– أيها القارئ الكريم إياك أن تصدر ضدي حكما بالتحيز الجنسي ضد الرجال،ولكن ما دفعني إلى كتابة هذه السطور كوني امرأة تعيش آلام النساء..فالحديثعن هذا الموضوع شاق جدا ولكن فليتسع صدرك ولنحاول معا نساء ورجالا أن نحمي مستقبلنا بالحوار في قضايانا.
يبدو الحديث عن المرأة شائكا جدا في ظل زمن التصنيف وإطلاق الأحكام،ولكن غرابة المسألة تكمن في السجالات الطويلة التي تناولتها لقرون من دون الفصل فيها،وإن كان مرد ذلك إلى اختلاف المنطلقات والأسس التي تحكم الرؤى المستند إليها،ما يؤدي منطقيا إلى نتائج مختلفة؛على الصعيدين الفكري والعملي.
إن القضية رغم تشعباتها تضعنا وجها لوجه أمام الروافد التي تغذيها،مع الأخذ بعين الاعتبار عاملين مهمين هما العامل التاريخي والعامل الاجتماعي،إذ أنهما ساهما في صياغتها بالشكل الذي نراه ونعايشه في المرحلة الراهنة،خاصة وأن الكثير من الإشكالات القديمة لا تزال كثيفة الحضور في المشهد المعاصر.
إن المرأة التي كرمها الإسلام في نصوصه المقدسة أهانتها المجتمعات الإسلامية، تحت مسمى الإسلام ذاته،وهو ما يدعونا للتساؤل عن المنهجية المتبعة في تأويل النصوص الدينية!ولا يعني هذا أن الرجل يعيش في وضع مختلف،لأن المشكلة أساسا متعلقة بالإنسان أولا؛من حيث تصور ماهيته ووظيفته في الكون ورؤيته له أيضا،وأي اختلال في بنية هذا التصور سيحدث اختلالات أعمق على مختلف المستويات.وإن كان الظاهر يدل على أن السلطة في المجتمعات الإسلامية للنص الديني(قرآنا وسنة)،فإن الواقع يدل على خلاف ذلك،إذ أن السلطة الفعلية في كثير من الأحيان تكون للعادات والتقاليد الاجتماعية المتشبعة بمختلف أنماط التدين المغلوط.
أساس الخلقة:
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»الأعراف:189
يعبر التمييز الممارس ضد النساء وما ينتج عنه من عنف واضطهاد وتحرش عن وجود خلل في النظر إلى المرأة سواء في أماكن العمل أو داخل الأسر أو في الشوارع والأماكن العامة،فالأمر لا يتعلق هنا بكائن حر ومسؤول يمتلك الصلاحيات الكاملة في اتخاذ قراراته وتسيير شؤون حياته،بل بجسد أنثوي يرتبط بالنقص والتبعية،وبالتالي فهو المسؤول الأول عن كل الأضرار التي تلحق به من طرف أشخاص يتسمون بالكمال فقط لكونهم ذكورا! ألا تجد أن حديث (النساء ناقصات عقل ودين) دائم الحضور في المناقشات الطويلة المتعلقة بقضايا المرأة؟وهو ما يضعنا أمام عائق آخر: تطويع النصوص قرآنا وسنة من أجل تكريس النظرة الدونية للمرأة ومنحها الشرعية الدينية،وبالتالي فإن تأويل هذه النصوص بطريقة مغلوطة أو عزلها عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية التي وردت فيها يولد سلطة خفية تتحكم في رؤية المرأة،إذ يصعب مجابهة الأمر ذو الطابع الديني وتغيير الذهنيات المرتبطة به.
من ناحية أخرى فإن هذا الغلو في استغلال النصوص الدينية قد أنتج غلوا لا يقل خطرا عنه،إذ أن التيارات النسوية التي انتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة في معظمها تربط الدين بتدني مكانة المرأة في المجتمعات الإسلامية وتغفل عن مختلف الجوانب التي ساهمت في تشكيل الوضع الحالي.لأن المشكلة أساسا تتعلق برؤيتنا للإنسان بداية،ثم ما ينجر عنه من رؤى تحكم رؤيتنا للعالم وقضاياه.وبالتالي فإن ردود الفعل المتطرفة لا تنتج إلا شبيهتها سواء ما تظهره مستويات النقاش بين مختلف التيارات في القضية،أو ما نلمسه من انعكاس ذلك على الواقع.إذ أن الرؤى النسوية تهمش دور الرجل وتقصيه تماما كما تفعل الرؤى الرجعية التي تجعل من المرأة كائنا ناقصا أو أقل مكانة.
إن الله عزوجل عندما قال:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ النساء:1،قد بين أصل الخلقة المشترك بين الجنسين،وهي نقطة مفصلية،تعضدها الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»الحجرات:13.إذ تجعلالتقوى كمعيار للخيرية،وهو ما ينافي الأحكام البشرية التي تقيم التفرقة بين البشر على أساس اللون أو العرق أو الانتماء الأيديولوجي. إنها قاعدة مهمة تحتكم إليها العلاقات بين بني آدم بغض النظر عن الاختلافات الإثنية أو الجنسية،وبالتالي لا يجب فصل قضية المرأة عن هذه النقطة بالذات،باعتبارها المنطلق الأساسي الذي يوضح الرؤية القرآنية التي وازنت بين الحقوق والواجبات،ولم تجعل الاختلاف الجنسي عائقا أمام البناء الحضاري،لأن الاستخلاف وحمل الأمانة لا يختص بالرجال دون النساء أو العكس.وهو ما نلحظه أيضا من خلال السيرة النبوية الشريفة،إذ أن الصحابيات رضوان الله عليهن كن جنبا إلى جنب رفقة النبي الأكرم _صلى الله عليه وسلم _وصحابته الميامين في بناء المجتمع الإسلامي الوليد،رغم كل التحديات التي واجهنها،إذ كن حاضرات في الهجرة النبوية وفي الغزوات والحروب،وفي المسجد تباحثن النبي وتسألنه عن أمور دينهن،وبالتالي فإن إقصاء النساء من الحياة العامة وتهميش دورهن فيها لم يكن وليد المرحلة النبوية على الأقل،إذ امتلكن حرية التعبير وشاركن في تشييد وبناء مجتمعهن،خاصة وأن وضع المرأة في تلك الفترة كان نقلة نوعية بالمقارنة مع ما كان سائدا في الجاهلية.وتاريخنا حافل بسير نساء عظيمات كتبت أسماؤهن من ذهب في المجالات التي برعن فيها.
إن تجريد المرأة من أهميتها أو الانتقاص من مكانتها هو تهديد مباشر للأسرة المسلمة،وبالتالي هو مساس بأساس تشكيل المجتمع وتطوره ورقيه.واستعادة المرأة من الاستيلابين التراثي بما يحمله- في الكثير منه- من رؤية دونية لها،والحداثي بما يحدثه من شرخ على مستوى تقسيم الأدوار بينها وبين الرجل في المجتمع، أو بما ينتج من تطرف في التعامل مع قضايا المرأة بشكل عام.هو حماية “للأمة” كمفهوم عميق في السياق الإسلامي.ونحن مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على الوجه الحضاري للأمة الإسلامية،ناهيك عن محاولة النهوض الحضاري،كل في مجاله،وكل حسب طاقته واستطاعته،وإن كانت المرأة جزءا من المشكلة فهي جزء من الحل أيضا،وإشراكها في عملية التغيير والبناء هو مطلب ضروري من أجل تجاوز هذا الركود الحضاري الذي يهدد حاضرنا ومستقبلنا.