1]/ سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم، ج21، تفسير سورة الروم.

[2] / سيد قطب، تفسير سورة الشمس، في ظلال القرآن.

[3] / عمر المشاري، من أسباب قطيعة الرحم  https://www.alwatan.com.sa/article/330352

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page