حُسن التبعّل بين الرجل والمرأة: فهم نفسي وممارسة راقية في ضوء الهدي الإسلامي – د . سمية صالحي -الجزائر-
حُسن التبعّل بين الرجل والمرأة: فهم نفسي وممارسة راقية في ضوء الهدي الإسلامي
بقلم: د . سمية صالحي
في عمق العلاقة بين الرجل والمرأة، يختبئ شيء أرقى من مجرد توزيع أدوار أو تلبية حاجات ظاهرية. إنها رقصة نفسية وروحية، تنبني على الفهم، والرعاية، والاحتواء المتبادل. وهنا يبرز مفهوم حسن التبعّل، ليس كمجرد سلوك أنثوي يُطلب من الزوجة، بل كقيمة إنسانية مشتركة، يمكن أن يمارسها كل من الزوج والزوجة — بل يجب عليهما.
في هذا المقال، نغوص في جذور هذا المفهوم، مستنيرين بالتحليل النفسي المعاصر والهدي الإسلامي، لنكشف كيف يمكن أن يصبح التبعّل أداة للارتقاء بالعلاقة الزوجية، وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي
أولًا: ما هو “التبعّل”؟… المفهوم من جذوره
في اللغة: التبعّل مأخوذ من “البعل”، وهو الزوج، ومعناه التودد والتجمّل والتفهّم.
في السُنة: ورد في الحديث عن النبي ﷺ:
“ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود، الولود، العؤود على زوجها، التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها ثم تقول: لا أذوق غمضًا حتى ترضى.”
لكن… هل التبعّل مقتصر على المرأة؟
الواقع أن السُنة النبوية تعكس صورة مغايرة، أكثر توازنًا: النبي ﷺ كان يتبعل لزوجاته أيضًا، يخدم في بيته، يُنصت، ويشاور، ويُظهر العاطفة.
ثانيًا: التبعّل من منظور التحليل النفسي
يشرح التحليل النفسي أن كل إنسان يحمل صورًا داخلية عن شريك الحياة، تشكّلت في الطفولة، غالبًا من علاقة الفرد بوالديه. هذه الصور تؤثر على توقعاتنا، مشاعرنا، وحتى طريقتنا في الحب.
الرجل مثلًا قد يبحث في زوجته عن حنان أمّه، أو دعم لم يتلقه في طفولته. والمرأة قد تبحث في زوجها عن سند افتقدته في بيتها الأول.
لكن حين يدخل كل طرف العلاقة وهو “يتوقع” من الآخر أن يشفي جراحه دون وعي، تنشأ الخلافات. هنا، يأتي دور التبعّل الواعي، لا كاستجابة للخوف أو الحاجة، بل كفعل حب ناضج يعترف بأن الآخر إنسان، لا منقذ.
ثالثًا: التبعّل السليم… بين المرونة النفسية والتكامل الاجتماعي
في علم النفس: التبعّل يعكس النضج العاطفي. هو القدرة على التكيّف مع مشاعر الآخر، بدون فقدان الذات.
في الإسلام: هو عبادة يومية، وميدان للمودة والرحمة، لا ساحة للسيطرة أو الخضوع.
“وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” – أي بما تعارف عليه الناس من حسن المعاملة، لا الجفاء، ولا التجاهل.
٠٠٠التبعّل ليس ضعفًا بل وعي بالديناميكية:
حين تتجمل المرأة لزوجها، تستقبله بابتسامة، أو تُنصت له بعد يوم شاق، أو تناديه بأحب الأسماء إليه ، أو الالقاب .. فهي لا تتنازل عن كرامتها، بل تُحسن زرع السكينة في بيتها.
وحين يُبادر الرجل بحمل طفل، أو سؤال زوجته عن شعورها، أو يربت على كتفها في لحظة توتر، فهو لا يُفقد هيبته، بل يرسّخ رجولته الآمنة.
رابعا: كيف يُمارس التبعّل في الواقع اليومي؟
- بالإنصات لا المقاطعة
أن تستمع لشريكك حتى النهاية، دون سخرية، دون دفاع، فقط إصغاء صادق.
- بالمبادرة لا بالمحاسبة
أن تُبادر بكلمة طيبة، بمساعدة غير متوقعة، بدل أن تقول: “أنا دائمًا أبدأ.”
- بتقدير العطاء لا افتراضه
أن تقول: “شكرًا لأنك جهزت الغداء”، بدل “هذا واجبك!”
- بالاحتضان لا الصدام
عندما تكون العلاقة مرهقة، أحيانًا حضن صامت يُعالج أكثر من نقاش طويل.
خامسا : منطق الرحمة بدل منطق السيطرة
حين يُفهم الزواج على أنه ساحة لتزكية النفس، لا مجرد عقدٍ لإشباع الحاجات أو ترتيب الأدوار، تنقلب كثير من المفاهيم التقليدية رأسًا على عقب. فالعلاقة الزوجية في أصلها، ليست علاقة تفوق وخضوع، بل علاقة تكامل ورحمة.
في منطق التزكية، لا يبحث الزوج عن أن يكون “سيّدًا يُطاع”، ولا تسعى الزوجة لأن تكون “أمَة تُنفّذ”. بل يرتقي كلاهما إلى مقام أسمى: مقام الرحمة الواعية، والوعي المتبادل، والنمو الداخلي عبر الشريك.
- السلطة تتحول إلى مسؤولية
في هذا المنطق، لا تعود “القوامة” مبررًا للهيمنة أو لإلغاء شخصية المرأة، بل تصبح القوامة مسؤولية عميقة، ترتكز على المعرفة بطبيعة الأنثى، والحماية النفسية والمعنوية لها، وصون كرامتها ورعاية احتياجاتها، تمامًا كما يرعى الإنسان نفسه.
القائد الحقيقي لا يُشعر مَن يقودهم بالخوف، بل بالأمان. ولا يحتكر القرار، بل يُشرك، ويحتوي، ويوازن بين الحزم والرحمة. فالرجولة الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في سَعة الصدر.
- الطاعة تتحول إلى محبة واعية
الطاعة في منطق الرحمة، لا تنبع من ضعف أو خنوع، بل من اختيار حرّ نابع من الحب والاقتناع، ومن فهم المرأة لدورها في بناء البيت والعلاقة. إنها طاعة تُبنى على الثقة، لا على الخوف. على التفاهم، لا على التهديد. على المشاركة، لا على الإلغاء.
وحين تعطي المرأة طاعتها بهذا المعنى، فهي لا تُنقص من نفسها شيئًا، بل ترفع مقام أنوثتها، وتُسهم في تهذيب رجولة شريكها، وتحفظ التوازن النفسي بين الطرفين.
- التبعّل يتحول إلى لغة نفسية راقيةفي هذا السياق، لا يصبح التبعّل مجرد زينة خارجية أو سلوك نمطي لإرضاء الزوج، بل يتحول إلى لغة نفسية رفيعة، تعبّر بها المرأة عن حبها، وعن ذكائها العاطفي، وفهمها العميق لطبيعة زوجها واحتياجاته.
هو فن لا تبرع فيه إلا امرأة راقية الوعي، تفهم أن الكلمة الطيبة، والنظرة الحنونة، والاستقبال الدافئ، ليسوا ضعفًا ولا تقليلًا من قدرها، بل وسائل لصناعة الاستقرار النفسي داخل البيت.
في الأخير ..
التبعّل… سُلوك نُضج لا قيد في العمق، حسن التبعّل ليس مهارة للعلاقات فحسب، بل انعكاس لنضج النفس.
هو أن ترى الآخر وتفهمه، لا أن تُعيد تشكيله حسب جروحك.
هو أن تبني سكنًا، لا ساحة نزاع.
ففي البيت، كما في القلب،
السكينة لا يصنعها منطق القوة… بل فقه الرحمة، والتبعّل بالحب، لا بالخوف.