حصريا

مصطلح «الهوية».. وزمن تمجيد الفرديات الصغيرة – د.ليلى بلخير -الجزائر-

0 44

يعد مصطلح «الهوية» من أكثر المصطلحات تعقيدًا لعلاقته بحقول فكرية متشعبة، وعلى الأغلب أن فكرة المطابقة والمماهاة لصيقة بمصطلح الهوية؛ حيث تم اشتقاقه من حرف الرباط «هو»، الذي يدل في اللغة العربية على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، ويقصد به: «الإنسان هو في ذاته»(1).

ومن هنا نفهم كيف تبلورت هذه المسألة في الفكر النسوي الغربي على يد جوليا كريستيفا خاصة، من خلال دراسة النظام السيميوطيقي لأبنية الكلام الأنثوي، لتصبح الهوية الأنثوية مزية وخصيصة جمالية، وتجاوزًا لأساليب الرجل وأنماطه الخطابية، وتنعكس على الحياة بظاهرة مركزية الأنثى وهيمنتها على الحياة والثقافة.

تحولات النضال النسوي

ومن ذلك يمكن القول: إن بدايات النضال النسوي كانت من أجل العدالة والحقوق الاجتماعية والمساواة في الأجور وظروف العمل، لتتحول مع تحولات فلسفة ما بعد الحداثة إلى إعلاء الأنوثة، والتمركز حول الذات بمنطق الصراع والعداء للرجل.

كانت في البداية تدور حول فكرة الهوية بمنطق حقوقي ونضالي لتغيير الأوضاع، لتتحول بعد ذلك إلى رؤية معرفية تختص بقضايا كبرى كونية شاملة، تتجاوز في ذلك الدلالة الأنثوية في الأنماط الكتابية للنساء الكاتبات، إلى توطين الشذوذ وإعلاء الدور الفردي على حساب العلاقات الأسرية وتماسك المجتمع.

الرفاهية الشخصية كأولوية في زمن السيولة

ومن منطق الاحتفاء بالهوية الخاصة الأنثوية صار الباب مفتوحًا على هويات متعددة، كل واحدة تدعي الخصوصية والمركزية، وصار زمن تمجيد الفرديات الصغيرة على حساب المضمون المشترك؛ زمن البيئة الرقمية وتدفق صور الذوات والأجساد بشكل مستمر.

إنه زمن السيولة والتشظي، زمن ارتفاع النصب والأزلام المختلفة والكشف والتعري المفرط لإبراز الذات بكل السبل وبلا غاية أو هدف، فقط اتباع منطق الاستهلاك والربح السريع وإدمان الترفيه.

ضرب المعنى الرسالي

ويتعلق التغيير الكوني الكبير بشيء مختلف تمامًا عما كان في السابق؛ يتعلق في الأساس بضرب «المعنى الرسالي» المسؤول عن ربط أواصر الأفراد، وطبعًا البداية تكون بالتشكيك في قيمة المجموع والمشترك، وجعل الرفاهية الشخصية أولوية.

وبذلك توصلنا هذه الفكرة إلى فقدان الهويات الأصيلة والطبيعية (الذكر والأنثى) والحالة الزواجية بينهما، أو فقدان لمصداقيتها وقدرتها على المحافظة على رصيدها القيمي، وأيضًا قدرتها على الاستمرار بلا قيم، وفي هذا الصدد يمكن أن نسأل سؤالًا محوريًا ومحركًا: هل بقيت فرصة للأخلاق بعد انهيار معنى الأسرة؟

الاستهلاك التفاخري.. ومأزق هشاشة العلاقات

تعد الفردانية وتمجيد الخصوصيات ضربة قاصمة للفعل الأخلاقي الموجه لخدمة تماسك العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، وهي مجلبة للعزوف عن الفعل الخيري والرسالي، في ظل:

1- تمجيد الفرديات الصغيرة.

2- تمجيد الاستهلاك التفاخري وحياة الرفاهية.

3- إعلاء الاستقلالية والخصوصيات (خصوصيات قلة الأدب، وقلة الذوق، والاهتمام بالكشف عن الذات)(2).

ويتجاور الحرص على الظهور بمظهر مثالي واحتراف النصح، مع فضح الأسرار والتأثير على المتابعين مهما كان الثمن، وفعلاً تتجاور «النصائح مع الفضائح» بشكل لافت للنظر في مواقع التواصل؛ مما أسفر عن اختلال كبير في الدور العلائقي بين الأفراد.

الهروب نحو العلاقات الافتراضية

فصار الضرب في وجوده شغالًا وبلا هوادة، لدرجة الرغبة في التحلل من الروابط الأسرية في الواقع، والتطلع للعلاقات الافتراضية «الحب عن بُعد»(3)، والصلات العابرة والمؤقتة، والاندفاع لتجريب كل الإمكانات الجديدة للترفيه واستعمال المتع، والوصول إلى تماهيات أكثر تعقيدًا وأكثر غرابة ووحشية.

من هذا المنظور، نشهد انبثاق صور جديدة لهويات هجينة (لا ذكر ولا أنثى) وأشباه للبشر من المتحولين في أغلب الأحيان، وذلك خاصة عندما نسمح للفرديات الصغيرة بالتنامي والبروز بشكل فوضوي عبثي على حساب قيم الأسرة والمجتمع؛ بحيث يفقد الناس الاهتمام بالشأن العام في ظل الانغماس الأرعن في الشأن الخاص وحده.

وهذا مؤشر خطير جداً؛ لأن «تأكيد الذات يبدو مثل وهْم متخيل، ويحتمل أن يرفض بشكل واسع لذلك السبب بوصفه من أعراض التوحد أو حالة من خداع الذات»(4)، وكل أشكال النرجسية، ويرتفع حديث النفس ويتعملق لدرجة الهوس والوسواس القهري، وجنون العظمة، والذهان، وحتى ينحدر إلى احتقار الذات وجلدها المستمر.

الهوية الجندرية وإفساد الفطرة

الحديث هنا حول الهوية الجندرية (Gender Identity) في الثقافة الغربية؛ أي لم يعد التقسيم الجنوسي (ذكر/ أنثى) عندهم ثابتًا، بل أضحى مفتوحًا على أشكال أخرى هجينة، نابعة من اختيار وإحساس كل شخص بجسده. ولهذا نجد تعريفًا للهوية منفتحًا على التعددية بشكل بعيد كل البعد عن ثقافتنا:

«فالهوية في معناها العام كل يتكون من الهويات الجزئية المعلنة من شخص ما، وذلك يشير إلى تعدد كبير في الهويات الفرعية، إذ يحق لكل فرد تحديد هويته بما يناسبه»(5).

ومن هنا كان فتح الباب على مصراعيه أمام الهويات الهجينة والشاذة، وفرض التخنث تحت وصايا المواثيق الدولية وكأنه دفاع عن حقوق مشروعة بشكل طبيعي، وهو في حقيقة الأمر إفساد للفطرة، وتهديد للبشرية برمتها، بضرب القوانين الكونية ومحاولة استحداث قوانين مبنية على سلطة الأهواء فقط.

فلسفة الاختلاف.. الهوية والغيرية

يرتبط مصطلح الاختلاف الجنسي (Sexual Difference) بمسألة الهوية والغيرية(6)؛ لأن الغيرية محدد لازم لحضور الهوية، وأيضًا يعود بجذوره لما كتبته سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الآخر» الذي يطرح إشكالية التراتبية النخبوية والدعوة إلى المساواة بين الجنسين.

جاء مصطلح الاختلاف بحمولاته الفكرية متأثرًا أيضًا بفكر ما بعد الحداثة وما فيه من تناقضات، تقويض الأبنية الثابتة وإذابة المركزيات، مؤكدًا مزية الهوية الأنثوية وخصائص اختلافها، وخاصة لوسي إيريغاري التي تعتبر الاختلاف الجنسي المضمون الأكثر ملاءمة لأجل ترسيخ التفكير العالمي(7).

شرعنة الاختلاف والشذوذ

وفي ذلك خلخلة وهدم للفطرة السليمة، والانفتاح على أشكال متعددة خارج الذكورة والأنوثة، ويصبح الشذوذ النتيجة الطبيعية لكل ما ليس بطبيعي، من فكرة التأسيس للاختلافات والاختيارات في الهوية كشأن خاص بين البشر، وخاصة عندما يكون النهوض للتأسيس قانونيًا كحق مشروع.

بحيث يكون كل اختلاف نابعًا من اختيار للهوية الخاصة، حتى وإن كان هذا الاختيار بعيدًا عن أصل الخلقة التي خُلق عليها، وبعيدًا عن الأسرة التي ينتمي إليها والدين الذي يدين به؛ لينشأ هذا الاختلاف في حضن معاداة ورفض كل القيود التي تحول دون تحقيق ذاته وهويته وفرديته الصغيرة.

رفض الآخر وقيم المجتمع

تعد شرعنة الاختلاف كمبدأ صورة مقيتة لرفض الآخر ومعاداته، والانفصال عنه وعن قيمه، مهما كان (أبًا أو زوجًا.. إلخ، أو متجسدًا في قيم دينية أو أخلاقية) لتأكيد الاختلاف كنعرة من نعرات الاستغراق في الذات والتوحد معها والذوبان فيها، دون أخذ بعين الاعتبار قيم الأسرة والمجتمع.

كمن يخرق ركنًا من سفينة تعج بالناس، فقط لأن مزاجه قال له: أخرق ركنك، ولا تحفل بقانون السفينة، ولا بحياة البشر، واصنع قانونًا خاصًا بك؛ قانونًا للفساد، ضد قانون الكون كله.. تخرق السفينة لتمجيد العنجهية الفردية وليذهب الكون والبشر إلى البحر.

وبالتأكيد هذا هو المنطلق الذي اعتمده منظرو النسوية الغربية المعاصرة في هدم وتقويض المركزيات الثابتة (الدين والقيم والفطرة السليمة)، وإعادة بنائها وفق منطلقات ومعايير جديدة تحتكم إلى الميوعة والسيولة والفوضى ونظام كامل للتفاهة(8).

وفي هذا المقام، نهضت الفيلسوفة النسوية إيريغاري لإبراز مفهوم الاختلاف كعلامة تفرد، بعيدًا عن منطق التماثلية والمساواة، لتسقط في ظاهرة إعلاء الأنوثة، والنظر إليها نظرة استقلال وخصوصية عن الآخر المختلف، وتمجيدها والتمركز حولها، وهذا ما أثر تأثيرًا كبيرًا في تغيير قيم الأسرة من تكريس حقوق الفرد على حساب حقوق المجتمع وحقوق الإنسانية جمعاء.

وسيادة الفوضى الأخلاقية في ظل سلطة الفرديات الصغيرة على الأسرة، وهيمنة النرجسيات العدائية على قيم المجتمع، إنها قوة الأهواء التي تحاول فرض سطوتها على الأخلاق بشكل أو بآخر، ليتكرر معنا هذا السؤال المحوري: هل بقيت فرصة للأخلاق في ظل انهيار معنى الأسرة؟

نهاية التراحم الإنساني

وفي الأخير، يمكن القول: إن الفردية ليست مجرد حالة مزاجية تربطها مصالح دنيوية فقط، بل هي حرب قاصمة على إنسانية الإنسان، ودمار شامل للنسيج الأسري، في زمن تمجيد الفرديات الصغيرة، يتم تبديد أي معنى تراحمي؛ إنه إعلان للحرب على القيم ونهاية للحب الصافي والتآلف بين الناس.

تقوم حياة الأفراد في البيئة الرقمية على الاتخام في التنقل عبر المنصات الإلكترونية، والتحرر من كل الالتزامات والمسؤوليات في ظل تخلي الأسرة عن دورها التربوي الرسالي، صار التركيز على تحقيق نجاحات فردية، وحل مشكلات فردية، وصراعات فردية، وطموحات فردية.

لتتحول حياة البشر إلى مجرد كائنات استعمالية، كائنات رقمية لا تشبه البشر، بعيدة كل البعد عن حرارة المشاعر ودفء العلاقات، إلى مجرد تنميط وتحديد لإنسانية الإنسان وضبط عقله ووجدانه في علاقات إجرائية آلية جامدة، ليكون الإنسان للأسف الشديد على موعد مع انتفاء الإنسانية في زمن تمجيد الفرديات الصغيرة.

ويبقى السؤال دائمًا: هل بقيت فرصة للأخلاق في ظل انهيار معنى الأسرة؟

نقلا عن مجلة المجتمع من بعد اذن الكاتبة

https://mugtama.com/articles/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%84%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%B2%D9%85%D9%86_%D8%AA%D9%85%D8%AC%D9%8A%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page