حصريا

غزّة تحت الحصار والنّار: كيف تشكّل صمودها في ظروف استثنائية ؟ – أ.نصيرة سعيد -الجزائر-

0 367

 

غزّة تحت الحصار والنّار: كيف تشكّل صمودها في ظروف استثنائية ؟

أ.نصيرة سعيد – الجزائر//

عندما تُذكر غزّة، سيوثّق التاريخ المنصف ويذكر الأحرار المرتبطون بهذه القطعة المباركة، سنوات طويلة من الحصار، وزمنا ممتدّا من الصّمود، ورسوخا عجيبا في العقيدة، وتمسّكا مقنعا بالحياة، وتشبّثا قويّا بالأرض، وإيمانا عميقا بالنّصر، وحين نتأمّل في صمود الصامدين نتساءل: ما هي بواعثه ؟ وكيف تشكّل ؟ وكيف انعقد في القلب سراجا يهتدي به أطفالها، وشبابها، ورجالها، ونساؤها، وشيوخها، ومُرابطوها في فترات بلائهم الشديد ؟

إنّ من بين ما سمعناه مُتداولا بين الغزّيين شطر بيت للشاعر محمود درويش: ” نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا “، لكنّه لم يكن شعارا للترنّم والتّطريب، بل حبّا حقيقيا لبناء الإنسان، وإعمار الأرض، والاستمتاع بزينة الحياة الدنيا، وواجبا للاستمرار، في هدوء وسكينة الثابتين، وصبر وتجلّد المبتلين، وعزّة وأنفة المؤمنين.

غزّة هاشم بتاريخها الضارب في عمق التاريخ، مُستقرّ الملوك والأنبياء، ومنشأ التابعين والأخيار، وقلعة العزّة والمنعة في تاريخها الطويل، تلك التي لم يكن فيها غاز إلا نازلته، إلى أن طلع فجر الفتح الإسلامي (13ه) فجعلها أكثر استقرارا، فما إن وقعت كغيرها من أمصار المسلمين في قبضة الصليبيين، حتى خطّط الأحرار لفكّ قيدها، فحرّرها صلاح الدين الأيوبي (582 ه)، ثمّ صارت في عصرنا – بعد ضعف الدولة العثمانية وسقوطها – تحت وطأة الاحتلال تُختَبَر في صمودنا أمام قوى الشر من الصهاينة، والموالين، والعملاء، والخونة، والمنافقين، وترفع لواء المقاومة والتحرير إلى جانب أخواتها من مدن فلسطين، فكانت استثناء بينهن، وقطعة فريدة من الصمود في عيون العالم.

لقد كانت غزّة بموقعها الجغرافي، وزخمها التاريخي، وقيمتها الدينية باعتبارها جزءً من الأرض المباركة،  شريانا للحياة لمن لا حياة له، وكرامة لمن لا كرامة له، ومطمعا ومغنما للطامعين، وأعداء الحياة، ومُبغضي الإنسان، وسارقي الأرض، لذلك كيدت لها المكائد، وصودرت حرّيتها، وأُطبق عليها الخناق، وتمّت محاصرتها، إلاّ أنّها كانت دائما ترفع صوتها بكلمتها الفَصل ” إنّه لجهاد، نصر أو استشهاد “. فما هي دوافع كل ذلك كما سبق أن تساءلنا ؟

لقد فكّرنا في حركتها الدؤوب، واستنارتها بعد كل انطفاء، فوجدناها تستمدّ قواها، من عقيدة راسخة، وقرآن يُتلى أناء الليل وأطراف النهار، ومنهج في الحياة مرتبط بالآخرة، ورجال لا تغادر أيديهم الزِناد، ونساء مرابطات يستمدّ أبناؤهنّ منهن الصبر والإقبال على الحياة، وحاضنة شعبية ملتفة حول المقاومة، وخبرة ومنعة بسبب سنين طويلة من الحصار، دون أن ننسى تهيئة الله عزّ وجلّ لهذا الجيل، الذي صنع رجاله الحدث في السابع من أكتوبر 2023.

عقيدة راسخة

أمّا عن عقيدة الغزيين، فهي عند معظمهم كعقيدتنا، إيمان بأركان الإيمان الستّة، لكنها في حالتهم إيمان يعاش، وولاء للإسلام محقق، ومعرفة يقينية بموعود الله للمؤمنين، واعتقاد راسخ بنصر الله، فإن كان كذلك؛ فقد أحسسنا من كلماتهم بطمأنينة  عجيبة، وهم بين النار وتحتها؛ فكم من رجل سمعناه في فقده العظيم يردّد: راضون ربنا فارض عنا، وكم من شاب فقد محبوبته، وفلذات أكباده، فوجدناه يقول: الحمد لله على ما قضى وقدّر، وكم من امرأة عاشت مصيبة الخنساء، فتجلدت وصبرت ورضيت بقضاء الله وقدره، انقطعت بهم السّبل فنعم التوكّل والاحتساب.

لم يكن واحدا أو اثنين، كانوا كثيرا، يرددون الكلمات نفسها، التي تعبّر عن عقيدة راسخة مستمدّة من قرآن وسنّة، وثبات عجيب رجاء في الجنة وطلبا للرفعة، تختلجهم الجراح، ويقاسون المرارات، ولكنها مرارات مخلوطة بالصبر، مأنوسة بتوحيد الله وحسن التوكل عليه وتعلّق مصائرهم به، فإذا أقبل الواحد منهم على ربّه شهيدا، يزفّونه عريسا، إنه يقينهم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.

مركزيّة القرآن عند الغزيّين

أمّا القرآن فهو من وصايا الآباء للأبناء، فأغلب العوائل الغزاوية تربي أبناءها على واجب حفظ كتاب الله، والاستهداء به، والسير على منهاجه، فكان منهم الحُفّاظ وصفوة الحُفّاظ، وجيل قرآني تجهّز  لمقامات الدنيا  للعبور لمقامات الآخرة، كرجال الطوفان.

” الصواريخ تخيفنا،  لكن كلام ربنا يريحنا “، ” القرآن كل حياتنا، لولاه لكانت حياتنا عتمة “، ” من يصبرنا ويطمئننا في الحرب هو القرآن “، هي كلمات الساردين في حلقات التلاوة في غزة، كم هي عميقة،  تجسّد مركزية القرآن في حياتهم؛ فهو زاد الصبر، ومصدر الطمأنينة، وملجأ الخائفين، وصاحب المهجّرين،  هكذا يعيش أطفال غزة وآباؤهم، ملتفين حول قرآنهم، يختمونه مرة بعد مرة، في أوقات الراحة والتعب، على السواء.

رجال مرابطون

هم أهل الجهاد الواقفون على الثغور، البائعون الدنيا في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ومنذ أن بدأ الغاصب يعثو في أرض فلسطين فسادا، وفي غزّة خرابا، حتى لبّى الرجال النداء، وأدّوا فرض الجهاد، فبدأت المقاومة بسيطة بالحجارة، ثم طورت من أساليبها وأدواتها، وهيّأت رجالها، تهيئة إيمانية ونفسية وعسكرية، وصار للمقاومة جيشا، ولرجالها عمليات، فأثمرت في السابع من أكتوبر 2023 طوفان الأقصى، وإلى يومنا هذا لا يزالون ينازلون العدو، ويكسرون شوكته، ويذودون عن عرض الأمة ويحفظون ماءها.

نساء مرابطات

نساء مرابطات على درب الجهاد، يربين أبناءهن على الصبر والثبات. ما رأينا طفلا في غزّة، إلاّ وجدناه في هيئة رجل، ينطق بحكمة، وتعبق كلماته بعطر الإيمان. هؤلاء لم يُربوا عبثا، بل نشأوا في محاضن متزنة، منشغلة ببناء الإنسان المقاوم، عاشق الشهادة، المقبل على النجاح، الصابر على أرضه، المتمسك بها، الجليس للمجاهدين. إنّ من وراء كلّ هذا، نساء هنّ شقيقات الرجال، صقلتهنّ المحن، وربّتهن نظرات الوداع في جنائز الشهداء، فصرن صاحبات قوة، ورباطة جأش، وكرامة لا تلين، وصبر لا ينفذ، وتفاؤل لا يخبو.

ما من امرأة إلا ولها أب شهيد، أو زوج شهيد، أو ابن شهيد، أو أخ شهيد، تدرك مسؤولياتها الكبيرة أمام مغارم الاحتلال، في سعيه إلا تفكيك الأسر وتشتيتها، وتكثير أيتامها وأراملها، إنهن يدركن أنهنّ ركائز البيوت وراعيات الصمود، بانيات الإنسان، المعدّات للأبطال، إنهن كما قالت دلال عريفات: من يتحرّكن ويقاتلن إلى جانب رجالهن، يدرن العيادات السرّية، ويوزّعن الطعام، ويؤسّسن المدارس المؤقّتة، ويقدّمن الرعاية النفسية للأطفال المصابين، وبينما يقف الرّجال على ثغور الجهاد ويتفاوضون على وقف إطلاق النار، تتولّى النّساء مهمّة إعادة بناء المجتمعات.

غزّة والحصار

   لم يكن حصار ما بعد الطوفان هو الأول، ولم يكن حصارا فحسب، فمنذ سنة 2006  وهي ما بين حصار وحروب، خاصة بعد أن استلمت حركة حماس حكم القطاع سنة 2007، فحُرم السكان من حقوقهم الأساسية، من بضائع ووقود وكهرباء ومياه وأدوية وحرية التنقل، وتمّ غزل القطاع عن بقية المحافظات، حتى وصل بهم الحال ألا يجدون أكفانا لشهدائهم، وزاد الغبن مع إشعال الصهاينة حروبا وعمليات عسكرية،  سنة 2008، ثم سنة 2012، ثم سنة 2014، ثم سنة 2021،  بغية تدمير البنى التحتية وإضعاف الحاضنة الشعبية ومقاومتها، ثم حرب 2023 التي لم تنطفئ أوزارها بعد.

رغم ذلك فقد سعى الغزيّون وقاداتهم لبعث حركة التعمير بعد كل تدمير، والتفكير في تطوير خطط المقاومة ووسائلها، مستعينين بثلاث أمور كما ذكر ابن القائد إسماعيل هنية، تسليم بأمر الله عزّ وجل، وبناء حكومة في ظل الحصار، وعمل كل شيء من أجل كسر هذا الحصار، حتى صارت عزّة مدينة جميلة بمرافقها، محصّنة بأنفاقها.

التفاف الحاضنة الشعبية حول مقاومتها

إن كانت لغزّة مقاومة أنهكت العدو، فإن لها شعبا صبورا يحتضنها، ويشدّ من أزرها، إنه أسرهم، وأمهاتهم، وآباؤهم، وإخوانهم، وأصحابهم، يعيشون روح المقاومة، ويحملون أمنية الجهاد أو الشهادة متى ما عقِلوا أن أرضهم مغتصبة، فالضمائر الحية والقلوب المؤمنة تعتقد أن الحقوق لا تستردّ إلا بالقوّة، وأن التحرير لا يأتي إلا عقب ثورة، ولا نصر بقعود، ولا مأمن من عدو، ولا ثقة في منافق عميل، فإن كان في الأرض قاعدون وعملاء ومهزومون ومكذبون ومنافقون، فلها في مقابل ذلك الصادقون المرابطون فوق الأرض رغم كل شيء، والميدان يشهد، وشهادة الصابرين الصامدين تروي الحقيقة.

نماذج حيّة من الصّمود

   إنّ كان حديثنا السابق قد تناول ما رأيناه من دوافع الصمود لدى الغزيين، فإنّنا هنا أمام كلماتهم وأعمالهم التي تمثل شواهد حيّة على صمودهم، وإيمانهم بالله ونصره ووعده، وعلى شهادتهم بتقصير الأمة وخذلانها.

أبو عبيدة

الناطق الإعلامي باسم المقاومةّ لسنوات طويلة، علم غزير، ولسان فصيح، وكلام موزون، وفهم عميق، وغِنى نفسي بمعاني العزة والأنفة والكرامة، فلا يخلو خطاب من خطاباته إلا وشحذ الهمة يتخللها، والاعتزاز بشعبه وصموده كان عنوانا لها، يقين مشهود بنصر الله الموعود، وصوت هزّ الاحتلال وهجا الأعداء وكشف الخونة والعملاء، صوت الفطرة، والحق، واليقين، والرّدع، والصّفع.

” يا أبناء شعبنا العظيم، يا مجاهدينا الأبطال، يا أمتنا، ويا أحرار العالم “.

” يستمر مجاهدونا الأبطال في تلقين الاحتلال الدروس في كلّ محاور القتال، معتمدين على الله، ومستمسكين بحبله المتين، ومدافعين عن أرضهم ضد عدو باغ همجي لئيم “.

“يا قادة هذه الأمّة الإسلامية والعربية، ويا نخبها وأحزابها الكبيرة، ويا علماءها، أنتم خصومنا أمام الله عزّ وجلّ “.

أنس الشريف

ابن جباليا، الابن البار بشعبه، الإعلامي النبيل الذي لم يغيّر ولم يبدّل طيلة سنتين من حضوره بالصوت والصورة، لم يركن لعدو، ولم يخش من تهديد، وبقي صامدا مرددا بصحيح الاعتقاد وتمام التسليم: ” فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا” (طه، 72)، حتى نال الشهادة في العاشر من أوت 2025، وبقيت كلماته شاهدة على كثير من الإصرار، كثير من الصبر، كثير من التعب، كثير من الألم، كثير من الخذلان.

” رحل زميلي ورفيقي إسماعيل، لكن مكانته باقية في القلب، وصوته لا يزال يدوّي في كل موقف وكلمة، سأواصل الطريق، وأحمل رسالته إلى العالم، رغم التهديدات ومحاولات إسكاتنا، التغطية مستمرة، ولن تتوقف، فإذن الله يا سمعة “.

” أقف أمام الكاميرا لأروي معاناة شعبي، وأتحدث عن الجوع الذي ينهش أجسادنا، يخنقني الألم، ويغلبني الجوع فأصمت للحظة، ثم أواصل الحديث، هكذا هو حالي، وحال كل من بقي حيًّا في غزة “.

” لست ممن يشتكون، وربما حالي أفضل من غيري، لكني أقولها اليوم بلا خجل: نحن جوعى، وأخجل نيابة عنكم، يا أمة المليار، من صمتكم المخزي، الناس تسقط في الشوارع من الجوع، الجرحى يبحثون عن لقمة قبل الدواء، والمرضعات جفّ حليبهن، نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط حليبًا لأطفالنا وكسرة خبز لكي لا يموتوا من الجوع ، سيبرأ هذا الجرح يومًا، وستعود غزة، وعند الله تجتمع الخصوم “.

“لم أتوقف عن التغطية لحظة واحدة منذ 21 شهرًا، واليوم، أقولها بصراحة، وبوجع لا يوصف، أنا أترنّح من الجوع، أرتجف من الإرهاق، وأقاوم الإغماء الذي يلاحقني في كل لحظة “.

‏” الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ” (آل عمران: 173)، يكفينا الله، وهو أفضل من نكل إليه أمرنا “.

” الزملاء الصحفيون في غزة: لا تستهينوا بأي مشهد توثقونه، فقد يكون سببًا في إنهاء المعاناة، أنتم من أوصل المأساة إلى العالم بالصوت والصورة، بفضل توثيقكم وشهادتكم، تغيّر الكثير، وتحرك الكثير من أجلنا، نسأل الله أن يكون ما توثقونه اليوم سببًا في إنهاء هذه الإبادة بالكامل، استمروا، التغطية مستمرّة “.

محمود العمودي

أما محمود العمودي، فهو الذي سخر وقته وجهده وأيامه – دون انقطاع – لتصبير شعبه، وتعميق صلتهم بالله، وتذكيرهم بوعده للصابرين، مفرداته بسيطة، لكنها تنفذ للقلب وتغرس الإيمان.

” لو أننا ننتظر الفرج من البشر ، لأصابنا اليأس منذ زمن، لكننا ننتظر الفرج من الله، ما خاب من اعتمد عليه، ولا من أحسن الظن به، ولا من تعلق ببابه “.

” نحن هنا مرابطون حتى قيام الساعة، صدق رسول الله وسيبقى أهل غزة ،كذب الظالمون وسيرحلون “.

” علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الدنيا زائلة والآخرة باقية،  لكنه علمنا حب الحياة والسعي والعمل لآخر لحظة، فكما قال لنا ” كُنْ في الدُّنْيا كأَنَّكَ غريبٌ، أَوْ عَابِرُ سبيلٍ “، علمنا أيضا ” إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا “، على مبدأ ” اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا  “، وما أجمل قول الله تعالى ” وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ” (القصص: 77)”.

حمزة مصطفى أبو توهة

حمزة كما قدّم نفسه، مدرّس لغة عربية، محبّ للنّحو، عاشق له، يقضي أوقاته مرتشفا من ضربه. هو صاحب أكبر مكتبة في غزة، بناها كتابا بعد كتاب، لكن العدوّ، الذي أحرق الشجر والبشر، لم يترك الكتب أيضا، فدفنها تحت الركام، ورغم الألم والجوع والنّزوح، ظل حمزة وفيّا لمكتبته ” المتوفاة “، يجتهد في بعثها من جديد، مرة بعد مرة.

” مرّ عام كامل على استشهاد البيت والمكتبة، لا شيء يشبه ذلك الشاب الذي يتلذذ بأن يحمل على أكتافه عشرات الكيلوات من الورق، صحيح أنه نحيف، وأن بدنه منحول، غير أنه إذا وصل القاهرة، وأنفق فيها آلاف الدولارات في سبيل جمع الكتب، كأن الله يعطيه من الطاقة ما يتوزع في عشرة من الرجال غيره، مثل كل سنة يقضى شهره المفضل من الصيف حول جنبات الجامع الأزهر، حيث الشوارع -خصوصًا درب الأتراك- تعج بما لذ وطاب من المكتبات، عشرة كتب يشتريها من هذه المكتبة القديمة، وعشرة كتب من تلك الحديثة، وعشرون كتابًا يهديها له مؤلفوها مع كتابة إهداءاتهم له في الجزء الفارغ من أول ورقة، حتى إذا اجتمعت له حديقة غناء من تلك الطيبات من الكتب، حَزَمَها في شنط السفر بدلًا من ملابسه، يحملها من القاهرة إلى حيث يسكن في شمال غزة، لا شيء يعدل تلك الفرحة التي يعيشها حينما يعود من سفره، فلا ينام قبل أن يضع كل كتاب في مكانه، بعد أن يشمه ويقبِّله ويعطيه حقه من حواسه الخمس “.

” ما زلت أعمل بوصيته: إذا مللتُ من كتاب انتقلتُ إلى كتاب آخر، ولكن الذي لم أملَّ منه أن أطوِّف على الذين يستعملون الكتب في إيقاد نار الطعام أو الخبز وأشتريها منهم، بعد فقدي لمكتبتي في بيتي في بيت لاهيا في شمال غزة، أعدت بناء نواة مكتبة جديدة في نزوحي في مخيم جباليا، كان قوامها ثلاثمئة كتاب تقريبًا، ولكني فقدتُها أيضًا في اجتياح الشمال الأخير بعد تدمير البيت الذي نزحتُ فيه، وما زلت أعيد بناء المكتبة مقنعًا نفسي أنني لن أفقدها:

أُعَلِّلُ النفْسَ بالآمالِ أَرْقُبُها … ما أضْيَقَ العَيشَ لولا فُسحةُ الأمَلِ “.

” إعادة البناء لا تحتاج إلى الكثير، فقط يقين بأن الله هو الآخذ والمعطي، وإيمان بأن الإنسان مستخلَفٌ لإصلاح الأرض، وعزم على الشروع في الأمر، هذه المكتبة التي بدأتُها بكتاب أقرأ فيه، ثم ترعرعت وكبرت إلى أن أصبحت فردوسًا، ليس معجِزًا أن أعيد بناء خير منها، كيف لا والأحباب من كل مكان قد استعدوا لمساعدتي في بنائها، غير أني أنتظر زوال الغمة وكشف المحنة للشروع في بناء المكتبة، فلك الحمد لله على نعمة المكتبة والكتاب وكرم الأحباب والأصحاب “.

” هذه الكتب المعدودة هي المكتبة الرابعة التي أنشئها، فقدتُ قبلها ثلاث مكتبات، كبراها وهي الأولى في منزلي في بيت لاهيا، كانت تحوي ما يزيد على عشرين ألف كتاب، فقدتُها بعد تدمير منزلي أول أيام الحـرب، وثانيها في نزوحي في مخيم جباليا، وقد فقدتُها بعد تدمير المخيم والبيت الذي نزحت فيه، وثالثها في نزوحي في شارع النصر وقد فقدتُها، ورابعها ابتدأتها هذه الفترة أثناء نزوحي في مخيم الشاطئ، وهو المخيم الذي وُلدتُ فيه ونشأتُ فيه طفلًا، فإن كانت مجاعة البدن لم تجد طعامًا فإن مجاعة العقل لا تخذلها الكتب “.

” بالكاد أستطيع التنفس، بالكاد يستطيع قلبي أن ينبض، لا أستطيع أن أخرج رأسي وأرى ما يحدث حولي، قصف كثيف ودخان يغطي كل شيء وصراخ الأطفال والنساء لا يتوقف، السماء لا تعرف إلا الطائرات والغيوم لا تمطر إلا حممًا متفجرة، ولكنّ حسبَنا الله “.

” قل أيّ شيء عن شاب نجا معي من مراحل كثيرة للموت في هذه الحرب، ما بين اعتقال وتنكيل وقصف، تأتي له الجوائز تجرُّ أذيالها، شقيقي مصعب أبو توهة مثال حيّ وشاهد للفلسطيني المبدع الذي يخرج من تحت الأنقاض لينقش على جدران الزمان بقاءه الذي لا يمحوه تعاقب الأيام والظَّلَمة “.

” هذا بيتي، خيمة تكاد تكون فرنًا ملتهبًا، أحاول جاهدًا أن أتنفس أو أتحرك بشكل صحيح، لا يكاد بحر العرَق يفارقني، لا يخفف عني فيها إلا ذلك الطالب النشيط الذي أعلِّمه القراءات العشر، ولا يذهب عن نفسي ضنك العيش إلا تلك التوجيهات النحوية والصرفية والبلاغية واللغوية لكل وجه من وجوه هؤلاء القرّاء، ساعةٌ كأنني معها في جنة أو كأنني في عالم غير هذا العالَم، أشتاق إلى الحياة وأشتاق إلى ما يليق بكل إنسان ! “.

إنّ أمثلة الصمود لا تحصى، وصور الإيمان الموثقة لا تعدّ، وقصص التضحية بالحياة من أجل المعنى الأسمى للحياة، والانتصار لأمهات ثكالى، وأطفال جياع لا تنفذ؛ وائل الدحدوح، إسماعيل الغول، أبو حمزة،  محمد قريقع، حسام شيات، محمد سلامة، آلاء النّجار، مريم أبو دقّة، هبة أبو ندى، والقائمة تطول من الأحياء المرابطين والشهداء.

إنّنا لا نصوّر وضعا مثاليا عن غزّة الصّمود، لكننا نريد أن نقول: إنّ لهذه الأرض العصية على الكسر، رجالا ونساء باقين فيها، مادام في القلوب إيمان، وفي الميدان جهاد.

” كما أنتِ هنا مزروع أنا، ولي في هذه الأرض آلاف البذور، ومهما حاول الطّغاة قلعنا، ستنبت البذور، أنا هنا في أرضي الحبيبة الكثيرة العطاء، ومثلها عطاؤنا يواصل الطريق لا يوقف المسير ” (الشهيد نزار ريان).

نصيرة بريكة

الجزائر 04/09/2025

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page