كثيرا ما يروج للمرأة عند الغرب أو عندنا على حد سواء، بصورة نمطية لا تعكس واقعها ولا تتطلع إلى وظيفتها الحقيقية في الحياة ودوها في المجتمع؛ فتصور في الغرب على أنها المتحررة والمبجلة وصاحبة الحقوق، وتحت يافطة الحقوق والحريات تبتذل وتستغل في الفن الهابط والتجارة الرخيصة، وتغيب خصوصيتها أمام قدسية العمل، وحقوقها أمام واجبات الوطن، فلا تستثنى من الأعمال الشاقة والمرهقة؛ فهي التي تسوق الشاحنات وتقطع المسافات وتصعد المرتفعات في جبال “الألب” وسط الثلوج في معاناة يومية، ثم تُصور في الإعلام وكأنها المرأة المغامرة التي تتحدى قدرات الرجال، فتشارك كمجندة في الحروب، تقتل الأبرياء بكل قسوة، كتلك التي قتلت 36 أفغاني، فقط لتثبت أنها ليست أقل قسوة من الرجال، ثم تظهر في الفضائيات وهي تلتقط صورها مع الأطفال وتحتضنهم.
وهي التي تفقد في المجتمع الرعاية الطبيعية، والعناية النفسية الحقيقية، أثناء فترة المراهقة خصوصا، باسم الحماية القانونية، حيث يتاح لها رفع شكوى ضد والديها إذا ما استبد بهما الحنان، وتدخلا في شأنها، وهم يرونها تحت رحمة الذئاب، تتوهم حنانا كاذبا أو صادقا، وصدرا حانيا أو ترفا مدمرا، فتتيه في حالة من الفراغ، إما الضياع أو الضباع.
أما صورتها في بلادنا العربية والإسلامية، فقد أصبح الحديث عن المرأة مرادفا للحجاب، والحديث عن العفة مرادفا للتقوقع والانكماش، وكأن الحجاب حُجب عن المجتمع، والخمار غطاء للعقل، وصار غض البصر غبشا لرؤية المستقبل، والحشمة حائلا دون المساهمة في صناعته، وخدمة الزوج حائلا دون خدمة المجتمع والوطن، والبقاء في البيت مقدم على اقتحام ميادين العلم والمعرفة والإبداع.
إن وسائل الإعلام والمثقفين في العالم اليوم تروج إلى هاتين الصورتين؛ صورة التحرر المتفلت عند الغرب، والالتزام المتزمت عند المسلمين، في حين بين هاتين الصورتين حقائق أخرى مشرقة عن صورة المرأة التي تقدم خدمة جليلة للبشرية كلها، مؤدية دورا رياديا في المجتمع الغربي لا ننكره.
صورة أخرى ملهمة للمرأة المسلمة وحقوقها في الإسلام، وما يمكن أن تقدمه للبشرية لإنقاذها من التيه الذي سببه ابتذال المرأة وتسخيرها كأداة لتدمير المجتمعات.
إن من النماذج المشرقة في الغرب، دور المرأة في العلم والبحث، وكيفية نفعها البشرية في تحد للواقع الاجتماعي والديني، من ذلك صورة العالمة الفيزيائية والكيمائية “ماري كوري”، التي بدأت حياتها مدرسة ومربية في المنازل، حيث كانت جامعة وارسو مخصصة للذكور فقط، فكسرت التقاليد بانضمامها إلى جامعة سرية، ثم انتقلت إلى باريس لتواصل دراستها، وتكون رفيقة لزوجها “بيير كوري” في المخبر، حتى حلت بها الكارثة الأليمة في وفاة زوجها فخلفته في الجامعة كأول امرأة بروفيسور بالسوربون، و تعد “ماري كوري” أيضا أول امرأة تنال جائزة نوبل مرتين، حيث اكتشفت بأبحاثها عنصر “البولونيوم” الذي سمته على اسم بلدها “بولندا”، إضافة إلى اكتشافها “الراديوم”، كما طورت استعمال الأشعة السينية، وطورت أبحاثها عن ذرة “اليورانيوم”، فأسست ما يسمى بالنشاط الإشعاعي، فوضعت بذلك لبنة جديدة في “الفيزياء الذرية”، ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية كانت مسعفة للجنود، فأنقضت كثيرا من الجرحى من الموت بأجهزتها الجديدة المتطورة ، فماتت وأنابيب الاختبار في جيبها، بسبب تأثير هاته الأشعة على جسمها، إنه الوجه المضيء للمرأة الغربية الذي ينبغي الاحتذاء به.
وأعتقد أن أحسن من وصف الحضارة الغربية هو الشاعر “محمد إقبال” الذي عاش بين أحضانها ونال فيها أعلى الدرجات العلمية عندما قال: “إن الحضارة الغربية لا تشكل خطرا وجوديا بقدر ما هي تحديا إيجابيا”، لكننا استسهلنا الأحكام الجاهزة على المنظومة الغربية، التي عجزنا أن نواكبها في شقها العلمي والمدني، واستسلمنا لنظرتنا القاصرة على تراث أمتنا الذي لم نستطع أن نخرج منه كنوزا استفاد منها الغرب قديما واستفاق بسببها من نومه وخرج من تخلفه.
إننا إلى ثورة نسائية كبيرة يرتفع فيها صوت المرأة؛ ثورة كـ “ثورة النساء” الشهيرة التي غيرت مجرى التاريخ، حين خرجت النساء في مسيرة حاشدة من باريس إلى “قصر فرساي”، أين قابلتهن الأميرة “انطوانيت” المرفهة، ثم سألتهن ماذا يردن، فقلن: الخبز، فقالت لهن ساخرة أو جاهلة: “فليأكلن القاتو”، فكانت سببا في تأجيج ثورة استغرقت 80 سنة، حتى نال الشعب الفرنسي حريته وجمهوريته، وتحرر من سلطة الطبقة البورجوازية والكنيسة الجائرة. وانتقلت الثورة إلى سائر دول أوربا. وكان شعارها: “فلنبحث عن الخباز وزوجته وصبيه”، حيث كان قصدهن “لويس السادس عشر” والملكة “ماري أنطوانيت” و”الدوفان” وريث العرش”.
هاته هي الثورة التي نريدها وينبغي أن نقتدي بها، ليس تلك التي خرج حينها الطالبات في مظاهرات 1966م وملأت شوارع باريس طلبا للحرية، والدعوة للخلاعة كرد فعل على سلطة الكنيسة،إذ كانت المرأة الأوربية قبل ذلك لا تملك الحق في جواز السفر ولا الحساب البنكي، وليس لديها حق التصويت، لكنها حين انتفضت، تجاوزت في مطالبها إلى حالة الانحدار نحو الفجور والمجون والابتذال الذي لازالت تعاني منه البشرية كلها إلى يومنا هذا.
لقد تحدث الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد” عن ثورة النساء، وجعلها أحد شروط التغيير في المجتمعات فقال:
“إن العوام لا يثور غضبهم إلا بعد أحوال مخصوصة مهيجة ومنها:
- عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على المظلوم يريد الانتقام لناموسه.
- في حالة مجاعة أو مصيبة عامة لا يرى الناس فيها مواساة ظاهرة من المستبد.
- عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار”.
إذا فالمرأة يمكنها أن تثور وأن تبادر وأن تقود.
إن المرأة في بلادنا العربية والإسلامية، تحتاج إلى ثورة نسائية، تعيد للمرأة أدوارها في التصدي للثقافات الغربية، وتقديم البدائل الحضارية والثقافية والعلمية، في كل مجالات الحياة تحت شعار: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا”، فالمرأة صوتها مسموع وحركتها ملفتة، وثورتها إن حدثت ستكون لها أبلغ التأثير، خصوصا في المجتمعات الغربية، وإن شئتم فانظروا كيف أرعب الحجاب الحكومات الأوربية، التي أصبحت ترى فيه اختراقا ثقافيا، وتهديدا اجتماعيا.
فدور الطالبة مثلا أن تثور وتنزع حجاب العقل لا حجاب العفة، أن تلج المخابر، أن تكتب في الصحيفة وتصعد المنصات، أن تقتحم مجالات الإبداع، فليس ذكاؤها أقل من ذكاء الرجل، أن تواجه الكاميرات بالنظرة الثاقبة واللسان الفصيح، أن تخاطب الجماهير بالشخصية الجادة الواثقة، لا الشخصية المنكسرة.، وأن تقتحم مجالس التنفيذ والاستشارة، فليس رأيها بأقل رجاحة من رأي الرجل.
لقد حمل بعضنا آية “﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: 32)، مالا تحتمل، فليس كل الناس مرضى، وليس الحياء والعفة سكونا وركونا، إنما هو طهارة النفس وحياء القلب وعفة اللسان، يحتاج المجتمع إلى كلمة المرأة وحضورها، إذ ليس عقل المرأة ولا إرادتها بأقل من عقل وإرادة الرجل، بل إنها تفوق عليه بحرصها، وترشيدها وأمانتها على المال، وفي المجتمعات الراقية أينما حضرت المرأة، حضر معها الأدب والاحترام وخفض الصوت واختيار الكلمات، وحتى الانضباط والأناقة واللياقة.
حين ذاك وبذلك يمكننا أن نغزو الغرب بعقل المرأة وعفتها، كما غزانا بجسدها وانحرافها.
إن الفارق بينا وبين الغرب أننا نملك منهجا واضحا مهدى من رب العالمين، لا نعيش معه حالة التضارب الفكري والتيه الفلسفي، ولا زال الضامن الأكبر لاستمرار مجتمعاتنا يتمثل في تماسك الأسرة، كما أن المؤشر الأساسي لتفتت المجتمعات الغربية هو تلاشي هاته البنية الأساسية، وتدمير العلاقات الأسرية وتعويض علاقات الرحم بالصداقات العامة العابرة.
إن أكبر ما يحتاج إليه الغرب هو السكينة، والحضن الأسري، والطمأنينة الاجتماعية، ذلك أن الطفل في الغرب يفتح عينيه على المساعدة الاجتماعية عوض والديه، وعلى رعاية الدولة عوض أسرته، فتنشأ الفتاة مرتبط بالمربية التي توفر لها كل شيء إلا الحنان والأمومة، والدولة التي توفر لها كل شيء إلا القيم والأخلاق، فتتربى على التمرد والقسوة، فتتيه في الشارع تبحث عن صدر حاني، ويد ممتدة، وطريق ممهدة.
على عكس مجتمعاتنا التي شكلت فيها الأسرة ضمان تماسك المجتمع والقيم الهادية، والأعراف القائدة، رغم غياب وصاية الدولة، وتقصيرها الشديد في العناية بها، ورغم الاختراقات الثقافية، واتفاقيات “سيداو”، التي تدعو للانتقال من حالة التكامل إلى حالة التماثل بين المرأة والرجل.
إلا أن مجتمعاتنا لا زالت تفرض ثقافتها وتقاليدها، خصوصا في قرانا ومدننا، ولازالت الفتاة تعتبر كل أقرانها من العائلة إخوة لها، وأقران أبيها هم أعمامها، وأقران أمها خالات وعمات، فما أحوج المرأة إلى حضن الأسرة ورعاية المجتمع ثم حماية الدولة بعد ذلك.
إن أهم ما يمكن أن نقدمه اليوم إلى الغرب، صورة مجتمع تلعب فيه المرأة أدوارها في تكامل وليس تماثل، وصورة المرأة التي لا زالت تنسبها في بعض مجتمعاتنا إلى أبيها، وفاء وولاء، ورسالة لزوجها الذي سيصير أبا، وتتوارث المجتمعات علاقات الوفاء والمحبة، وتكتسب الأسر الصلابة والمناعة، والمرأة الرعاية والحماية.
تحضرني أخيرا قصة جميلة سمعتها، عن زوجة كانت تتجول مع زوجها ذات ليلة في حديقة البيت في الأيام الأولى من زواجهما، وفي يدها بعض الفاكهة، يأكلان منها، وترمي الزوجة الفتاة بعظمة الخوخ في زاوية من الحديقة، وإذا بها تنمو وتكبر، فتتفقدها الزوجة كل يوم بالرعاية دون أن تشعر زوجها بذلك، حتى كبرت الشجرة وبدأت ثمارها بالنضوج، وهي ترقب أول ثمرة، فتقطفها وتقدم حبة الخوخ كأجمل هدية لزوجها، عربون وفاء لحياتهما، ثم تروي له القصة كاملة بعد ذلك، لعل مثل هذه الصورة عن المودة والرحمة بين الأزواج، وعن الرعاية والفضل هي أفضل هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا، كي يعيشوا الطمأنينة والسكينة، ونقدمها لوطننا وأمتنا كي تنتشر فيها معاني الأخوة والرحمة بين شعوبنا، وللإنسانية كي يسود فيها التعايش والسلم بدل العداء والتصادم.
بورك فيكم أستاذ …هذا الموضوع بالذات يشغل بالي منذ مدة وأدعو إلى ترشيد حركة النسوية الإسلامية وعدم التشويش عليها مثلما تفعل بعض الأصوات وتقيسها على النسوية الغربية المتمردة على كل القيم