حصريا

خاطرة عُمرانية من وحي عملية طوفان الأقصى – د. علياء العظم – سوريا –

0 1٬366

بسم الله الرحمن الرحيم

خاطرة عُمرانية من وحي عملية طوفان الأقصى

د. علياء العظم

في خضم الأحداث المتلاحقة لعملية “طوفان الأقصى”، والأخبار التي تصلنا تباعاً عبر وسائل الإعلام، والمشاهد المتنوعة التي تخترقنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمنشورات المتلاحقة التي تحاول تشكيل وجداننا والتأثير في ضمائرنا، على اختلاف اتجاهاتها وأهدافها، وما يقابل ذلك من مجهودات تفاعلية نبذلها لنكون على مستوى الحدث، في خضّم كل ما سبق نجد أنفسنا نحيا تحت وطأة مشاعر متنوعة، تصنع انفعالاتنا وتشكّل مزاجنا، وتؤثّر على علاقاتنا، وعلى أداء مهامنا اللازمة، وعلى جودة أدوارنا المطلوبة منا وخاصة في هذه المرحلة الحرجة من حياة أمتنا.

تلك المشاعر كثيراً ما تكون متناقضة فتعبث بنا يميناً وشمالاً، ترفعنا حيناً وتخفضنا أحياناً، تطمئننا  مرةً وتقلقنا مرات، تدفعنا للتفاعل البنّاء حيناً، وتسقطنا في العجز المؤسف أحياناً، فهي تتراوح بين مشاعر اعتزاز بما أقدم عليه المجاهدون، وبين مشاعر ألم لما حلّ بإخواننا في غزة، بين مشاعر أمل بالنصر الموعود للمؤمنين، وبين مشاعر غضب من ممارسات المجرم المحتل، بين مشاعر أمل بحكمة المجاهدين وصبرهم وثباتهم، وبين مشاعر العجز تجاه تقديم العون لهم، هذا كله إضافة لمشاعر الخزي والعار لضعف أمتنا وتقاعسها عن نصرة الأهل وحماية الأرض والمقدسات.

في خضم المشاعر المتنوعة السابقة أدعوكم للتوقف قليلاً، واستنشاق نفس عميق وإطلاق البصر والبصيرة، والتأمل في الحدث من ارتفاع يتجاوز المشاعر والانفعالات، يتعدى الأحداث الآنية إلى المآلات، يتجاوز المساحة والمكان، يخترق الحاضر ليربط بين التاريخ والمستقبل، ويتفكر بما هو كائن وما هو آت، ويتبصر بما هو مطلوب ولازم للتوازن والإنجاز في مسارات العُمران التي توصل إلى النصر الموعود.

 بداية اتركوا التركيز على أمور ثلاثة:

أولاً – دعكم من التركيز على الإجرام اللامتناهي الذي يحدث على غزّة، فالعدوّ معقّد ومركّب من قوى عالمية، تحركها أهداف تفتقد إلى أدنى القيم الإنسانية، وتفتقر إلى أبسط القواعد الأخلاقية، وتتجاهل أهم المواثيق الدولية، وذلك كله حين التعامل مع الآخر، علماً أن ذلك الإجرام هو الإنجاز الوحيد للكيان في مواجهة عملية طوفان الأقصى.

ثانياً – دعكم كذلك من التركيز على الشعور بالعجز تجاه الرد على تلك الوحشية، فالقيود كثيرة، والعوائق متعددة، ما بين ظلم عالمي، واستبداد داخلي، وتقاعس، وخيانات، وتخلف، وجهل، ونزاعات.

ثالثاً – دعكم من رفع سقف التأملات بالنصر التامّ الموعود، فالوعد يرتكز على قواعد وأساسات، ويبنى على خطوات ودرجات، ويسير وفق منهجية لها متطلبات، ولا يتحقق بالأمنيات والمعجزات، والجعبة لم تمتلئ بعد بالمتطلبات.

وركزوا على الشعور بأمور ثلاثة:

الأمر الأول:

لقد أقدم المجاهدون على عملية “طوفان الأقصى”، صباح السبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 _ رغم أن وحشية العدوّ كانت محتملة _ أقدموا عليها بدافع من واجب الدفاع عن المقدسات، وعن الأعراض، وعن البلاد، وعن الإخوة في المعتقلات، فهم لم يتغافلوا عن تدنيس المسجد الأقصى في عيد العرش، ولم يغضّوا الطرف عن صرخات الحرائر المرابطات فيه، ولم يديروا الظهور لمحاولات تغيير خارطة المنطقة لصالح المحتل، ولم ينسوا إخوانهم المعتقلين، وقد تقبّل أهل غزّة العملية بالرضا والاعتزاز رغم عظم التضحيات المتوقعة.

الأمر الثاني:

ذلك الإقدام لم يكن رد فعل طائش.. وإنما كان بتخطيط وتدبير، وإعداد محكم، وتربية وتدريب لشخصيات عرفت دورها فسعت له، وعرفت ذاتها فهندستها، وعرفت عدوّها فواجهته.

لو حاولنا استجلاء جهودهم في هندسة شخصياتهم في جوانبها الخمسة: الفكر، والوجدان، والجسم، والعلاقات، والمهارات، لوجدنا العجب، وذلك فقاً لما يلي:

  • في المجال الفكري: إنهم بنوا عقلياتهم بالمعارف والعلوم حتى تمكنوا من مجالات هندسية متعددة؛ مثل هندسة التكنولوجيا والاتصالات و الميكانيك وسلاح الجو، حيث استطاعوا ابتكار معدات وأدوات من ثروات الأرض، رغم الحصار الجائر، مثل: الطائرات المسيرة، والطائرات الانتحارية، ومظلات الهبوط، والصواريخ، والمقذوفات الصاروخية، والدراجات رباعية الدفع، والدراجات النارية، واستطاعوا التعامل مع أدق الأجهزة التكنولوجية، بداية من عمليات التضليل الاستخباري لأجهزة الاستخبارات في دولة الاحتلال، وعلى رأسها جهاز “أمان” المسؤول عن إعطاء تقديرات الموقف من الجيش للقيادة السياسية، ثم القدرة على إخفاء تفاصيل العملية والتحضيرات لها عن منظومة التكنولوجيا والتجسس الإسرائيلية، وحشد القوات وتنظيم المعدات والحفاظ على منظومة القيادة خلال المعركة، كما تمكنوا من تحديد المواقع المستهدفة بخرائط دقيقة.

هذا إلى جانب التمكن في المجالين الإداري والإعلامي، إذ أبدعوا في مجال الإدارة والتخطيط للعملية بما أنجحها، وزلزل الكيان الغاصب، كما أبدعوا في مجال الحرب النفسية، مما ساعدهم في تحقيق أهدافهم، وتغطية الحدث باحترافية عالية، ليراه العالم بأسره.

  • في المجال الوجداني: هم ثلّة رباهم كتاب الله تعالى، فتغلغل الإيمان في قلوبهم، وعلموا أن الله اصطفاهم ليكونوا في مواجهة عدو الله وعدوهم، فاختاروا أن يكونوا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ولا يكونوا مع القاعدين، وعلموا أنهم الأعلون إن كانوا مؤمنين، وأن تلك الأيام يداولها الله بين الناس، فتبخّر الخوف من العدو من قلوبهم، واستقر الصبر مكانه، وعلموا أنه الشديد ليس بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب فتمكنوا من إدارة انفعالاتهم في أصعب الحالات، وأكبر الأزمات،
  • في مجال الجسم: لقد تبين أنهم كانوا يجرون تدريبات ميدانية باستخدام مختلف المعدات، وذلك حسب ما نقلته الفيديوهات التي نشرت عنهم، الأمر الذي يبين أنهم اعتنوا ببناء صحة أجسامهم، وتدربوا على بناء القوة اللازمة لتنفيذ العمليات الجهادية.
  • في مجال العلاقات: ظهروا في العملية كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، والعملية لم تكن لتتم لولا العلاقات المتينة والمتناسقة فيما بينهم، ولولا الأدوار الموزعة بإحكام
  • في مجال المهارات: لا يخفى على أي متابع للحدث حجم المهارات التي امتلكها المجاهدون، فمن خطط امتلك مهارات إدارية ولوجستية، ومن ابتكر قد امتلك مهارات إبداعية، ومن نفذ فإنه امتلك مهارات تكتيكية، ومن نسّق وثبّت فمهاراته دبلوماسية، مما بيّن الأثر التطبيقي لما تعلموه وتدربوا عليه وأتقنوه، مما ساعدهم على الهجو م والدفاع، وعلى تحمل النتائج المتوقعة.

الأمر الثالث:

إن المعركة مستمرة، وإننا شركاء فيها بأمر من الله، وأن الصراع هو مع قوى عالمية معقّدة، لذا يلزمنا صناعة ذواتنا وصناعة مجتمعاتنا بمنهج علمي واعِ وشامل، منهج ينطلق من مقوّمات العُمران التي تتمثل في ثلاثية: (التسخير، والتمكين، والتكليف)، في ظلّ موجهاته التي تتمثل في ثلاثية: (فهم مستويات الخطاب الربّاني، والسنن الإلهية، والقيم الإيمانية)،  باتّباع آلياته التي ترتكز على ثلاثية: (خلق وتطبيق النفير بشقيه النفسي والعملي، إقامة فروض الكفاية، تحقيق القوة الرادعة والدافعة تجاه الأعداء)، حتى تظهر الثمرات المعنوية والمادية، والتي يكون منها العلوّ والظهور الجمعي، والنصر على العدوّ، الذي لا يتحقق بمجرد حركة من ثلة مؤمنة مهما كانت جادّة وعظيمة، وإنما يتحقق إن أتقنت الأمة (أو النسبة الفاعلة فيها) عُمران ذواتهم ومجتمعاتهم، بما يحتويه العُمران من معاني عميقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page