حصريا

فلسطين بين تخطيط الصهاينة… وصمود المقاومة… ووعد الله المفعول… – د.عبدالقادر بوعقادة – الجزائر –

0 1٬010

فلسطين

 بين تخطيط الصهاينة… وصمود المقاومة… ووعد الله المفعول…

                المسالة الفلسطينية قضية مرتبطة بالدين والهوية والسيادة، ويخطئ من يعتبر أنها قضية رقعة جغرافية هي فلسطين وعلى أكثر تقدير “الشرق الأوسط” أو الرقعة العربية”، لأنّها قضية العالم من حيث التأثير والعمق تشارك في تفاصيلها كل شعوب والسياسات العالمية. كما يخطئ البعض حينما يعتبرها قضية العصر – زمانا- وأنها برزت خلال ثلاثة قرون ( القرن 19 والقرن 20 والقرن21)، لأنّنا نعتقد بأنّها قضية تمتد في التاريخ منذ الزمن القديم حيث كان يقيم بها الكنعانيون فيما بعد سيدنا نوح وقبل مجيئ سيدنا إبراهيم – عليهما السلام- ، كما تمتد في الزمن الوسيط حين اندلعت بسببها الحروب الصليبية، إلى العصر الحديث وبداية الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري،  ثمّ الزمن المعاصر حيث الأقطاب الدولية والصراع الأيديولوجي. كما أنها قضية يحضر فيها البعد الديني كأساس منذ المنطلق إلى مسار الصراع فالنتيجة والتأثير، باعتبارها ملتقى الأنبياء والديانات، وأرض الحشر و الميعاد والمقدسات. وهي إن كانت فيما مضى أصل الحروب الصليبية بين المسيحية المتعصبة والخلافة الإسلامية، فإنها اليوم قائمة بين الصهيونية العالمية التي بدأت حركة قومية ولكنها جيشت البعد الديني اليهودي ليأخذ الصراع أبعادا جغرافية أوسع، وينتقل من صراع ما بين الدول الكبرى – الدولة العثمانية والدول الأوربية- إلى صراع حضاري بين الإسلام والتوحيد من جهة والكفر والإلحاد من جهة أخرى. .

اليهود من التيه إلى الكيان:    ارتبطت المسألة الفلسطينية بظهور الحركة الصهيونية التي هي حركة قومية يهودية ظهرت بعد الثورات الأوربية (1830 و1848..)، حينما كان اليهود مشتتون في أنحاء العالم، وفي مناطق متعددة من أوربا، وحينما تنامت القوميات الأوربية بعد الثورة الصناعية وانتعاش الحركة الاستعمارية، في هذه الاثناء والظروف كان اليهود كجالية تعيش وضعا منبوذا في أوربا “يعيشون في قيتوهات”، نتج عنه تعالي صيحات تنادي بضرورة الخروج من هذا المأزق والتيه، ومطالبة بحق اليهود في العيش الكريم، وانقسم المجتمع اليهودي في ذلك إلى اتجاهات، كل تيار صار يطرح بديلا  للخلاص، فكريا وفعليا.

– فمنهم من اقترح الخوض في ثورات ضد الأنظمة الملكية الأوربية لأجل تحقيق الغرض، فشارك اليهود وساهم عدد منهم في ثورات أوربا في القرن التاسع عشر.

– ومنهم من نادى بضرورة الخروج من أوربا الملعونة بحروبها إلى عالم آخر، فكانت الهجرات لعدد من الأسر اليهودية نحو العالم الجديد” الأمريكيتين”  والشرق الأقصى حيث استراليا وغيرها.

– ومنهم من رأى الانبثاث في المجتمع الأوربي كطريقة للخلاص والاندماج لنيل الحقوق، فقام بعضهم بإخفاء تدينه، وتغيير الأسامي والألقاب، والتخلي عن مظاهر العادات والاحتفالات اليهودية. وانبثوا في مفاصل المجتمع ومواقع السياسة.

– وعدد منهم رأى بضرورة تأسيس حركة قومية سياسية منظمة على غرار القوميات الاوربية والأحزاب السياسية، سعيا إلى جلب الحقوق لليهود وتجميعهم، وإعمال كل الوسائل الكفيلة بتحقيق الغرض. كما طرح اقتراحات عديدة في اتجاه العناية بالعنصر اليهودي والمحافظة على شخصيته وحقوقه، فكان تأسيس الحركة الصهيونية، منسوبة إلى جبل صهيون في بعدها القومي.

الحركة الصهيونية مخططات وخطوات:     جاءت الحركة الصهيونية كطرح بديل للوضع الذي كان يعيشه اليهود باوربا. وكان زعماء هذا الاتجاه القومي العنصري يعملون على تنفيذ رؤى مفكريهم وساستهم، والتي انتهت إلى ضرورة إيجاد وطن قومي لليهود على غرار باقي القوميات التي بدأت تتجسد أهدافها أمثال الجرمان والطاليان، وقد برزت هذه  النداءات منذ منتصف ق19 لتنتهي بتأسيس منظمة قومية نهاية القرن ال19. وقد جعلت لهذه المنظمة أهداف تنفذها، وفق وسائل ترتكز على الفكر والمال والاعلام والسياسة، وكان أول مؤتمر علني لها:

– سنة 1897 حيث اعلن عن تأسيس حركة صهيونية في مؤتمر “بال بسويسرا”، وتم فيه وضع رؤى وخطط وطرق تحقيق الأهداف التي أعلنها زعيمهم “ثيودور هيرتزل”، ومنها تأسيس وطن قومي أختير له “فلسطين” كموطن لاعتبارات دينية واستعمارية، بعد أن رأوا في كل من الأرجنتين وأوغندا وأثيوبيا – وغيرها من الدول- أنّها لا تحقق الغرض، وجعلوا لتحركاتهم وأهدافهم مراحل زمانية، وغايات  كبرى يجب تحقيقها كل عشر (10) سنوا، وحسب تقديرنا فإنّ أهم المحطات تجسدت بعد سنة 1897.

– ففي سنة 1907 وبعد حركة انبثاث واسعة في الإدارة الأوربية وبالأخص بريطانيا، أعلن انعقاد المؤتمر الاستعماري الأوربي، حيث طرح فيه “كامبل بانيرمان الانجليزي” سؤالا حول كيفية السيطرة على البلاد الإسلامية، فكان من الاقتراحات العملية النافذة هي ” إيجاد شعب غريب عن المنطقة ومعادي ومخالفا لها في العقيدة والتقاليد والجنس يكون فاصلا بين شرقها وغربها…”، وكان ذلك زمن الخلافة العثمانية، لتبدأ الخطوة الأولى في سبيل تكوين الوطن القومي بفلسطين.

– في سنة 1917 وبعدما أعمل  الصهاينة كل حيلهم وعمق مكرهم في افتكاك “وعد بلفور الإنجليزي” عقب انعقاد مؤتمر “سايكس بيكو ” الفرنسي الإنجليزي” الذي قسم بلاد سوريا الكبرى إلى مناطق نفوذ فرنسية وانجليزية (أ ، ب) سنة 1916، مع ترك فلسطين لوعد بلفور لصالح اليهود، وهكذا تحقق أول حلم تحت النفوذ البريطاني الفرنسي، في فترة ضعف الدولة العثمانية. ومنذ ذلك الحين عمل اليهود – وتحت الحماية الأوربية- على تكثيف الهجرة اليهودية نحو فلسطين والاستيلاء على الأراضي تحت طائل قوانين بريطانية مجحفة في حق الفلسطينيين, ووفق شعار ” …أعطوا أرضا بلا  شعب لشعب بلا أرض..”،  تزامن هذا مع قيام ثورات عربية ببلاد المشرق – مدعمة من قبل الدول الاستعمارية –  ضد الأتراك العثماني ممثلو الخلافة الإسلامية.

– منذ سنة 1927 وهي الفترة الي شهدت فيها الذروة في سن قوانين “الهجرة والتهجير” بتكثيف الهجرة اليهودية الى فلسطين مقابل تهجير الفلسطينيين خارج موطنهم ” الهجرة والتهجير”، كان هذا مباشرة بعد إعلان سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924. وإذا كان موقف أهل الشام وبلاد فلسطين القيام بثورة عارمة عام 1929 “ثورة البراق”، فإنّ السياسة الإنجليزية الماكرة قد مكنت أكثر لليهود بحجة متابعة الثوار، فكانت سياسة نهب الأراضي  وتهجير السكان الأصليين والتمكين ” لشعب الله المختار”.

– سنة 1937 كان رد فعل بريطانيا – “راعية الكيان الصهيوني” على قيام ثورة عز الدين القسام عام 1936 التي تعتبر من أكبر الانتفاضات ضد الاستيطان الصهيوني بفلسطين- أن تقدمت بتقسيم فلسطين الأول، بترسيم الكيان اليهودي الصهيوني مع جعل القدس تحت حمايتها ومنطقة  للجميع، وهكذا تمكنت الحركة الصهيونية بالمال والدعاية والسياسة من تسخير المملكة البريطانية لمصالحها التوسعية بفلسطين.

                كانت الحرب العالمية الثانية 1939- 1945 مرحلة مهمة في مسار القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني، تمثل في خروج الولايات المتحدة الامريكية من عزلتها وانسحاب بريطانيا من ريادة العالم،  مع انقسام العالم إلى قطبين “اشتراكي شيوعي ورأسمالي ليبرالي”. وإذا كانت بريطانيا هي راعية الكيان الصهيوني وعرابة تمكينه من إقامة دولة لهم بفلسطين قبل الحرب العالمية الثانية، فإنّ عرابة التمكين للحركة الصهيونية بعد الحرب صارت أمريكا بكل وسائلها، خصوصا وأن أكبر العائلات التي تملك المال والاقتصاد ” روتشيلد وروكفيلر” هي التي تهيمن على سياستها وتفرض رؤساءها، في حين كان دور القوة العالمية الشرقية الثانية ” الاتحاد السوفياتي” هو تسهيل الهجرة اليهودية من روسيا نحو فلسطين، فكانت أكبر الهجرات من المعسكر الشرقي.

– سنة 1947 ولكي تنتهي مهمة بريطانيا في تكريس الوجود الصهيوني ببلاد الشام جاءت بتقسيم فلسطين الثاني في هذه السنة لتعلن نهاية الانتداب في 14 ماي 1948، ويعلن الصهاينة دولتهم بفلسطين بعد ليلة منذ ذلك التاريخ أي في 15 ماي 1948، ليأخذ الصراع العربي الصهيوني مسارا آخر  بإعلان الحرب العربية الصهيونية، ونتيجة للصمود العربي والضغط على الكيان الصهيوني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غاية 1956 فإنّ عرابة الكيان الصهيوني لجأوا إلى الحل العسكري بفرض العدوان الثلاثي ( بريطانيا، فرنسا، الكيان الصهيوني- على مصر سنة 1956، وهو عدوان أظهر ضعف كل من فرنسا وبريطانيا في المنطقة، وسيولد فراغا استعماريا، ممّا سيدفع بالصهاينة إلى الاحتماء بأمريكا بدلهما، فكان مشروع ازنهاور 1957.

– سنة 1957 وهو بمثابة تعويض حماية بحماية، فنتيجة الفراغ الذي تركته فرنسا بريطانيا بالمشرق، وحماية للمصالح الامبريالية جاء هذا المشروع الذي يفرض دخول الأسطول العسكري الأمريكي إلى المنطقة أمام أي تهديد يضر بمصالها ومصالح حلفائها ومنهم على وجه الخصوص الكيان الصهيوني – وهو ما يتسجد في الوقت الحالي تماما- باعتبار أنّ التاريخ يعيد نفسه لكن بآليات مختلفة.

– سنة 1967 كانت الحرب العربية الصهيونية الحاسمة لكثير من القضايا التي رسمت الاستيطان الصهيوني بالمنطقة، وتحت حماية وتاييد القوى الاستعمارية الحديثة كانت هزيمة العرب، وانتهت الحرب إلى مزيد من التوسع الصهيوني، وتكريس خريطة جديدة أكثر مساحة لليهود، وهي اللخريطة التي ينادي بها العرب اليوم بعدما كانوا يتنكرون لها سالفا.

– سنة 1977 وبعد الهزيمة والتراجع العربي في حرب 1973، بدأت الاتصالات لأجل التهدئة والتطبيع وهي سياسة جديدة بعد مرحلة الصراع المسلح والتي قادته مصر بحكم الجوار ورجالها الأحرار وعدد من الدول العربية، ولذا عمل اليهود على تحييد مصر من الصراع، فكان نتيجة ذلك اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة  في 1978 لتتجسد باتفاقيات السلام منذ سنة 1979.

1987 الانتفاضة الفلسطينية المباركة:  بعد عشر سنوات من اتفاقية كامب ديفيد جاءت الانتفاضة الفلسطينية لتكسر مخططات الصهاينة التي بدأت منذ مؤتمر بال بسويسرا سنة 1897، وتضع حدا للانهزامات المتتالية التي تكبدها العرب، مثلما جاءت لأجل أن تسحب الملف من الايادي العميلة المفاوضة والسائرة في طريق التنازلات، لتضعه في يد المقاوم الفلسطيني المخلص.  وإنّ التحول الذي أحدثته الانتفاضة قد أثّر عميقا في يوميات القضية الفلسطينية، ودفع إلى اعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 بالجزائر، مثلما أبانت الانتفاضة عن حقيقة الكثير من المواقف العربية والعالمية، كما مايزت بين الصفوف، وقلبت المبادرة لصالح المقاوم الفلسطيني.

                ولا تزال الانتفاضة قائمة إلى يومنا رغم المناورات التي يجتهد فيها اليهود وعملائهم من الداخل العربي وأعوانهم من الدول الكبرى، لتنتهي إلى تأسيس جيش مقاوم – بقيادة المقاومة الفلسطينية المباركة-  يحسب له حساب. حيث أظهر هذا الجيش على قوته من خلال كسر الحصار والقيام بعمليات داخل الكيان الصهيوني كان آخرها العمليات الميدانية “طوفان الأقصى”  في 7 أكتوبر 2023، وهي بداية الهجوم الواسع والطويل الذي سينتهي حتما ببزوغ شمس الانتصار مع اقتراب عام 2027.

عام 2027 استشفافات شيخ المجاهدين ” أحمد ياسين” و استشرافاته

                يقول الشيخ الشهيد أحمد ياسين سيكون عام 2027 نهاية الكيان الصهيوني، ليس هذا من باب التمني، ولكنه من معطيات الاستشفاف والاستشراف، لأن السنن الكونية والالهية القائلة بنظرية الأجيال تكشف بأنّ الحركة الصهيونية بلغت جيلها الثالث الذي سينتهي بعد مرحلة التمكّن إلى الركون نحو الدعة والكسل، وزوال الهيبة والشجاعة والانغماس في اللهو مع الخوف على المكاسب الدنيئة…”، ليأخذ منحاه ومساره في هذه الفترة نحو السقوط، مع الاتجاه المعاكس الذي يسير فيه المقاومون الفلسطينيون نحو الانتصار والتمكين، وما ذلك على الله بعزيز.

                لقد فسّر شيخ المجاهدين “أحمد ياسين” ذلك بنظرية الأجيال، وهي نفس النظرية التي طرحها ابن خلدون سابقا في مقدمته في مسالة نشوء الدول.  فالصهيونية كحركة برزت سنة 1897 لتنتهي بعد أربعين عاما(40) عند جيل تأسيسها سنة 1937، ثم جيل القوة والانتشار في 40 سنة على حدود 1977 حيث اتفاقية كامب ديفيد، والجيل الثالث الذي سينتهي سنة 2027 وهو الجيل الضعيف الذي سيزول به الكيان على يد جيل الانتفاضة التي بدأت عام 1987  بعد جيل التأسيس الذي قاوم قبل هذا العام، فهؤلاء الأبناء الذين حملوا الحجارة عام 1987 هم الذين يحملون البنادق والصواريخ اليوم، ولذا نحن نستبشر بعام 2027 وهو عام التتويج للانتفاضة والمقاومة بحول الله. وبقدر ما عمل الصهاينة بمكر ودهاء ليصلوا إلى حسم الكثير من الوقائع لصالحهم، علينا اليوم كمسلمين مبشرين بالنصر على أن نعمل الفكر والذكاء لتحقيق وعد الله المفعول.

                                                                                               د: عبد القادر بوعقادة   – جامعة البليدة2 لونيسي علي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page