حصريا

مصلحة المحضون دراسة في ضوء المادتين 64 و66 من قانون الأسرة الجزائري – د.جبارة سامية -الجزائر-

0 152

د.جبارة سامية

أستاذ محاضر ب

كلية العلوم الإسلامية

جامعة  الحاج لخضر باتنة1

 

مصلحة المحضون دراسة في ضوء المادتين 64 و66 من قانون الأسرة الجزائري

المقدمة

شرّع الله الزواج بين الرجل والمرأة وجعله ميثاقا غليظا في قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} النساء/21. فالزواج  بمثابة العهد الوثيق بين الرجل والمرأة، الذي من شأنه بناء الأسر وحفظها من التفكك وشبّه الله هذا الرباط بالسكن الذي تملأه المودة والرحمة.

ومن رحمة الله بالزوجين أن شرّع لهما سبيلا في حال عدم توافقهما واتفاقهما واستحالة العشرة بينهما، بإنهاء العلاقة الزوجية بشكل متحضر ومنظم بدلا من تفاقم الضرر بينهما وذلك بفك الرابطة الزوجية وحل الميثاق الغليظ بالطلاق، وقد خصّ الله تعالى في كتابه الحكيم سورة كاملة باسم الطلاق، صونا للعلاقات وحماية للحقوق، وتنظيما لاستمرار الحياة.

إلّا أنّه عند تطبيق ما جاء في الشريعة والقانون من أحكام واجراءات فيما يخص الطلاق وتبعاته، نصادف الكثير من الصعوبات والثغرات التي تعود بالضرر على المطلقة والمحضون بالدرجة الأولى.

ثم إنّ معظم القوانين التي تخضع إلى تعديل تتعارض في بعض جوانبها مع مصلحة الأطراف، وفي هذا البحث سنقتصر على التعديل الأخير لقانون الأسرة الجزائري الصادر بموجب الأمر 05-02 المؤرخ في 27 فيفري 2005، وتحديدا المادة 64 المتعلقة بالحضانة، والمادة 66 المتعلقة بإسقاط الحضانة.

لقد نصت المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري 84/11 المؤرخ في 09 ينويو 1984م على ما يلي:{ الأم أولى بحضانة ولدها،ثم أمها، ثم الخالة، ثم الأب ثم أم الأب، ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك، وعلى القاضي عندما يحكم بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة}.

وقد تم تعديل قانون الأسرة وتتميمه بموجب الأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فبراير 2005 ونصت المادة 64 منه على ما يلي:{  الأم أولى بحضانة ولدها، ثم الأب، ثم الجدة لأم، ثم الجدة لأب، ثم الخالة، ثم العمة، ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل ذلك، وعلى القاضي عندما يحكم بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة”، من خلال نص المادة 64 قبل وبعد تعديلها نلحظ الفرق في ترتيب مستحقي الحضانة بعد فك الرابطة الزوجية بالطلاق أو بوفاة أحد الوالدين.

وما يهم في هذا البحث هو مسألة في غاية الأهمية والتي تعد من تبعات الطلاق، وهي الحضانة  وارتباط المادة 64 بالمواد القانونية التي جاءت بعدها وهي المادة 66 وما بعدها.

وتأتي أهمية هذا البحث في إطار النزاعات التي تُثار في مختلف الهيئات القضائية لاسيما المحاكم والمجالس التي تعج بقضايا حول إسقاط الحضانة، أو رفع مبلغ النفقة أو إلزامية إيجاد مسكن لممارسة الحضانة أو رفع قيمة بدل الإيجار المحكوم به للحاضنة، ووسط كل هذه الخلافات والنزاعات يضيع حق المحضون أو تُغيّبُ مصلحته دون وعي ودون نظر للآثار التي تتركها هذه الخلافات بين مختلف الأطراف نفسيا واجتماعيا.

ونهدف من خلال هذا البحث الوصول إلى معرفة الإطار والمفهوم الواضح لمبدأ المصلحة في ترتيب مستحقي الحضانة، والإجابة عن الإشكالية الآتية: هل وضع المشرع إطارا واضحا للتعريف بمصلحة المحضون حتى لا تتباين الأحكام القضائية في هذا الشأن، و هل مراعاته لهذا المبدأ (مصلحة المحضون) جاء منسجما مع أحد أسباب سقوط الحضانة عن الحاضنة وخاصة بزواجها؟

ومن هذه الإشكالية تتفرع بعض التساؤلات الجانبية منها:

  • ما المقصود بالحضانة في الفقه الإسلامي ومراتب مستحقيها؟
  • كيف نظمت المادة 64 ترتيب مستحقي الحضانة؟
  • ماهي تداعيات المادة 64 و66 من القانون؟
  • هل يُعد زواج الحاضنة سببا آليا لإسقاط الحضانة حتى وإن كانت مصلحة المحضون تقتضي أن يكون مع الحاضنة؟

أولا/ تعريف الحضانة

التعريف اللغوي: الحضانة في الأصل اللغوي، هي الضم والرعاية والعناية المادية والمعنوية، وهي في اللغة مصدر الحاضن، والحاضن والحاضنة الموكلان بالصبي يحفظانه ويربيانه [1]

وحضن الصبي حِضانة: أي ربّاه وكفله وقام على شؤونه[2].

التعريف الشرعي: والحضانة شرعا “هي تربية الولد لمن له حق الحضانة، أو هي تربية وحفظ من لا يستقل بأمور نفسه عما يؤذيه لعدم تمييزه، وذلك برعاية شؤونه، وتدبير طعامه، وملبسه، ونومه في سن معينة”[3].

عرّف المالكية الحضانة على أنّها تربية الولد وحفظه وصيانته حتى يحتلم ثم يذهب الغلام حيث شاء”[4]. أما عند الشافعية فهي: “حفظ من لا يستقل بأمره وتربيته بما يصلحه ويقيه مما يضره “[5].

وفي قانون الأسرة الجزائري تُعرف الحضانة في المادة 62 منه على أنّها “رعاية الولد وتعليمه والقيام  بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته وحفظه صحة وخلقا” [6].

بهذا نرى أنّ المشرع الجزائري لا يختلف كثيرا عن الرؤية الفقهية الإسلامية لمفهوم الحضانة، ومنه فهو شامل لحاجيات المحضون الدينية والمادية والمعنوية لذلك يتعين على المحكمة عند فصلها في حالة الطلاق وإسناد الحضانة مراعاة كل العناصر التي تضمنها تعريف الحضانة، وكذلك مراعاة احتياجات المحضون ومصلحته الحقيقية التي يستوجب توافرها طيلة مدة احتياجه إلى من يقوم بممارسة هذا الحق من رعاية وتربية واهتمام الخ .[7]

ثانيا/ الأحق بالحضانة بعد الأم في الفقه الإسلامي

أجمع أغلب فقهاء الأمة وعلمائها أن حضانة الأبناء بعد الطلاق بين الزوجين تؤول إلى الأم بالدرجة الأولى، إلا أنّ الترتيب في إسناد الحضانة بعد الأم يؤول إلى أم الأم عند المالكية وإن علت، ثم بعدها أم الأب وإن علت ثم الخالات فالعمّات،

أما عند الحنفية فالأم وبعدها أم الأم ثم أم الأب، ثم الأخوات أخت الأب ثم أخت الأم، ثم الخالات ثم العمّات.

وعند الحنابلة فتُسند الحضانة للأم أولا، ثم أمهات الأم، ثم الأب ثم أمهات الأب، ثم الجد ثم أمهات الجد، ثم الأخت ثم الخالة ثم العمّة والأقرب فالأقرب.

وعموما وإن كانت مسألة الترتيب في الفقه الإسلامي تختلف من مذهب إلى آخر، إلا أنّ الإجماع قائم بينهم على أنّ الأم تأتي في المرتبة الأولى، وأنّ المذهب المالكي أقر بإسناد الحضانة بعد الأم إلى الجدة لأم، وهو الأصلح للمحضون والأسلم له ولراحته النفسية والاجتماعية. وغالبا فإنّ “الإناث أليق بالحضانة لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية، وأصبر للقيام بها” [8]

ثالثا/  السلطات المخولة للقاضي بتقدير مصلحة المحضون

حدّد القانون ترتيبا لمستحقي حضانة المحضون، ولكن الواقع قد يظهر أحقية طرف آخر قد يكون الأقدر والأكفأ على رعاية المحضون وحمايته والقيام على شؤونه، ومن هنا تعود للقاضي السلطة التقديرية في إسناد هذا الشخص المؤهل لرعاية هذا المحضون، وأيضا توصلت بعض الاجتهادات القضائية لتتجاوز الترتيب المحدد في الحضانة وذلك مراعاة لمصلحة المحضون.

وغالبا ما يتمتع القاضي الشخصي بالسلطة التقديرية في قضايا النفقة والحضانة والسكن، فيمكنه تجاوز الترتيب القانوني للحضانة ويراعي مصلحة المحضون فوق هذا الترتيب، إن رأى ضرورة لذلك، كما يمكنه الاستعانة بخبراء ومختصين لإجراء خبرة لجمع معلومات حول الأوضاع المادية والاجتماعية للوصول إلى قرار أنسب يصب في مصلحة المحضون.

وفي كل الأحوال نصت المادة 64/ ق أ ج، على أن للقاضي صلاحية الخروج عن الترتيب الوارد في هذه المادة إذا اقتضت مصلحة المحضون ذلك، وهذا طبعا يبقى مرنا، لأنه في أغلب الحالات يصعب إثبات ما تقتضيه المصلحة، إلا إذا تم استشارة الطفل خاصة إذا كان المحضون صغير السن لا يعي أين تكمن مصلحته في البقاء مع الطرف الذي أسندت له الحضانة عن غيره[9].

وقد أشارت بعض الدراسات التي أُجريت حول موضوع الحضانة وعن أسباب تعديل الترتيب الوارد في القانون السابق، أنّ مردُّ ذلك إلى ما تقتضيه مصلحة المحضون كما أسلفنا، وأيضا أن هذه التعديلات جاءت استجابة للظروف الاجتماعية، وبعض الحالات العائلية المعقدة، ويُقصد بها حالات الزواج المختلط- مع أنّ هذه الحالات شاذة ولا يمكن القياس عليها- التي لا يمكن أن تكون سببا لإسناد الأبناء إلى والدهم بمجرد أن تزوجت أمهم بزوج أجنبي، وإن حدث فالأولى أن تُسند الحضانة  مباشرة إلى جدتهم لأمهم قبل أبيهم، لأنّه في هذه الحالة فإنّ مصلحة المحضون تقتضي أن يكون في جو من الهدوء والاطمئنان مع جدته لأمه أولى من زوجة الأب .

ولولا أن المصلحة العامة للمحضون تقتضي الترتيب الذي أقرته المادة 64 من القانون 84/ لما أُعطيت الصلاحية للقاضي للخروج عن ترتيبها الذي جاء في ذات المادة من القانون المُعدَّل.

فمصلحة المحضون هي أن ينشأ في جو هادئ ومستقر أساسه الراحة النفسية والجسدية والمادية، وإن كانت الشريعة المصدر الأول للقانون في بلادنا، فهي وإن لم تُقر بالترتيب الذي جاء في القانون بخصوص الحضانة في حال الطلاق، إلا أنّها أقرت بأن رعاية الولد والقيام بتربيته من شأن الأم بالأساس، ورغم ذلك يبقى مبدأ مراعاة مصلحة المحضون مبدأ عام غير محدد وغير واضح المعالم ومع أن السلطة التشريعية خوّلت للقاضي السلطة التقديرية الواسعة في ذلك إلا أنّه وجب وضع تعريف محدد لهذه المصلحة وتحديد ضوابط لها.

لذلك نجد أنّ هناك نزاعات كثيرة أمام الهيئات القضائية سواء بين المطلقين أو الأقارب بسبب محاولة إسقاط الحضانة عمن أُسندت له؛ وتكون غالبا كردة فعل بينهما ناتجة عن الطلاق الذي يعتبر بالنسبة لهما أو لأحدهما هزيمة أو خيبة أمل، فتنعكس ردود الأفعال التي تصل إلى الاستمرار في النزاعات أمام المحاكم والبحث باستمرار عن أي حجة لإثارة الخلاف، دون التفكير في النتائج التي تحدثها هذه النزاعات وأثرها على نفسية المحضون، من تشتت وضياع وأزمات نفسية واجتماعية تؤثر على مستواه التعليمي بدرجة أولى.

ثانيا: زواج الحاضنة كسبب لإسقاط الحضانة وأثره على مصلحة المحضون وفق المادة 66

نصّت المادة 66 من القانون 05 على أسباب إسقاط الحضانة إن كانت مسندة للأم والتي تشمل الزواج بغير قريب محرم، أو بالتنازل عنها ما لم يضر بمصلحة المحضون، أو باختلال شروط الحضانة المنصوص عليها في المادة 67 من ذات القانون، كعدم القدرة على التربية والرعاية والإهمال[10].

فمن أهم وأكثر الأسباب التي تأخذ بها المحكمة كسبب لإسقاط الحضانة هو زواج الحاضنة بعد الطلاق، وقد اشترطت في هذا الزواج كسبب مسقط للحضانة أن يكون من غير قريب محرم لاعتبارات كثيرة مبنية على الافتراض في أغلبها، لأنّ الزواج لا ينبغي أن يكون سببا مباشرا وآليا لإسقاط الحضانة عن الأم وإنما يتطلب فحصا أوليا للنظر في آثاره الواقعية – سلبا وإيجابا- على مصلحة المحضون نفسيا واجتماعيا والتي تكون محددة ومُعرَّفة ومضبوطة من قبل القاضي مسبقا.

حينما يكون الزواج بغير قريب محرم سببا مباشرا لإسقاط الحضانة في أغلب الحالات فهو إضرارٌ من جهة بمصلحة الحاضنة وقيدٌ لها وتعطيلٌ لها في إعادة ترتيب حياتها بعد فشلها لأول مرة، مع أنّ  قرار المحكمة العليا 2023  نص في كثير من قراراته على مبدأ مفاده أن الحضانة تُسند بناء على مصلحة المحضون بصرف النظر عن الترتيب الوارد في المادة 64 من قانون الأسرة، ويستعين القاضي عند تقرير مصلحة المحضون بتقرير المساعدين الاجتماعيين[11]، ولا يخضع في ذلك لرقابة المحكمة العليا على اعتبار  تقدير مصلحة المحضون مسألة موضوعية تدخل في نطاق سلطته التقديرية.

يتبين لنا من خلال هذا البند القانوني الذي صدر عن قرار المحكمة العليا أنّ هذه الأخيرة تؤكد على مراعاة المصلحة للمحضون، وقد لا يُسقط الحضانة عن الأم حتى ولو تزوجت مرة أخرى، وما يعينه في قراره هو الاستعانة بمساعدين اجتماعيين أو إجراء تحقيق مدني لمعرفة الظروف التي يعيش فيها المحضون وسلامة البيئة التي يوجد فيها عند الشخص الحاضن خاصة الأم وفي حال تزوجت مرة أخرى،  و من خلال هذا الإجراء يتمكن القاضي من إسناد الحضانة على أساس المصلحة.

وبالرجوع إلى الواقع نجد صعوبة تقرير الظروف التي يتواجد فيها المحضون لتقرير مصلحته في إسناد الحضانة، خاصة إذا كانت مصلحته مع أمه، وتقرر إسقاطها عنها بعد زواجها بغير قريب محرم كما جاء في نص المادة 66 “يسقط حق الحاضنة بالتزوج بغير قريب محرم، وبالتنازل ما لم يضر بمصلحة المحضون” لذلك وجب التفكير في تخصيص المساعدين الاجتماعيين المتخصصين لمتابعة المحضون بصفة دورية لمعرفة الظروف المحيطة به وتحديد مصلحته، على أن تؤمن لهم كل الظروف والأدوات لتحقيق هذه المهام بكل موضوعية.

ثالثا/ الجوانب السلبية للمادتين 46/66 من قانون الأسرة على الأم الحاضنة                                                                                                         

عندما يكون هناك خطأ أو سوء تقدير الظروف الملائمة للمحضون أو سوء تقدير مصلحته تنتج أضرار ا وآثارا تكون ضحيتها المرأة المطلقة ومن أهمها:

  • مسألة ترتيب القائمين بالحضانة بعد طلاق الزوجين أو إسنادها لمن لهم الأحقية بعد زواج الأم، قد تنجر عنه خلافات بين الأقارب خاصة عند انتقال الحضانة، وهذا يضع العائلات في صراعات لا تنتهي.
  • في حال زواج المرأة الحاضنة وبقريب غير محرم تسقط عنها حضانة الأبناء آليا، ووفقا للقانون المعدل تُسند حضانة الأبناء إلى والدهم بموجب القانون الجديد، ومن شأن هذا البعد إحداث ضرر معنوي وأزمات نفسية عند كل من الأم والأبناء.
  • قد يفضي ارتباط بقاء الحضانة للأم الحاضنة إلى نشوء خوف قانوني مستمر لدى المرأة يجعلها مترددة في الإقدام على الزواج وإعادة بناء حياة جديدة خشية فقدانها لهذا الحق، الأمر الذي يؤثر سلبا على حقها في إعادة بناء حياتها الأسرية، بينما يختلف الأمر بالنسبة للرجل.
  • وهذا الخوف القانوني الذي تَشَكَّل عند المرأة قد ينجر عنه سلوكيات أخرى تلجأ إليها بعض المطلقات لإشباع بعض الرغبات قد تكون في دائرة المحرمات دون وعي أو إدراك منها.
  • اضطرار المرأة المطلقة غير العاملة إلى الخروج للبحث عن عمل؛ لإكمال النقص الذي لا يسده مبلغ النفقة المحكوم بها وتغطية احتياجات الأبناء خاصة في هذا الوقت المعاش الصعب، ومن هنا يكون هناك بعض التقصير في متابعة المحضونين وما لهذا الأمر من نتائج سلبية أخرى، قد يستغلها الأب مبررا لإسقاط الحضانة رغم أنّ المشرع لم يجعل عمل المرأة سببا لإسقاطها.

رابعا/ التباين في تطبيقات المادة 64 بين القانون القديم والمعدل

إذا راعينا الترتيب الوارد في المادة 64/05، والمادة 64-84، لوجدنا أنّ الحضانة التي أسندت إلى الأم في حال زواجها تسقط عنها لهذا السبب وتُسند إلى الأب وفي حال لم يستقم الأمر مع الأب في رعاية المحضون تنتقل برغبته أو بقوة القانون إلى الجدة لأم، ثم بعدها الجدة لأب وهكذا نجد أن المحضون يتأرجح بين هذا الترتيب بين طرفين: من جهة الأم ومن جهة الأب، وقد تختلف عنه طرق الرعاية والتربية وقد لا ينشأ نشأة سوية كاملة.

وفي حال سقوط الحضانة عن الأم الحاضنة في حالة الزواج بغير قريب محرم وحفاظا على مصلحة المحضون فالأولى بانتقالها إلى الجدة لأم أو الخالة ضمن الترتيب الذي جاء في المادة 64-84 لأنّه هو الأسلم، فالمحضون يكون عند جدته لأمه أو خالته فهو بذلك أقرب لأمه بعد زواجها، وليس كما جاء في القانون المعدل، فلو تزوجت المرأة بعد طلاقها وأسقطت عنها الحضانة وأُسندت إلى الأب، فهنا نكون قد تسببنا في بعد الأبناء عن والدتهم، لأنها مرتبطة برجل آخر قد لا يتفهم التواصل الذي يبقى قائما بين أبناء الزوجة ووالدهم باستمرار، على خلاف لو أن الحضانة تنتقل مباشرة إلى الجدة لأم أو الخالة، فالوضع يختلف وللأب حق الزيارة والاهتمام بالأبناء كيفما شاء دون أن يكون هناك حرج ولا مشقة ولا حدوث مشاكل من آي نوع.

خامسا/  تخصيص مسكن لممارسة الحضانة من مراعاة مصلحة المحضون

عندما نتحدث عن الحضانة خاصة إذا آلت إلى الأم بقوة القانون، فلا بد من التحدث عن مسكن لممارسة الحضانة، ولا بد للحاضنة من بيت أو شقة تُمارس فيها حضانة أبنائها وتسهر على رعايتهم وتستقل ببيت يأويهم ويضمن لهم حياة هادئة ومستقرة، وهو ما نصت عليه المادة 72،” في حالة الطلاق يجب على الأب أن يوفر لممارسة الحضانة سكنا ملائما للحاضنة، وإن تعذر ذلك فعليه دفع بدل الإيجار، وتبقى الحاضنة في بيت الزوجية حتى تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بالسكن” ثم تأتي بعدها المادة 78 لتدرج بدل الإيجار ضمن توابع النفقة كحق للمحضون، وتجدر الإشارة إلى أنّ مبلغ النفقة أو قيمة الإيجار تُرَاعى فيه الحالة الاجتماعية للأب.

الحقيقة أنّ المرأة في مجتمعنا الجزائري بمجرد طلاقها – بل بمجرد حدوث نزاع-  تخرج من مسكن الزوجية على بيت أهلها مع أبنائها، ويحكم لها ببدل الإيجار الذي يُعد من توابع النفقة كما أسلفنا  وغالبا ما يكون مبلغا ضئيلا لا يغطي استئجار غرفة في وقتنا الحالي، وقد تضطر لاستئناف الجانب المادي في الحكم القاضي بالطلاق سواء بمبلغ النفقة أو رفع بدل الإيجار أو توفير مسكن من قبل الزوج لممارسة الحضانة فيه وهذا قد يرهق كاهلها ماديا ومعنويا.

و المشرع الجزائري في مسألة الحضانة راعى مصلحة المحضون في حضانته لمن هو أهل لها ولم يراعي في الوقت نفسه مصلحته في ضرورة توفير مسكن لممارسة هذه الحضانة المسكن الذي يعتبر من أهم الأمور التي تجعل المحضون يعيش في أمن واستقرار، لأننا نعيش واقعا يشهد بأنّ نسبة كبيرة من الحالات التي نرى فيها لجوء المطلقة الحاضنة لأبنائها إلى بيت أهلها لأنّ قيمة الإيجار لا تكفي لاستئجار بيت هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك حالات يتلاعب فيها الأب لأجل إثبات عجزه عن توفير مسكن لائق لممارسة الحضانة رغم اقتداره ولكن يصعب إثبات ذلك على الأم مما يدفعها لاتخاذ طرق أخرى للكسب واستئجار منزل لهم.

 

الخاتمة

الطلاق هو حل جاءت به الشريعة في حال استحالة العشرة وعدم اتفاق الزوجين على الاستمرار في العيش معا،ومن تبعات هذا الطلاق هو الحكم بالنفقة وإسناد حضانة الأبناء للأم، وتحديد مسكن أو بدل الإيجار  لممارسة الحضانة، وهذه الأحكام يصدرها القاضي بناء على معطيات ومراعاة لمصلحة الاطراف وخاصة المحضونين.

وقد توصلنا من خلال هذا البحث إلى جملة من النتائج جاءت كالآتي:

  • الزواج والطلاق شرعهما الله تعالى في كتابه العزيز، فإمّا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولا يجب اعتبار الطلاق هو بداية حرب بين الطرفين، ولا بد من بعض الوعي والتحضر في  التعامل مع الطلاق ومواجهة تبعاته وتحمل مسؤولية توابعه.
  • ترتيب أداء الحضانة سواء للأم أو الأب يولد عند كليهما الشعور بأنّ رعاية الأبناء وتربيتهم مرتبط بالترتيب لا بالكفاءة، وقد تبيّن إجماع الفقهاء والعلماء أن هذا الحق يُسند بالدرجة الأولى للأم قبل أي شخص آخر، لأنها فطرة جُبلت عليها المرأة قبل الرجل، إلا في حالات خاصة جدا واستثناءات معينة.
  • إخضاع مبدا إسناد الحضانة للسلطة التقديرية للقاضي بمراعاة مصلحة المحضون بدون تحديد تعريف هذه المصلحة أو تفصيلها مع اختلاف الظروف والحالات قد يؤدي إلى تباين في تطبيقاتها.
  • تقتضي مصلحة المحضون وضع تعريف لها وتحديد ضوابط وبناء هذه المصلحة على منطق التحقيق والتحري لا على منطق الإجمال والافتراض.
  • إن إسقاط الحضانة بسبب الزواج بغير قريب محرم كما جاء في المادة 66، يجب أن يكون عنصرا تقديريا لمراعاة مصلحة المحضون وليس سببا آليا للإسقاط، وتراعى كل حالة وظروفها بمعزل عن أخرى،فمراعاة أثر هذا الزواج للحاضنة على مصلحة المحضون هو الذي يؤخذ بعين الاعتبار وليس الزواج بعينه.
  • تعد مسألة إسقاط الحضانة المرتبطة بزواج الحاضنة بغير قريب محرم عامل ضغط نفسي يؤدي إلى زهدها في التفكير مجددا في إعادة بناء حياتها و هذا حفاظا على مركزها القانوني.
  • من المسائل المهمة التي يجب على القاضي مراعاتها لأنها تصب بشكل مباشر في مصلحة المحضون هي مبلغ النفقة ومسكن لممارسة الحضانة إلى جانب إسناد الحضانة إلى أهلها وفي مقدمة ذلك الأم ومن يأتي بعدها سواء في حال الزواج أو الوفاة.

 

قائمة المصادر والمراجع

1- ابن منظور، لسان العرب.

2-   الفيروز أبادي، القاموس المحيط.

3- وهبه الزحيلبي، الفقه الإسلامي وأدلته،(سورا: دار الفكر ،ط2، 1985م،).

4-  الإمام مالك المدونة الكبرى، دار صادر،ج 2.

5-  ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدى خير العباد، الملجلد الثاني، دار الكتاب العربي، ص123.

6- الأمر 05-02 المؤرخ في:27 فبراير 2005

7-    الأمر رقم: 84-11 المؤرخ في 09 يونيو 1984.

8-  هلتالي محمد، استحقاق الحضانة في التشريع الجزائري بين ترتيبات النصوص القانونية ومحاذير المنح، مجلة الباحث للدراسات القانونية والسياسية، العدد 11، سبتمبر 2018.

9  –  راضية قصباية، عبد الرحمن رداد، مشكلات الولاية على الصغير في ضوء المقاصد المتعلقة بحفظ النسل، مجلة الشريعة والاقتصاد، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، المجلد الثامن، العدد 15، شوال 1440ه/جوان 2019م.

10- قرار المحكمة العليا رقم  1072148، الصادر بتاريخ: 03/05/2017م عن غرفة شؤون الأسرة والمواريث

11- المواد 424-425 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بموجب القانون 22-13المؤرخ في 12 يوليو 2022.

[1]– ابن منظور، لسان العرب، 13/123.

[2]– الفيروز أبادي، القاموس المحيط.

[3]– وهبه الزحيلبي، الفقه الإسلامي وأدلته،(سورا: دار الفكر ،ط2، 1985م،)،ص7/717.

[4]–  الإمام مالك المدونة الكبرى، دار صادر، ج 2، ص358.

[5]– ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدى خير العباد، الملجلد الثاني، دار الكتاب العربي، ص123.

[6]– الأمر 05-02 المؤرخ في:27 فبراير 2005 المعدل والمتمم لقانون الأسرة رقم: 84-11 المؤرخ في 09 يونيو 1984.

 

 

[7]– هلتالي محمد، استحقاق الحضانة في التشريع الجزائري بين ترتيبات النصوص القانونية ومحاذير المنح، مجلة الباحث للدراسات القانونية والسياسية، العدد 11، سبتمبر 2018، ص383.

[8]– راضية قصباية، عبد الرحمن رداد، مشكلات الولاية على الصغير في ضوء المقاصد المتعلقة بحفظ النسل، مجلة الشريعة والاقتصاد، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، المجلد الثامن، العدد 15، شوال 1440ه/جوان 2019م،ص91.

 

 

[9]– ينظر: قرار المحكمة العليا رقم  1072148، الصادر بتاريخ: 03/05/2017م عن غرفة شؤون الأسرة والمواريث.

 

 

[10]–  المادة 67 (أمر رقم 5-02 المؤرخ في 27 فبراير2005) تسقط الحضانة باختلال أحد الشروط المنصوص عليها في المادة 62 أعلاه المادة 62:”الحضانة هي رعاية الولد وتعليمه والقيام بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته وحفظه صحة وخلقا”

 

 

[11]– انظر: المواد 424-425 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بموجب القانون 22-13المؤرخ في 12 يوليو 2022،التي خولت لقاضي شؤون الأسرة وسائل تقديرية (خبرة، تحقيق، مساعدة اجتماعية…).

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page