حصريا

تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية في الجزائر-أ.د/ عائشة لروي-الجزائر-

1 875

 

 

 

 

 

 

 

مقال بعنوان:

 

تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية

 

    إعداد

أ.د/عائشة لروي

جامعة أحمد درايعية/ ولاية أدرار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                      بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.

 

أما بعد:

 

فإن واقع عالمنا الإسلامي اليوم يشهد صراعات، وانفصامات، وتضارب في المفاهيم، الشيء الذي هيأ للفتن جَنابًا خصيبًا لترتع، ولتعصف رياحُها، ولتعبث كمعول هدم انضاف إلى معاول أخرى تكالبت وتكاتفت من أجل النخر الداخلي لكيان الأمة الإسلامية، في غياب وعي أبنائها، وابتعادهم عن وصية نبيهم عليه الصلاة والسلام حين قال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» ([1]).

 

فالفتن ما تفتأ تتربص بمقومات الأمة الإسلامية، كلما وجدت لذلك منفذًا، من ذلك محاولة تفكيك استقرارها بضرب مرجعياتها الدينية، المستمدة من الكتاب والسنة الشريفة.

 

ولا يخفى على عاقل أن المرجعية الدينية لأي بلد من البلاد الإسلامية، هي أساس بناء مجتمعه واستقراره، وباستهدافها وضربها، تقويض وهدم لهذا البناء من الأساس.

ولما كانت المرأة جزء من كيان المجتمع، وعنصرًا هامًا في تنميته واستقراره، ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ([2])، فقد تساهم المرأة من حيث تدري أو لا تدري، في إرساء وتثبيت المرجعية الدينية لوطنها وحمايتها، كما قد تكون معول هدم ينخر جنبات تلكم المرجعية، إذا ما ثارت عليها وتخطت حدودها ومبادءها، وأسسَها.

فما المراد بالمرجعية الدينية؟ وما عوائق تفعيل دور المرأة في حمايتها؟ وما آليات تفعيل ذلك الدور؟ وما مجالاته؟

 

هذا ما يحاول هذا المقال الموسوم بـ: ” تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية” الخوض فيه، وذلك وفق أربعة مطالب، جاءت بعد المقدمة، كما يلي:

      المطلب الأول: مفهوم حماية المرجعية الدينية.

     المطلب الثاني: عوائق في طريق تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية.

     المطلب الثالث: آليات تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية.

     المطلب الرابع: مجالات تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية.

     وخاتمة: وفيها أهم النتائج المتوصل إليها.

 

المطلب الأول: مفهوم حماية المرجعية الدينية.

1- تعريف الحماية لغةً:

الحماية: من الفعل: حمي: حَمَيْتُ الْمَكَانَ مِنْ النَّاسِ حَمْيًا وَحِمْيَةٌ بِالْكَسْرِ مَنَعَتُهُ عَنْهُمْ، وَالْحِمَايَةُ اسْمٌ مِنْهُ. وَأَحْمَيْتُهُ بِالْأَلِفِ جَعَلْتُهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ، وَلَا يُجْتَرَأُ عَلَيْهِ([3]). 

وحَمَاهُ يَحْمِيهِ، حِمَايَةً: دَفَعَ عَنْهُ([4]).

وحَمَى المــــَـــريضَ مَا يضرُّه حِمْيَةً: مَنَعَه إيَّاه؛ واحْتَمَى هُوَ مِنْ ذَلِكَ وتَحَمَّى: امْتَنَع([5]).

وعلى هذا، فالحماية لا تخرج عن معنى: المنع، والامتناع، والمحظور الذي لا يُقرب، ولا يجترأ عليه، والدفع عن الشيء، والمعنى الأخير أقربها لما المقال بصدده.

 

2- تعريف المرجعية لغةً:

المرجعية هي الرجوع إلى المرجع.
والمرجع: من الرُّجُوع. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ([6]). وَهو محل الرُّجُوع، وَالْأَصْل، وأسفل الْكَتف، وَمَا يرجع إِلَيْهِ فِي علم أَو أدب من عَالم أَو كتاب([7]).

فتكون المرجعية عمومًا، هي: ما يُرجع إليه في علم، أو أدب، أو شأن من الشؤون.

 

3- تعريف المرجعية اصطلاحًا:

عرفت بأنها: “الإطار الكلي والأساس المنهجي، المستند إلى مصادر وأدلة معينة، لتكوين معرفة ما أو إدراك ما، يُبنى عليه قول أو مذهب أو اتجاه يتمثل في الواقع علمًا أو عملًا”([8]). 

4- المراد بالمرجعية الدينية في هذا المقال:

            يمكن تعريفها بأنها: ” الإطار الشرعي القائم على فهم وتطبيق الإسلام في بلد معين، والمحتكم إليه في شؤون الناس الدينية: عقائدية كانت، أم فقهية”.

فيكون المراد بحماية هذه المرجعية الدينية، هو: الدفع عنها، والمنع من الإنحراف عنها، كليًا أو جزئيًا، أو التشويش عليها عند التطبيق، بإدخال ما ليس منها فيها، حتى لا تختل الموازين، وتحدث الفوضى، وتتأجج الفتن بين الناس، فتزول نعمة الاستقرار.

 

المطلب الثاني: عوائق في طريق تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية.

وأعني بالعوائق، تلكم العقبات التي تحول دون تحقيق هذا الدور، وقد حاولت حصرها في النقاط الآتية:

أولًا: عدم وعي المرأة بالدور المنوط بها في حماية المرجعية الدينية.

وهذا من العوائق التي تكدر صفو إسهام المرأة في هذه العملية، بل تلغيه؛ فعندما لا تعي المرأة المطلوب منها، ولا حجم هذا المطلوب، فكيف لنا أن ننتظر منها أن تكون فعَّالة؟!

وحتى تكون المرأة واعية بدورها في المحافظة على المرجعية الدينية، لا بد لها من عملية إعداد وتربية يكون لهما الأثر الفعال في بناء وتكوين شخصيتها، وممارسة مهامها في المجتمع، وتوجيه طاقاتها الوجهة الصحيحة المثمرة، وفي حال إهمالها وحرمانها من عملية التربية والتوجيه والإعداد المدروس تنشأ نشأة عفوية ساذجة، تتحكم فيها الحوادث والمحيط، ما يتسبب في هدر طاقاتها، فتتحول إلى شخصية ضعيفة لا تستطيع الصمود أمام أدنى الحوادث، ولا أن تؤدي الأدوار المطلوبة منها بنجاح.

 

ثانيًا: إنجراف فئات من النساء وراء دعوات المساواة والتحرر.

فهناك من النساء من انجرفت وراء الدعوات المغرضة التي ظهرت في مجتمعاتنا المسلمة، والتي يطالب أربابها من أدعياء المساواة والتحرر، بتحرر المرأة ألا مشروط؛ أي المطلق، وفي ذلك ما فيه من هدم وتقويض للمرجعية الدينية، وتخطٍ للأعراف، بدعوى المساواة والتحرر، وهذا هو الخطر المحدق بالمرجعية الدينية بعينه. فأصحاب هاته الدعوات يدركون أن المرأة هي معول الهدم، إذا ما راموا تخريب أي مجتمع، فقد أغروا المرأة المسلمة وغرروا بها باسم حقوق المرأة والمساواة، والتحرر.

وقد ظهر ذلك في مجتمعنا الجزائري، عندما نادت بعض الجمعيات النسوية الحقوقية منها، وغير الحقوقية بالمساواة المطلقة، وكان من بين مطالبها: إلغاء شرط الولي في النكاح، والمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، وغيرها من المطالب.

وهذه الدعوات نتجت عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو(C E D AW) ، وهي اختصارًا لـ:

THE CONVETION ON CLIMINATION OF ALL FORMS OF DISCRIMINATION AGENTS WOMAN. 

وهي الاتفاقية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1979 والتي من شعارها: المساواة.

وقد وقَّعت جميع الدول العربية على هذه الاتفاقية، وأبدى البعض منها تحفظاته على بعض بنودها، وذلك استنادًا إلى تعارضها مع دستوره وتشريعاته، أو بسبب تعارض بعض موادها مع الشريعة الإسلامية، خاصة ما يمس مجال الأحوال الشخصية.

 

تتألف الاتفاقية من ثلاثين مادة تتعلق بالمساواة في الحقوق بين المرأة والرجل، في جميع الميادين المدنية والسياسية والثقافية.

أما المجال القانوني فإنه يطالب بإعطاء المرأة الأهلية القانونية المماثلة لأهلية الرجل، مما يجعلها تستطيع مباشرة عقودها بنفسها ومن بين هذه العقود عقد الزواج الذي كما هو معلوم هو من العقود المدنية في الغرب، وقد حثت الاتفاقية  الدول الأطراف على إلغاء جميع العقود الخاصة التي تمنع المرأة من حقها في ممارسة هذه الأهلية، والمقصود بذلك طبعًا التشريعات الدينية التي تفرض الولاية في النكاح، وتجعل شهادة المرأة كشهادة رجلين في بعض الحالات([9]).

 

فهاته الفئة من النساء، تساهم في تقويض المرجعية الدينة، وتعتبر عائقًا وحجر عثرة في سبيل ترسيخ وتدعيم أسس المرجعية الدينية في الوسط النسوي، وفي المجتمع عمومًا.

 

ثالثًا: عدم التمييز بين التقاليد، وما هو من أسس المرجعية الدينية.

وهذا الخلط، وعدم التمييز بين ما هو من تعاليم الإسلام، وبين ما هو عادات وتقاليد اجتماعية نشأت في مجتمعات المسلمين بفعل التخلف والجهل بتعاليم ديننا، مناقضة بذلك روحه ومبادئه السمحة، في تنظيمه للعلاقات بين الرجل والمرأة في المجتمع، قد فتح المجال أمام أعداء الإسلام لينالوا منه، فراحوا ينسبون له كل ما يشاهدونه في مجتمع المسلمين من ممارسات خاطئة؛ بغرض التنقيص والتنفير منه.

وهو ما أدى إلى نفور بعض النساء من تلك الممارسات الخاطئة، ظنًا منهن عن جهلٍ أو عمدٍ بأنها من تعاليم الإسلام، فسهل بذلك استدراجهن وتوظيفهن، كعامل هدم داخلي لتقويض المرجعية الدينية.

 

المطلب الثالث: آليات تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية:

بعدما تعرفنا على بعض العوائق التي تحول دون أداء المرأة لدورها في حماية المرجعية الدينية، هذه الآن بعض الآليات لرفع تلك العوائق، مما عساه أن يُسهم في تفعيل هذا الدور للمرأة، وذلك كما يلي:

أولًا: وجوب توعية المرأة بدورها في حماية المرجعية الدينية: وذلك بتهيأتها لهذا الدور: تنشأةً، وتربيةً، وتثقيفًا، وتوعيةً؛ فلابد من تحصينها بمبادئ وأسس تلكم المرجعية، لتتمكن بدورها من الإسهام في المحافظة عليها.

ويكون ذلك، من خلال اعتناء والديها ومحيطها بذلك، فالوالدان هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن تنشئة أبنائهم، ورعايتهم وتوجيههم، يقول ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»([10]). 

فإذا كان أبواه يربيانه على اليهودية صار يهوديًا، وإذا كانا نصرانيان صار نصرانيًا، وإذا كانا مجوسيان ربياه على المجوسية، فصار مجوسيًا. فالذي يحرف الفطرة السليمة هو التربية السيئة.

فكلما نشأت المرأة في بداية تكوينها الديني والفكري في بيئة ووسط يعتمد المرجعية الدينية لبلاده أساسًا لتسيير أموره العقدية والفقهية، فلا شك أنها ستتشبع بذلك، فتصمد أمام التيارات الجارفة، بل وتتصدى لها، والعكس صحيح، والواقع يحكي ذلك.

 

ثانيًا: تعريف المرأة المسلمة بدينها وعقيدتها: وتعريفها بحقوقها التي منحها إياها الإسلام، الذي حرر المرأة من ربقة الجاهلية منذ قرون عدة خلت، قبل كل الاتفاقيات المزعومة التي قننوها، وتباهوا بها.

فقد كانت المرأة في الجاهلية محرومة من كثير من حقوقها، عرضة للظلم، مهضومة الحقوق، مسلوبة الأموال، ومحرومة حتى من حقها في الإرث، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ)([11]). 

 

فقد كرمها الإسلام، وصحح الوضع الذي كانت عليه قبله، فأعطاها مكانة مرموقة في وسطها: أسرة ثم مجتمعًا، فأمة، وجعلها والرجل متساويان في الأجر، وفي الأمور التي تستدعي المساواة، فالمرأة في ميزان الإسلام كالرجل.

فالإسلام قضى على كل أشكال الظلم التي عرفتها المرأة في الجاهلية، وقرر أن النساء شقائق الرجال، وقرر المساواة بينهما في أصل الخلق كبشر، فليس لأحدهما من مقومات الإنسانية أكثر مما للآخر، ولا فضل لأحدهما على الآخر، فالناس جميعًا ينحدرون من أب واحد وأم واحدة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى([12].

 

كما سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية بمختلف أنواعها. فقبل الزواج يكون للمرأة شخصيتها المدنية المستقلة عن شخصية ولي أمرها، فإن كانت بالغة يحق لها أن تتعاقد وتتحمل الالتزامات، وتتصرف فيما تملك، بمباشرة العقود المدنية من بيع وشراء، ولم يقل أحد من فقهاء الإسلام أن النصوص الواردة في التصرفات المالية خاصة بالرجل دون المرأة. فلا يحق لوليها أن يتصرف في أملاكها إلا بإذنها، وهو مجبر على استثمار أموالها لصالحها قبل بلوغها راشدة.

        بعد الزواج يكون للمرأة كامل حقوقها المدنية، بإجراء مختلف العقود من بيع وشراء ورهن وهبة ووصية وما إلى ذلك، محتفظة بحقها في التملك تملكًا مستقلًا عن غيرها، فللمرأة المتزوجة في الإسلام شخصيتها المدنية الكاملة، وثروتها الخاصة، وذمتها المالية مستقلة عن شخصية زوجها، وثروته وذمته ([13]).

كما ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في طلب العلم، فجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وقد تجسدت تلك المساواة في عهد الرسول ﷺ؛ حيث كان للمرأة  كيان مستقل عن الرجل تطالب بحقها الذي أعطاها إياه الإسلام بكل جرأة، فها هي عاتكة بنت زيد تقف في وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه تطالب بحقها في صلاة الجماعة في المسجد، فقد روى الإمام مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَيَسْكُتُ. فَتَقُولُ: (وَاللهِ لأَخْرُجَنَّ، إِلاَّ أَنْ تَمْنَعَنِي. فَلاَ يَمْنَعُهَا)([14]).

 

وها هي المرأة تمارس حقها بإدارة أموالها بمعزل عن زوجها كما فعلت ميمونة أم المؤمنين بجاريتها دون علم رسول الله ﷺ. فعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»([15]). 

                                                                                    

كما أن المرأة مارست حقها السياسي، عندما بايعت الرسول ﷺ، كما بايعه الرجل. وغيرها من الصور المشرقة التي تضيق هذه الصفحات عن عرضها.

 

لقد خدعوا المرأة المسلمة، فجعلوها تنادي بالمساواة، واعتبروا قضية المساواة مدخلًا للطعن في الإسلام وتعاليمه، بدعوى أنه منعها بعض الحقوق التي خصَّ بها الرجل دونها، تنقيصًا من قدرها ككائن بشري.

والحقيقة عكس ذلك تمامًا، فلما فرق الإسلام بين الرجل والمرأة في بعض الأمور مثل القوامة؛ فذلك مراعاة لطبيعة المرأة وتخفيفًا عنها وصيانة لها، من جهة، ولصالح الأسرة التي يقومان عليها من جهة أخرى.

ولما جعل المالكية وجمهور العلماء الولي من أركان النكاح، فذلك لحكمة لا يدركها أدعياء المساواة: فمن مقاصد التشريع الحكيم صيانة المرأة عن أن تباشر بنفسها ما يشعر برعونتها، مما ينافي حياءها.

كما أن المرأة – لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها بشئون الرجال وخفايا أمورهم- غير مأمونة حين تستبد بالأمر لسرعة انخداعها، وسهولة اغترارها بالمظاهر البراقة دون ترو وتفكير في العواقب، وقد اشتُرط إذن الولي مراعاة لمصالحها؛ لأنه أبعد نظرًا، وأوسع خبرة، وأسلم تقديرًا، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار من يكون أدوم نكاحًا، وأحسن عشرة([16])، وكل هذا سعيًا لاستقرار الأسرة المسلمة.

 

إن دعاة تحرير المرأة العربية المسلمة، قاسوا ذلك على تحرر المرأة في الغرب، وحاولوا تنظير المجتمع المسلم بالمجتمع الغربي، فجاء قياسهم فاسدًا، وتنظيرهم مختلًا؛ فالبون شاسع بين المجتمعين. ولم يدرك هؤلاء الفارق بين المرأتين، ولم يفهموا حرص الإسلام على المرأة المسلمة، ورعايته وصونه لها، فقد نالت من الشرف والحرية والمكانة في ظله، ما حرمت منه المرأة في الغرب بسبب ظلم مجتمعها لها، فحُق لهذه الأخيرة أن تطالب بحريتها وباسترجاع حقوقها المادية والمعنوية .

 

كما أن “هذه الحقوق التي حصلت عليها المرأة المسلمة هي حقوق ثابتة غير متغيرة عبر الزمن، على عكس الاتفاقيات البشرية التي وضعها الإنسان على هيئة إعلانات وصكوك ودساتير ومواثيق واتفاقيات، فإن مثل هذه الاتفاقيات تخضع للأهواء البشرية المتقلبة وَفْقَ المصالح والأهواء”([17]).

 

ثالثًا: تعريف المرأة المسلمة بزيف مضمون الاتفاقيات الدولية التي تدعوا إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة، دون اعتبار لأي اختلاف جسمي أو نفسي، كما تدعوا إلى تغيير المفهوم الاجتماعي للأسرة، والتشجيع على الإباحية والزنى([18])، وغير ذلك من الأمور التي تتنافى مع مبادئ الإسلام.

والتحرر الحقيقي هو: تسلح المسلمة بالعلم وبالوعي بحقوقها، وواجباتها، وبما يحاك ضدها بليل، لا التحرر الذي يدعوها إلى الانسلاخ عن دينها ومرجعيتها وثقافتها، والاندماج في ثقافة الغرب.

 

رابعًا: تحكيم شريعة الإسلام السمحة في كل الأمور المتعلقة بالأسرة.

 

خامسًا: عقد الندوات واللقاءات والمؤتمرات، من حين لآخر؛ لتوعية المرأة بدورها في المحافظة على المرجعية الدينية، ولرصد كل ما من شأنه أن يمس بمقومات بلدها، واليقظة للأفكار الوافدة في صمت على مجتمعاها، المتسربة خلسة إلى عقول أبنائه، المترصدة بمرجعيته، وكبحها، فإن لها سريانًا وتوسعًا كالوباء والحريق، ومن الحكمة والحزم القضاء عليها في مهدها.

 

المطلب الرابع: مجالات تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية:

المقصود هنا، المرأة التي تسير وَفق المرجعية الدينية، ولم تتخطاها لغيرها، وهذا الصنف هو الغالب، ويحتاج فقط إلى التوجيه، والتوعية بالدور المنوط به في هذا الأمر- وهذا طبعًا نظرًا للتفاوت في الفهم والتلقي بين الناس عمومًا-؛ ليؤدي دوره بكفاءة وفعالية.

والمرأة في بيتها معلمة وقدوة، وفي خارج البيت ناشرة لشرع دينها الإسلام، من هنا تتجلى بوضوح المجالات التي يمكن أن تسهم المرأة من خلالها في حماية المرجعية الدينية، والتي  يمكن إرجاعها إلى مجالين اثنين، هما:  مجال الأسرة، ومجال المجتمع.

فيتمثل دور المرأة هنا بالالتزام بأسس ومبادئ المرجعية الدينية في نفسها أولًا، ثم تجاه أسرتها، ثم مجتمعها؛ باعتبارها ركنًا مهمًا فيه، فكل ما يؤثر عليها سلبًا أو إيجابًا، يؤثر على محيطها. ونبدأ بـبيان:

 

أولًا: دور المرأة في حماية المرجعية الدينية داخل الأسرة.

من الأدوار التي يمكن أن تؤديها المرأة داخل أسرتها، وتساهم بها في إرساء دعائم وأسس المرجعية الدينية ، أذكر:

1- إلتزامها في خاصة نفسها بمبادئ تلكم المرجعية، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولينعكس ذلك على أبنائها، باعتبارها هي القدوة، فإذا ما انحرفت هي عن المسار الصحيح، ضاعت وضيعت.

 

2- حرصها على غرس أسس المرجعية الدينية في فكر أبنائها، بالتدرج معهم من اعتنائها بالسهر على مداومتهم على المدارس القرآنية وهم صغار في مرحلة التلقين، وبتعليمهم ما يوافق سنهم من أمور دينهم، وتحفيزهم بالتشجيع تارة، وبالمكافأة تارة أخرى.

يقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: ” اعلم أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش وقابل لكل ما يمال به إليه، فإن عُود الخير وعُلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، يشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عُود الشر وأُهمل إهمال البهائم شَقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم به

والولي عليه”([19]). 

 

3- اصطحابها لأبنائها معها، لحضور الندوات العلمية التي تصب في هذا المجال، كلما أمكنها ذلك؛ ففي تعويد أسماعهم على مبادئ دينهم، ترسيخ لها في أذهانهم.

 

4- استمرار دورها بالمراقبة عن بعد، والتوجيه في مرحلة المراهقة على الخصوص، ولتحرص أن لا تكون نصيحتها منفرة.

 

5- مراقبة جميع وسائل التواصل الاجتماعي التي يتصفحها أبناؤها ذكورًا وإناثًا، فهذه الوسائل قد تكون مسرحًا لنشر التطرف الديني، ولتفعل خلسة إذا استدعى الأمر ذلك.

 

6- اليقظة الدائمة لكل طارئ قد تلاحظ الأم فيه تغيير في سلوك وتصرفات أحد أبنائها، وعدم ركونها إلى تأجيل النظر في الأمر، أو الاستهانة به، مهما كان حقيرًا، فالوقاية خير من العلاج.

 

7- عدم الملل أو الكلل في أداء هذه الرسالة، فعائدها كبير، على أسرتها، ومجتمعها، ووطنها.

 

ثانيًا: دور المرأة في حماية المرجعية الدينية في المجتمع.

المرأة المسلمة مؤثرة في مجتمعها، ولا خصوصية للمرأة في حماية المرجعية الدينية في مجتمعها، فمثلها في ذلك مثل الرجل، وإنما جاء العنوان لتنبيه المرأة بأن لها دورًا في ذلك، حتى لا تعتقد أنها في منأى عنه، فما يطالب به الرجل في ذلك، تطالب به المرأة بمعنى أو بآخر، وكل امرأة بحسب موقعها في مجتمعها، وبقدر ذلك الموقع يعظم دورها، وتأثيرها في حماية المرجعية الدينية، أو يقل، وفي كل خير.

1- فللمعلمة في مدرستها دور كبير، فهي المربية والمعلمة، والطفل يقتدي بمعلمته، كاقتدائه بأمه، فلتحرص المعلمة أن تلقنه أمور دينه وفق المرجعية الدينية  بما يتماشى وسنه.

 

2- وللمرشدة الدينية في خطابها الإرشادي دور لا ينكر، فلتعمد إلى نشر تعاليم الإسلام التي تدعوا إلى التسامح والوسطية، وتصحيح الأخطاء ما أمكنها إلى ذلك سبيلًا.

وكذا، دورها التوجيهي من خلال مجالس الإفتاء التي تتلقى فيها المرشدة أسئلة تبحث صاحباتها عن إجابات تحوي أحكامًا شرعية، فلتفعل في حدود ما هو مخول لها، ويجب أن يكون ذلك في إطار المرجعية الدينية لبلدها.

 

3- أما ذات المؤهل العلمي العالي، فيكون إسهامها بعقد الندوات والمحاضرات، بمواضيع تصب في إطار مرجعيتها الدينة: كالتعريف بعلماء بلدها الأحياء منهم والأموات، وإبراز دورهم الريادي في المحافظة على تلك المرجعية، وقدرتهم على إيجاد الحلول والإجابة على أسئلة المستفتين، فترشِّد الفتاوى الفقهية، وبذلك كله يقر في العقول والأذهان أصالة تلك المرجعية وثباتها.

وكذا، إعداد الدروس الفقهية الموجهة للنساء، وفق المذهب الفقهي السائد في بلدها، خاصة ما تعلق بالمسائل التي يكثر سؤال النساء عنها، حتى لا تلجأ هاته الفئة للبحث عن ضالتها عبر شبكات الإنترنت، فتعمل بمرجعية غير مرجعيتها.

وكذا، جميع الموضوعات، التي من شأنها أن تساهم بشكل أو بآخر، في حماية المرجعية الدينية.

 

الخاتمة:

        وأسجل فيها أهم النتائج المتوصل إليها، كما يلي:

1- المراد بالمرجعية الدينية في هذا المقال: الإطار الشرعي القائم على فهم وتطبيق الإسلام في بلد معين، والمحتكم إليه في شؤون الناس الدينية: عقائدية كانت، أم فقهية.

 

2- حماية المرجعية الدينية، تكون بالدفع عنها، والمنع من الإنحراف عنها، كليًا أو جزئيًا، أو التشويش عليها عند التطبيق، بإدخال ما ليس منها فيها، حتى لا تختل الموازين، وتحدث الفوضى، وتتأجج الفتن بين الناس، فتزول نعمة الاستقرار.

 

3- إن تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية، لن يؤتي أكله إلا بإزالة العقبات التي تحول دون تحقيقه، وذلك بتفعيل الآليات الخادمة لهذا الدور، داخل إطار الأسرة، وخارجها.

 

4- وأختم هذا المقال بالقول: لحماية المرجعية الدينية: يجب استنهاض همم الأفراد عمومًا رجالًا ونساء، عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية، والمحاضن التربوية.

 

وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

ثبت المصادر والمراجع

 

*القرآن الكريم.

1- الزواج الإسلامي السعيد، لمحمود المصري. القاهرة: مكتبة الصفا. الطبعة الأولى: 1427ه/2006م.

2- صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري. تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. دار طوق الحمامة. الطبعة الأولى: 1422ه.

3- قراءة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)- المؤتمرات الدولية حول المرأة، لنهى قاطرجي، بحث منشور على موقع: https://www.saaid.net/daeyat/nohakatergi/64.htm   تاريخ التصفح: 15/04/2019.

4- لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين بن منظور. بيروت: دار صادر. الطبعة الثالثة: 1414هـ.

5- مختار الصحاح، لعلي بن أبي بكر الرازي. ضبط وتخريج وتعليق: مصطفى ديب البغا. الجزائر: دار الهدى. الطبعة الرابعة: 1990م.

6- المدخل، لأبي عبد الله محمد بن الحاج. دار التراث.

7- المرأة في الإسلام، لعلي عبد الواحد وافي. القاهرةك نهضة مصر- 1979م.

8- المرجعية معناها وأهميتها وأقسامها، لسعيد بن ناصر الغامدي. بحث محكم، منشور بمجلة: جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية. العدد: 50. رجب: 1431ه.

9- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، لأحمد بن محمد الفيومي. بيروت: المكتبة العلمية.

10- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، إعداد: إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار. دار الدعوة.

11- موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي. أبو ظبي- الإمارات: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان. الطبعة الأولى: 1425ه/2004م.

 

 

([1]) موطأ الإمام مالك (تحقيق: الأعظمي)، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، رقم (3338): 5/1323.

([2]) سورة البقرة: 228.

([3]) المصباح المنير، للفيومي: 1/153.

([4]) مختار الصحاح، لأبي عبد الله الرازي، ص: 82.

([5]) لسان العرب، لابن منظور: 14/198. (مادة: ح م ا).

([6]) سورة المائدة: 105.

([7]) المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، لمجموعة من الأساتذة: 1/331.

([8]) المرجعية معناها وأهميتها وأقسامها، لسعيد بن ناصر الغامدي، ص: 382.

 

([9]) قراءة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)- المؤتمرات الدولية حول المرأة، لنهى قاطرجي، بحث منشور على موقع: https://www.saaid.net/daeyat/nohakatergi/64.htm   تاريخ التصفح: 15/04/2019.

 

 

([10]) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم (1385): 2/100.

([11]) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب تبتغي مرضاة أزواجك، قد فرض الله لكم تحلة – رقم (4913): 6/156.

([12]) سورة الحجرات: 19.

([13]) المرأة في الإسلام، لعلي عبد الواحد وافي، ص: 11.

([14]) الموطأ، القبلة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، رقم (676): 2/277.

([15]) صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها، إذا كان لها زوج فهو جائز، إذا لم تكن سفيهة، فإذا كانت سفيهة لم يجز، رقم (2592): 3/158.

([16]) الزواج الإسلامي السعيد، لمحمود المصري، ص: 332-333.

([17]) قراءة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)- المؤتمرات الدولية حول المرأة، لنهى قاطرجي، بحث منشور على موقع: https://www.saaid.net/daeyat/nohakatergi/64.htm   تاريخ التصفح: 15/04/2019.

([18]) المرجع نفسه.

([19]) المدخل، لابن الحاج: 4/299.

  1. بشير مغيلي يقول

    ماشاء الله تبارك الرحمان ….مقال نافع ومحكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page