حصريا

“سيداو” وتكريس علمنة الأسرة – أ.سامية مازوزي -الجزائر-

0 78

سيداو وتكريس علمنة الأسرة

بقلم: سامية مازوزي

من المسلم به أن القوانين البشرية تشرع لتفرض نظاما معينا يعالج فوضى قائمة. لكنها في ذات الوقت تفرض نظاما يؤسسه صاحبها كما يراه، لا كما يجب أن يكون. كما انها في بحثها عن تكريس (الحق) وإقامة (العدل) قد تتوه عن المفهوم الحقيقي لكليهما، فتجد نفسها تستبدل فوضى بفوضى أخرى أقل أكثر تنظيما منها.

فكيف يمكن لاتفاقية كاتفاقية سيداو أن تهدم الأسرة في محاولة مزعومة لرأب الصدع في بنائها.

الأسرة كمؤسسة بناءة

الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الفرد؛ فهي المصدر الأول للتنشئة الاجتماعية والثقافية، كعملية مستمرة تشكل الأساس الذي سيبني عليه الفرد شخصيته، وهي الحاضنة الأساسية للقيم والأخلاق باعتبارها اول مساهم في تشكيل المنظومة الأخلاقية للمجتمع ككل، وهي النواة الأولى لتكوين الهوية الشخصية والوطنية حيث يبدأ الفرد في تكوين صورته عن ذاته وتعزيز انتمائه لمحيطه، وهي الداعم الرئيسي للاستقرار النفسي والعاطفي لبناء شخصية متوازنة وقادرة على العطاء.

لهذه الاعتبارات وغيرها اهتم المشرع الإسلامي بهذه المؤسسة وأولاها العناية الفائقة من حيث التأسيس وبناء العلاقات بين أفرادها: زوج وزوجة، أب وأم وأبناء، على قاعدة قيمية متعددة الأنساق تتأقلم مع مختلف المواقف الحياتية بين المودة و الرحمة والإحسان والبر والمصاحبة بالمعروف.

كما أولاها عناية مماثلة من ناحية القوانين الضابطة للحقوق والواجبات: باعتبار الزواج ميثاقا غليظا بين طرفين تجمعهما أركان مادية ومعنوية لا بد من ضبطها، (وَكَیۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّیثَـٰقًا غَلِیظࣰا). وباعتبار الأسرة مؤسسة متشعبة ممتدة نامية الموارد تمتد الحقوق فيها إلى ما بعد الوفاة، فوجب النظر في الحقوق إلى أبعد من المنفعة العاجلة (ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَیُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعࣰاۚ).

هذا النظام المحكم المرتبط بحبل الله والذي كان من ثماره حضارة عظيمة ملأت مشارق الأرض ومغاربها، هو نظام قابل للاستعادة وقابل لتدوير ما تبعثر منه من بقايا أمة تعطل عطاؤها بفعل معاول الهدم الداخلية والخارجية.

علمنة الأسرة ومكاسب الرأسمالية

إن ربط الأسرة بقيم الفطرة الإنسانية كان الداعم لها لأداء مهامها المنوطة بها في طريق إصلاح الإنسان وبناء الحضارة السوية.

يرتكز التصور الغربي للحياة على ركنين أساسيين: العلمانية والرأسمالية؛ فإذا كانت العلمانية تهدف إلى فصل الدين عن المؤسسات الاجتماعية ودفع الحياة نحو الماديات، فإن الرأسمالية تعتمد على الملكية الفردية وتحرير السوق. وبالتالي فإن العلمانية تعمل على توفير المناخ الذي يتيح للرأسمالية العمل دون قيود دينية، لتصبح قيم السوق هي الموجه للمجتمع.

وهكذا يعمل النظام الغربي من خلال سيطرته المادية والثقافية من علمنة المؤسسات الاجتماعية وعلى رأسها الأسرة من خلال فصلها عن الفطرة بحجة تحريرها من سيطرة نظام الكنيسة. فما هي الآليات التي اعتمدتها في سبيل ذلك؟ الجواب هو اعتمادها على تفكيك الروابط التي تضبط مؤسسة الأسرة وتجريدها من مهامها.

تفكيك الروابط

تعمد الفلسفة الغربية من خلال دعوى التحرر إلى فك الروابط الثنائية التي تخلق التفاعل البناء في الأسرة عن طريق استبدالها بروابط بديلة تغذي الصراع بدل التفاعل: فثنائية الزوج والزوجة تتحول إلى ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الوالد والولد تتحول إلى ثنائية البالغ والقاصر. فكيف يولد الصراع الهدام لمجرد تغيير بسيط في الأسماء والمصطلحات؟ الجواب هو أن التغيير لم يطل المصطلحات بقدر ما طال المهام والأدوار.

فأما ثنائية الزوج والزوجة التي كانت تربطها المودة و الرحمة ليؤدي كل منهما دوره في خلق مناخ سوي ينمو فيه الأبناء، تحولت إلى ثنائية الرجل والمرأة وبالتالي فصلهما وتحويل العلاقة بينهما إلى علاقة صراع وتضاد، علاقة يسيطر فيها التنافس على السلطة داخل الأسرة، ثم نقل الصراع إلى ساحة المجتمع على مكاسب مادية أساسها الملكية الفردية التي يروج لها النظام الرأسمالي، فتجرد الرجل من مهمة القوامة وتجرد المرأة من مهمة السكن. لأن القوامة في النظام الجديد هيمنة ذكورية، والسكن خضوع لا بد أن تتحرر من ربقته المرأة.

وبالتالي يتم إعادة تعريف دور الرجل والمرأة داخل الأسرة بفعل المعايير الدولية التي تروّج للمساواة بين الجنسين في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كما تنص عليه اتفاقية سيداو، حيث تعمل  بطريقة غير مباشرة على تغيير أدوار الأسرة التقليدية. وهذا قد يؤدي إلى تحديات في فهم الأدوار المحددة لكل من الزوجين في سياق الحياة الأسرية.

فالمادة 2 مثلا من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) حين تلزم الدول الأطراف بشجب التمييز ضد المرأة بجميع أشكاله، وتكريس مبدأ المساواة في الدساتير والقوانين الوطنية، مع اتخاذ تدابير لإنهاء ممارسات التمييز، هذه المادة لم تحدد مفهوما واضحا للمقصود بالتمييز ولم تحدد صوره؛ فما يعد تمييزا في المجتمعات الغربية قد يعد تفضيلاً في العرف والشرع الإسلامي، وهو ما تشرحه آية القوامة في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ ) النساء: 34.

ولعل هذا ما يجعل المادة 16 من اتفاقية سيداو (CEDAW) المادة الأكثر جدلاً، حيث تلزم الدول الأطراف بالقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة شؤون الزواج والأسرة، وضمان المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الحق في عقد الزواج، الانفصال، حقوق الأطفال، وإدارة الممتلكات المشتركة ذلك أن ما وراء هذا التصرف المطلق في إسناد الحقوق الشخصية والحقوق المالية عبث بالحق في اختيار الزوجين للقب العائلة مثلا! وعبث بالحقوق في ملكية الممتلكات وحيازتها وإدارتها كالميراث. وبالتالي عبث بمفهوم الحماية و الرعاية اللذان يحملهما مفهوم القوامة. وهو ما جعل هذه المادة، إلى جانب المادة 2، النقطة الجوهرية في تحفظات المجتمعات العربية والإسلامية  نظرًا لتعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية الراعية للدور المؤسساتي الحضاري للأسرة.

وهكذا تفقد الأسرة خصوصياتها المؤسساتية، لصالح مكاسب فردية وهمية، مغلفة بأسماء براقة، في ظل اتفاقيات تدعي الانصاف، بينما هي نصوص مفرغة من أي قيمة حقيقية ظاهرها حق وباطنها باطل.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page